08-30-2016 02:52 PM


حين رأى المغني ضوء الشمس يتسلل عبر فروع أشجار النيم، وعرف أن يوما جديدا بدأ، ردّد آليا عبارة يرددها بإستمرار العازف الذي يعمل معه: “ستفرج غدا!”
لم تكن هناك أي إشارات لهذا الفرج المزعوم الذي ظل يتوقعه طوال الصيف، كما أنه لم يكن يفعل شيئا، ولم يغادر منزله حتى منذ عدة أيام للبحث عن عمل، يساعد قليلا في ظهور الفرج، حين سمع صوت تليفونه النقّال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب فراغ بطاريته، التي يتعذر شحنها بسبب انقطاع الكهرباء في البيت بسبب الفقر؛ قرر أن منظر أشعة الشمس التي تتسلل مثل فراشات سعيدة بين فروع شجرة النيم، يستحق أن يؤلف من أجله أغنية تدين العولمة وإنقطاع الكهرباء:
حبيبي كان أجمل كثيرا
حين رأيت صورته في الواتساب
كانت صورته مضيئة
حين أرى صورته المضيئة
لا أفهم كيف تكون الكهرباء (في الوقت نفسه)
مقطوعة!
هو وجهاز التليفون يشكوان الجوع، لحسن الحظ في حين توقف جهاز التليفون، كان هو لا يزال يعمل، بطاقة قليلة، لكي يحافظ عليها، كان يتعمد إبقاء جسده في الفراش طوال اليوم، دون أن يتحرك من مكانه إلا للضرورة القصوى. وبما أنه لم يكن يأكل شيئا لم يكن محتاجا ولا حتى ليذهب إلى المرحاض. بقي في فراشه بطاقته المتناقصة حتى إنه لم يستطع أن يرد على تحية عازفه الذي ظهر فجأة في صالة البيت، بتحية أفضل من تحيته أو حتى أسوأ منها. اكتفى فقط بابتسامة صغيرة دون أن يغير شيئا من وضع جسده الصامت. دهش لأنه لم يسمع صوت الباب حين دخل العازف، لا بد أن تشغيل الجسم بطاقة قليلة يخفّض حتى من قدرات حاسة السمع!
أعلن عازف الأورج: “لديّ أخبار سارة”.
تساءل المغني بكسل: “هل قرر أحدهم أخيرا الزواج؟”.
“لا.. قرّر أحدهم أخيرا الطلاق!”.
“هل سنغني أيضا حين يحدث الطلاق؟ هل يوجد حفل طلاق؟ لا بد أن هذه إحدى إفرازات العولمة!”.
“لا، إنه فلان، ورث مالا عن والده، وشقيقه يعمل خارج الوطن. لقد طلّق زوجته بالأمس”.
“لقد غنينا قبل عام في زواجه، كانت فتاة جميلة لها أنف طويل، لماذا طلقها؟”.
“ربما بسبب أنفها، يقال إنها تدس أنفها الطويل في شؤونه الخاصة. هو يحب النساء”.
“مؤكد أنه سيتزوج قريبا، لا يستطيع العيش وحيدا، لديهم بيت كبير، وليس لديه أطفال. حسب قوله يجب أن تكون هناك امرأة ما، تجلس في الفناء لتمشط شعرها الطويل، وتقطف أوراق نبات الملوخية، وتتذمر دون توقف لكي تكون هناك حياة في البيت”.
بدأ المغني يردد مقاطع أغنيته الجديدة، ربما استعدادا لحفل الزواج المرتقب:
حبيبي كان أجمل كثيرا
حين رأيت صورته في الواتساب!
“وكيف سنعيش حتى يقرر زير النساء هذا الزواج؟ لا يوجد دقيق في هذا البيت!”.
قال عازف الأورج: “سوف تفرج غدا!”.
“ولماذا لا تفرج اليوم؟”.
“يحتاج الفرج لبعض العمل لكي يتحرك قليلا”.
“وماذا سنفعل، هل نطوف في الأسواق ونقول للناس لدينا عرض جيد، سنحيي حفلتَيْن بسعر حفلة واحدة لمن يتزوج هذا الصيف، أو أننا سنحيي حفل زواج ومعه حفل طهور (فوق البيعة)!!”.
“الناس فقراء جدا، مجرد أن تبقى على قيد الحياة الآن هو إنجاز عظيم. لا يفكر أحد في الزواج، إن كنت أجد صعوبة في تأمين الخبز لي، كيف سأفكر في إنجاب أطفال؟”.
“تعودنا أن يحضر بعض من يعملون في الخارج في فترة الصيف للزواج، أين ذهب الجميع؟!”.
“وهل توقف أهل الحكومة أيضا عن الزواج، لديهم الكثير من المال!”.
“لم يتوقفوا لكنهم يفضلون إحضار مطرب معروف من المدينة! لكي يتحدث الناس عن العرس طويلا يجب أن يكون المغني معروفا”.
“لكنني أيضا كتبت اليوم أغنية جديدة، ربما تجعلني مشهورا، يتبادل الناس صوري في مواقع التواصل:
حبيبي كان أجمل كثيرا
حين رأيته في الواتساب”.
فكر عازف الأورج بسرعة وبدأ يردد لحنا سريعا اكتشفه في ذاكرته.
قال: “لديّ فكرة؛ ما رأيك أن نذهب لنغني في السوق اليوم؟ سيكون ذلك جيدا. ربما حين يشعر الناس ببعض البهجة وينسون مشاكل حياتهم الكثيرة، ربما سيفكر أحدهم في الزواج، حين يكون الإنسان سعيدا سيفكر في الحب!”.
لكننا يجب في هذه الحالة أن نغني مجانا مدى الحياة، لأننا لو توقفنا لحظة واحدة سيتذكر الناس مشاكل حياتهم ويعودون للحزن مرة أخرى”.
“البعض حين يشعر بالفرح يستمر لديه ذلك الشعور بعض الوقت حتى وإن كان غارقا في التعاسة!”.
“لنفترض أنّ ذلك صحيح، وأن أحدهم شعر بالسعادة، رغم تعاسته، وفكر في الحب والزواج، من أين سيدفع لنا أجر الحفل، إن كان يملك فقط رصيدا من الحب والفرح، لكنه لا يملك أوراقا مالية؟!”.
فكر عازف الأورج قليلا وقال: “سيساعده الناس، بإمكانه أن يستدين! ما دام يستدين ليأكل، بإمكانه أن يستدين ليحب، الحب قيمة سامية تبقى على مر السنين”.
“لا أستطيع الاحتفاظ بقيم سامية كثيرة لفترة طويلة حين أكون جائعا!”.
“لكن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان!”.
“أعرف ذلك، الخبز وحده ليس كافيا، يجب أن يكون هناك قليل من اللحم أحيانا، وبعض حساء الخضراوات. بعض النساء ماهرات، يستطعن عمل حساء من أي شيء، حتى من أوراق الشجر”.
“أقصد أن غذاء الروح هو الأهم من الغذاء العادي!”.
“الكلام سهل، هل تناولت طعاما اليوم؟”.
“نعم أرسل أخي من الخارج مالا لأمي، فطبخت لنا لحم الدجاج مع الأرز!”.
“بإمكانك إذن أن تتحدث عن غذاء الروح، ما دمت لا تشعر بالجوع مثلي! في المرة القادمة حين تطبخ أمك الدجاج بالأرز يجب أن تتذكر أن رفيقك المغني يتضور جوعا حتى قاع روحه. الشمس رائعة ورائحة زهور الليمون والبرتقال جميلة والقمر رائع حين يضيء الفناء، كلها أشياء جميلة لكنها لا تصلح للأكل، لقد شبعت روحي حتى خفت أن أتقيأ من تخمة روحي! لكن بطني لا يزال فارغا ولا زلت جائعا!”.
قال عازف الأورج: “سنذهب لنغني في السوق، وحين يشعر الناس بالسعادة سنجد ثمن شراء شيء يؤكل!”.
قال المغني: “وهل ستسمح لنا الحكومة أن نغني ونجعل الناس سعداء؟”.
“الحكومة ستكسب، حين يشعر الناس بالسعادة لن يفكر أحدهم في الثورة!”.
“بالعكس حين ينسى الناس مشاكلهم اليومية، التي تشغلهم طوال الوقت سيكون لديهم وقت ليفكروا في من تسبب في مشاكلهم وأحزانهم اليومية، سيتذكرون حريتهم المفقودة! “.
وهكذا تحامل المغني على جسده المرهق بسبب الجوع وخرج مع العازف الذي حمل معه آلة الأكورديون. في السوق تجمع حولهما بعض الأطفال وبعض العطالى. وقف البعض يراقبونهم من على البعد وهما يغنيان في الساحة الصغيرة في مدخل السوق. ارتجل المغني عدة مقاطع وألحان لأغنيته التي تدين خداع العولمة وغنّاها بسرعة:
حبيبي كان أجمل كثيرا
حين رأيت صورته في الواتساب
كانت صورته مضيئة
حين أرى صورته المضيئة
لا أفهم كيف تكون الكهرباء (في الوقت نفسه)
مقطوعة
لكنني حين التقيته في السوق
كان يبدو أكبر قليلا
والأسوأ أن رجله اليسرى
كانت من الأخشاب!
كان يكفي أن يقول إن الرجل اليسرى من الخشب، لكن كلمة أخشاب كانت تعطي وقعا مشابها لكلمة واتساب.
وقف المارة يرقبون مظاهرة الغناء السوقي من على البعد، ربما كانوا يخشون أن يطالبهم المغني بدفع ثمن البهجة إن أظهروا أي تعاطف مع العرض المرتجل، لذلك لبثوا يرقبون العرض في طرب صامت، وجد البعض أن بالإمكان الشعور بالبهجة والسلام من الداخل، دون أن يضطر الإنسان إلى إظهار بهجته بالرقص. الرقص في مثل هذا المكان سيثير الغبار وربما تعتقد الحكومة إذا ارتفع الغبار في المكان، أن هناك مظاهرة بسبب غلاء المعيشة، وقد يعتقلون بعض الناس بتهمة الابتهاج دون سبب واضح.
لكن شيئا فشيئا بدأ الناس يقتربون، لقد لعبت حرارة الأداء دورا كبيرا. تقدم الناس، وسرعان ما قام صبي بالخطوة الأولى حين ابتدر الرقص، نظر له الناس بدهشة كأنه يقوم بعمل غريب رغم أنهم كانوا يودون عمل الأمر نفسه، ثم ضاقت الحلقة أكثر وتقدم صبية آخرون للرقص، ثم فجأة انخرط الجميع في الرقص. حتى الباعة تركوا بضاعتهم المغشوشة أرضا وانخرطوا في الرقص، حتى بائع اللحم الخائف أن يقدم أحدهم على سرقة قطعة لحم، أو أن يخطف أحد الكلاب الضالة التي يعج بها المكان قطعة عظم، ترك كل شيء وانخرط في الرقص. وفي حمى الطرب، قام بعض المارة بحمل المغني والعازف فوق أعناقهم. شعر المغني وعازفه بالسعادة بسبب التجاوب الذي لم يتوقعاه. لكن المغني كان لا يزال يشعر بالجوع الشديد حتى إن صوته أصبح جافا جدا بسبب الجوع والغبار.
لكن أحدا لم يكترث لتغير صوته، كان الناس جميعا يشعرون بالبهجة وبشعور لذيذ أنهم تركوا أحزانهم اليومية خارج مدار هذه البهجة المرتجلة.


للحصول على نسخ بي دي اف من بعض اصداراتي رجاء زيارة صفحتي
https://www.facebook.com/ortoot?ref=aymt_homepage_panel

[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2787

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1512815 [nubian]
5.00/5 (1 صوت)

08-31-2016 06:55 AM
ياسلام والله كتاب ياقريبي بتشديد التاء


#1512792 [النخــــــــــــــــــــــــــــــــل]
5.00/5 (1 صوت)

08-31-2016 06:04 AM
وآسفى ووآحزنى على بلدى الذى بيع بدراهم بخسة وكانوا هؤلاء الحرامية فيه من الزاهدين،،،
بكل أسف الإنسان لن يجد وطنا مهما نال من الجنسيات الأخرى يعادل موطن صباه ورصفاءه من بنى جلدته ,,, العقول فى حيرة مما يجرى ومما أصاب الوطن لكن الجميع يلزم الصمت ويضع الخمسة فوق الأثنين ...
الناس إن لم تمت بالرصاص والبمبان فسوف تموت بالأمراض والمسغبة وسوء الحال الماثل .......
تصبحوا على وطن


أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة