المقالات
السياسة
من النهرة للطلقة -وطلاق اليلاد
من النهرة للطلقة -وطلاق اليلاد
08-27-2016 10:50 PM

زميلي المهندس الباكستاني في محيط العمل، هذا الشخص الظريف الذي يحب كل يوم أثناء أو بعد القيام بالمهام الوظيفية أن يحدثي ويحكي لي عن باكستان. رغم الاختلافات التي بينه وبيني، من البلد إلى القارة إلى اللغة إلي المظهر ..
فهو باكستاني من قبيلة كبيرة هنالك تدعى (بتان) وهي قبائل قاسية بالمقياس البدني حيث يسكن غالبيتهم الجبال والوديان ومناطق الثلوج بشمال البلاد وبين الحياة المعيشية السهلة المتنعمة..أما في قلوبهم فيمتازون بالرحمة والتعاون فيما بينهم في الشدائد والمحن. يجمعني به الاسلام، فهم قاسون على أنفسهم جداً في تطبيقهم لتعاليمه، وتجمعنا الإنسانية وأشياء أخرى.
عادةً ما يحب المهندس حسنين أن يحكي لي حكاوي عن بلاده ولأنه يتحدث لغتهم المسماة (بشتو) ولا يعرف من اللغة العربية إلا بعض الكلمات، كالرحمة والقوم والمؤمنين والجنة وجهنم وهكذا، مما يلتقطه من جمل وآيات القرآن الكريم. فتصبح الانجليزية الوسيلة الوحيدة المتاحة للتفاهم بيننا.
يحكي صديقي بغرض التشويق، كيف أن بلاده جميلة لحد لا اتصوره بالطبع. فكل ما يرتبط في ذهني عن بلاده هو عبارة عن رجال منيعي البنية ويلبسون الزي المعروف بهم وفي أحد اكتافهم نوع من أنواع الاسلحة، قد يكون كلاشنكوف أو آر بي جي. فلم أعتقد أن تلك الأرض التي وطأ أقدامها الإرهابيون بها جبال دائمة الخضرة، تجري خلالها أنهار سائلة صيفاً وصلبة شتاءاً، وكيف أنه قد تستغرق في القرى نصف يوم نزولاً من الجبل لتجلب رعياً لأغنامك، ويوماً كاملاً للعودة إلى البيت. على العموم، وكعادتنا هو يسرد وأنا أسرد فيما يشبه القصص، متعمداً أن أُزخّم روايتي بكل ما أستطيع من تفاصيل لتكون أفضل مما يقوله.
إنها طريقة خفية بداخلنا نعبر بها عن حب الوطن ونشرح فيها بدون قصد، أن بلادنا أجمل من غربتنا ولكنها الظروف.
ويظل يحكي أن ببلادهم أقاليم يختلفون في قليل من العادات والتقاليد، وبدوري أؤكد أن ذلك موجود عندنا.
حكى لي عن الجامعة من المهد الأول كبرلوم إلى المهد الاخير كخريج.
وبدوري حكيت له عن مغامرات الجامعة الإجتماعية وغير الإجتماعية. حكي لي أن الحب في الجامعة لديهم يُعبَّر عنه بالنظرات والخواطر فقط بين حشود الطلاب، ولايستطيع أحد البوح لفظاً إلا ما ندر. وتلك كانت فرصتي للتباهي بأننا نختلف عنهم، وحياتنا سهلة في هذا الجانب، فقد قلت له أن بإمكاني الجلوس مع حبيبتي في مكان هادئ داخل سور الجامعة أمام أنظار العالمين وأنه يصادف أن يلوح لنا أخوها من بعيد بيده، وهو يدرس في السنة الأخيرة في نفس الجامعة.
قال أن بلادهم مزكومة بنفايات الفساد كبلادي، وبشراء الذمم في الإنتخابات، وبالإغتيالات السياسية بغرض تصفية خصوم السلطة. وبدوري أبدعت، فالإبداع والتلفظ أسهل ما يكون في الفساد، أشياء لم تكن في موطني من قبل، وإن بدأت في الظهور تدريجياً في عشرات سنينه الاخيرة..
يحكى ويسرد كل يوم قصص الداخليات والعمل السياسي الطلابي. هم كما نحن في الجامعات قديماً والآن حيث تحتشد سوحهم بالنقاشات والأسرار والسلطة والفساد.

وبين قصة وأخري أقاطعه حتى لا أنسى فأنا أيضا أحب بلادي مثله، فأقارن بينهم وبيننا، في كل شئ.
ولأنه حديث التحصيل في درجة الماجستير يميل لحكاوي الجامعة أسرع مني.
ذات مساء قال أن الحشيش (البنقو) واحد من أهم مغامرات الواقع الطلابي لديهم.
لدرجة أنه عند دخولك إلى الداخلية يجب عليك المرور بالتفتيش أولاً عن بطاقة التسجيل فيها، ثم التفتيش عن الحشيش، وكيف أن العقوبة رادعة لمن ثبت حمله ل100جرام فما فوق.
ولأن فن الجريمة يتطور كما يتطور القانون فقد حكى فنون الدس والتخزين.
فأحياناً يتم ذلك في زجاجة العصير وأحياناً داخل الفم مغلفاً بكيسأو في مكان قصي بفراغ بطارية الموبايل.
ضحكت كثيراً، فقد نسيت العديد من الحكاوي ولكن ذكر بأن زعيم إحدى الأحزاب في الجامعة يُعتبر كبير المحششين فهو لا يستغنى عنه أبداً ليلاً أونهاراً. حكى أن لديه (ديك)، فهم يحبون إقتناء الحيوانات المنزلية ومنها الديوك، في غرفته بالداخلية. وأن (ديك المحشش) الذي ذهب في إجازة إلي أهله قد تجول في أنحاء غرف الطلاب ليستقر داخل غرفة أخرى محشودة بالمدخنين، فقد أدمن المسكين ولم يحسب صاحبه حساباً لموسم الأجازة .
بدوري حكيت له أن (البنقو) نادر جداً في السودان، لكنني أجد نفسي مجبراً أن أقول جملة (إلا السنين الأخيرة دي).
وأن النزاعات الطلابية بين بعضهم كما حكى ويحكي لي، أن (المسدس) واجب أن يمتلكه كل ذو حزب وعمل سياسي، وكيف يتم تسريبه لغرف الداخلية حيث التشديد في الحراسة. وعن كم من الطلاب قتلوا بعضهم لخلافات سياسية عادية، وبعضها لخلافات عاطفية. ليس هنالك مشكلة طالما أن (Mr. Gun) موجود. وعن ذلك الطالب الطيب الذي سقط برصاصة طائشة في صراع سياسي داخل سوح الجامعة قبل شهر أو شهرين من الآن.
رغم أنني كنت خجلاً في الأول وأنا أحكي له عن الجدل بين الطلاب عندنا، وأننا كنا نسانده بالملتوف والسكين المخصصة، وكيف كنا نخبئها داخل أحذيتنا، وطالباتنا البنات يخبئنها داخل شنطهن جنباً إلى جنب مع القلم وأحمر الشفاه.
وأيضا عن الحوارات المتقدمة بين المختلفين سياسياً منذ الستينات وتطورها إلي السنوات اللاحقة وإتخاذها أشكالاً متطورة حيناً ومتذبذبة حيناً آخر. فالطلاب عندنا هم الأصالة ورمح التغيير ولولاهم لما كان إستقلال البلاد من أيدي الإنجليز. وأنهم صانعو الحرية وقادتها، ثم مابت أحاول في المقارنة والتفاخر الخفي الذي أمثله بلساني وبإستعمال الإشارات حتى تصل المعلومة لأقصي درجة توضيح من جانبي.
ترددت ثم رحل التردد والحياء عني وأنا أسمع منه كيف أن طلقات الرصاص تعبر من غرف الداخليات لتستقر بالناحية الأخرى فسكت وقتها. وكتبت الآن ذلك وأنا اسمع قبل يومين أن مدير الشرطة لدينا، ولا أود أن أسرد ماتسمعونه عن السياسة وصراع السلطة والفساد في بلادي، وكيف أنه أجاب الصحفي بجملة بسيطة وكأنه يحكي عن خندق من خنادق الحروب السودانية الطويلة ( من الكف للطلقة) تلك الإجابة الغريبة عن سؤال وُجه إليه، (كيف ستتعاملون مع مشاكل الطلاب في الجامعات؟!).
شعبي الجميل.. الطيب.. البسيط.. شديد الشكيمة قوي العزيمة...الشجاع.. الغفور المسامح.. والمناكف..
لن أحدثكم وقد فترت آذانكم، كيف كان الطالب السوداني في قديم الذكريات مليء بالهيبة التي لا تضاهيها إلا هيبة المعلم الذي درسه. وكيف كان يعتز ويفخر في مشيته بين الناس لأنه يعلم أن المجتمع السوداني يحترمه ويفسح له طرقات الزحمة وأماكن الثقافة..
ولن أحدثكم وأنتم ذوي الآذان الراقية عن غناء صدح به طلاب معهد الموسيقي والدراما، عن رائعة اسماعيل حسن ووردي:

ياسلام منك أنا آه
ياسلام... ياسلام
العيون فيها سهام*
والكلام فيهو كلام*
في حديثك....*
في ابتسامتك*.....
زينة يا أحلى غرام*
لديارك جيت يا روحي
ليك أزور*
ومن كلام الناس
والله قد ضاع السرور*
في إيديا*...
ليك هدية*...
سامحيني*...
وأعذريني*
وأقبليها يا بدور*
العواذل قالوا ليك*
قالوا أيه*
قالوا بحب*
والله إنت وبس*
إنت في قلب المحب*
هددوني*...
آلموني*..
عذبوني...*
بدلوني الفرحة نار وهيام يوم الغرام*
إنت لونك*
وإنت طبعك*
هادي ما فيهو البشين*
تشبهي الفل في الجناين*
حتى عطرك ياسمين*
ربي يعلم*
كم قلبي مغرم*
إنت ترحم*
بين ضلوعي النار تقيد*
ده حرام والله حرام.

ولن أرهقهكم وكفى بكم المعيشة الضنكة، قد أخذت من وجوهكم الضاحكة بسمتها وأملها عن دور الطالب قديماً في الحياة الإجتماعية والتنمية وتطورها والفنون والثقافة والعلوم والآداب.
وعن الطيب عبدالله وهو طالب في ستينات الالفية السابقة، وعنه أستاذاً ومديراً لجامعة الخرطوم عارفاً بحكمة وتاريخ اللغة وقصصها. وعن الفنان المطرب سيف الجامعة يغني لها وللوطن.
أو حول رحلات الإرشاد الريفي للطلاب التي تستمر لأشهر على نفقة الدولة كاملة حول مدن السودان المختلفة.
وأكيد أنكم سمعتم كثيراً، وكفي بالأحفاد كلية ثم جامعة محركة سكون التعليم للمرأة وصانعة لنساء كان العلم هو جمالهن وطريقهن.

لكن ما لا أحب وأرتعد أن أحكيه للأجيال القادمة وخوفي منه، وصديقي قربي ينتظر أن أكمل حديثي عن بلادي، عن الطلاب الذين أصبحوا يحملون بجانب كتبهم سلاحاً نارياً للحماية.
الحماية ممن؟
من الشرطة الجامعية.
وهذا ليس ببعيد.
ليس ببعيد ويمكن، أن أمد الله في عمري، وأنا أجالس صديقي حسين أن أتحسر أمامه وهو يسألني عماذا حدث في جامعتكم؟
فأرد عن سؤاله بصور استعرضها في تلفوني.
هذا الطالب قتل برصاصة داخل القاعة بعد أن هاجمت الشرطة الطلاب أثناء المحاضرة بحثاً عن سلاح مسرب كما وصلتهم المعلومة من القيادة العامة لقوات الشرطة السودانية.
أو أن أحكي بالفيديو عن إعتصام للطلاب فضته قوات الشرطة بالسلاح، معلنةً أن من يدخل القاعة الدراسية فهو آمن، ومن يرفض فهو مقتول أياً كان.
تحسرت وأنا أسأل مديرها:
لم تحدثنا الشرطة عن إصرارها تحقيق متطلبات التدريس والتعليم أولاً، قبل النهرة الخطيرة..
ولم يتحدث وهو الشرطي الواجب عليه حماية الطلاب عن تحسين السكن لكل الطلاب بالداخليات كأولوية حتى لا يضطروا للقيام بعمل يعطل العام الدراسي ويخلق الفوضي بحسب فهمهم.
أو أن يكون أكثر شجاعة ويخلي الجامعات أولاً من السلاح الخاص بحزب السلطة، وهو السلاح نفسه الذي اغتال من قبل طلاب كثر بالجامعات المختلفة وهم عندنا شهداء.

كان الأحري بفهمه أن تتطرق شرطتنا لأهمية العلاقة بين الطالب والمجتمع، وبين الشرطة والطلاب، وأنه من المهم جداً دور التنوير التوعوي حول مهام الشرطة وحدودها..التي تحفظها دساتير الدول جميعاً. إن الجامعات ليست ارضاً لجنود الشرطة كعرف أدبي عالمي وقانون ثابت.
كان لزاماً على الشرطة الحقة أن تحفظ القانون وتستند لإرث الوطن السوداني في إدارته للأحداث التي تكون خارج الجامعات وبين التي تكون داخلها.
كل ذلك وأنا أفكر كيف سيصير الطالب في المستقبل بهذه العقلية القتالية التي يدرس تحت سقفها.
اسأل وأقول، لم أسمع أن منّ اللًه على أحد من أكاديميي الجامعات الأفذاذ أن قال قولاً رافضاً يشفي كبد ومرارة هذا الوطن الذي علمهم..بل صمتوا كالصخور.. إلا من رحم ربي..
لم نسمع عن تجمع نقابي شرعي أو غير شرعي وقف ضد ذلك القرار الخطير. وكأن على رؤسهم أمطار الخريف والسيول لم تجف..
أو كان بالأحرى أن يأتي صوتاً من داخل قوات الشعب المسلحة السودانية صوتاً واحداً فقط يقول لا..لا دخل للشرطة بالجامعة..ليعيد ذكريات الجيش جيش الشعب..

ويستمر حسين البشتوني لإكمال التفاصيل..وأنا أتقزم أمامه في المقارنة..شيئاً فشيئاً..
قلت له...لا تخف فبعد شهور أو يمكن أيام سأعود واكمل لك كيف صارت جامعاتنا ساحات معركة ومعرفة..
وأن القلم صار رصاصة.
آسف إن أخذتكم بعيداً عن باكستان وجبالها وأنهارها السائلة صيفاً وصلبة شتاءاً. فالنفس أمارة بالوطن جبراً.. وصديقي موجود وسأكتب لكم كل ماسيقوله،
لكن قبلها لابد أن تصل رسالتي لكل سوداني لديه إبن او إبنة، قريب أو قريبة، جار أو جارة داخل الجامعات أو ينتظره المستقبل لارتيادها.
إن لم تنهضوا اليوم لوقف مشروع عسكرة الجامعات ومنعها من التحول لخنادق بديلاً للقاعات، وسواتر رصاص بديلاً للمعامل، وأصوات الإنفجارات بدلاً من أصوات الغناء السوداني الأصيل، ومن حركة الجنود بزي العمليات بديلاً عن أزياء التراث الريفي في احتفالات معارض الكليات..
سنحكي يوماً، ولا نعلم الغيب بل نقرأه بالتجارب، أنه كان هنالك طلاب يدخلون الجامعة..
وأن السودان كان واحداً وليس اربعة كما هو الحال الآن.


[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1356

خدمات المحتوى


م. اليسع عبد الرازق
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة