09-03-2016 11:46 PM

ليس المقصود من دراسة التجارب الإنسانية هو إعادة انتاجها ، وكذلك ليس الغرض من اسقاط المفاهيم الحديثة والمعاصرة على حوادث التاريخ اختبارها ومحاكمتها ، بل يكون ذلك لغرض النظر اليها برؤى جديدة ، فاذا لم نسند ظهرنا على التاريخ ونقف على أرض واقع صلبة تمكننا من استشراف وصناعة مستقبل أفضل من ماضينا وحاضرنا فتكون دراسة التاريخ ضرباً من الترف .
الثابت انه لا يمكن تغيير حوادث التاريخ ولكن يمكن النظر اليها باعتبارها مقدمات لنتائج شاخصة امامنا ، ومن هذا الفهم يمكننا النظر لمدينة امدرمان من خلال مقدمات الإختيار والتكوين وشواهد التخلق والتمازج .
السؤال الكبير والجوهري الذي تقوم عليه هذه المثاقفة ويشكل مشكلتها الأساسية هو ، لماذا اختار المهدي ام دمان لتكون عاصمة لدولته ! ؟ على الرغم من توفر خيارات حية لمناطق لعبت أدوراً كبيرة وشهدت أحداث مفصلية في مسيرة ثورته .
وما احاول طرحه هنا إجابةً على هذا التساؤل ، هو ان اختيار المهدي لأم درمان جاء من رؤية عبقرية وثاقبة ، سبقتها مقدمات ارتبطت بايمان المهدي وقناعته بالتغيير سبيلاً ، وفلسفته في ادارة التنوع منهجاً . وأنعكس ذلك في نتائج شاهدة على تلك القناعة والرؤى ، بحيث تجسدت كل معاني الوحدة والتمازج ،وإنعكست نتائج ومظاهر ذلك – نموذجاً - على كل المراكز الحضرية الأخرى .
ويتطلب هذا التناول التطرق الى عدد من الحقائق لتشكل في مجملها صورة واضحة لمآلات عبقرية الإختيار .
الحقيقة الأولى : انه لم يثبت عن الامام المهدي انه ذكر سبباً لإختياره ام درمان ، وبالتالي يكون المجال مفتوحاُ أمام كل التحليلات المستندة على حقائق او وقائع ثابتة . والإدعاء المشهور بان ناقته هي التي اختارت المكان قول فطير لا يصمد أمام حادثات أخرى . ولا يخرج من الأقوال التي تصور كثير من الكرامات الخارقة للمهدي .
الحقيقة الثانية : هي أن المهدي يعرف امدرمان معرفة جيدة ، فقد عاش في تلك المنطقة فترة ليست بالقصيرة ، حيث جاء مع اهله للشيخ الطيب ( راجل امرحي ) ثم انتقلوا للخرطوم ، والمهدي بطبيعته كان ميالاً للخلوة والتنقل من مكان لمكان ، وبذلك ، لا يستبعد ان يكون في ترحاله بين الشيخ الطيب ومنطقة الخرطوم ان يكون قد مر بكل الشريط الغربي لنهر النيل القائمة فيه ام درمان حالياً . لهذا يمكن القول بإن الامام المهدي اختار امدرمان بامتدادها الساحلي القديم لتكون مدينة المستقبل في السودان من بعده عن معرفة ودراية بطبيعتها الجغرافية وعن علم تام بسكانها .
الحقيقة الثالثة : أن المهدي إن اراد ان يستمر ( رجل دين ) او ( فكي )، فكان من الممكن ان يعود للجزيرة ابا التي اشتهر فيها في هذا المجال ، او الذهاب الى منطقة الحلاوين التي كان فيها الرجل الثاني بعد شيخه القرشي ود الزين ، لكنه اراد ان يحدث كما اسلفت ثورة في الدين ، لهذا اراد ان يكسر شوكة ومفهوم الصوفية ورجالات الدين التقليديين لذلك كان يخاطب اهل الطرق بضرورة العودة ( تغييراً ) الى مفاهيم الدين الصحيحة .
الحقيقة الرابعة : أن المهدي إن كان يهدف الى ملك أو قيادة قبيلة ، فكان من الممكن له أن يختار أهله في الشمال ، أو أن يختار الغرب الذي ناصره ليحكمه من الأبيض أو بارا .
فلسفة التغيير في اختيار أم درمان
المهدي قاد حركة تغيير كبيرة جدا بمعايير ذلك الوقت استهدف بها الدين والمجتمع ونظام الحكم . وبالتالي فان اختياره لام درمان كان جزءاً من عملية التغيير .
وتتضح ادارة الإمام المهدي لذلك التغيير في كثير من الشواهد :
الشاهد الأول : يظهر في الإيمان بعملية التغيير في حد ذاتها .
فالمهدي تجاوز مجتمعه ولم يقدم نفسه كجزء من المجتمع الذي يعيشه واقعاً . بل قام بطرح نفسه كصورة أو جزء من المجتمع الذي يتصوره ويرغب فيه لنفسه ولأتباعه .
كذلك المهدي منذ صغره كان يجنح للتغيير ويتضح ذلك في رفضه للعمل في مهنة أسرته التي كانت تمتهن صناعة المراكب ، ونجد انه قد تنقل في العمل في التجارة والإحتطاب كما روت العديد من المصادر .
كذلك يظهر حب المهدي للتغيير تنقله بين الشيوخ لإكتساب العلم ، وقد ظهر ذلك في تنقله في أجزاء كثيرة من السودان مما اكسبه معارف متعددة المصادر ومكنته من معرفة الكثير من الناس والتعرف على احوال البلاد ، الأمر الذي ساعده بصورة كبيرة في تكوين تصوراته لإدارة التنوع .
الشاهد الثاني : أن المهدي قدم نفسه في اعلى مراتب الصوفية ( المهدية )
فالمهدي وضع تصور للتغيير بما في ذلك اصلاح مؤسسة الصوفية نفسها ، وقد حكم على كل المجتمع بناء على تلك الرؤى ولم يستثن من ذلك الحكم على شيوخه ومعلميه .
الشاهد الثالث : الإعتماد على قيادات جديدة : المهدي وفي سبيل ادارة التغيير نجده قد اعتمد على قيادات شابة وجديدة ، لم تكن أرقاماً في المجتمع ولكنها آمنت به وبرؤيته في التغيير .
الشاهد الرابع : امتلاك أدوات التغيير : المهدي كان مؤمناً ايماناً كاملاً بالتغيير ومقتنعاً بضرورته للإصلاح . وكان المهدي قائداً حازماً وحاسماً ، وكانت لدى المهدي القدرة على الإقناع والتأثير في الآخرين ، ويمتلك ثقافة عالية جداً ويجيد الخطابة ، و كان قدوة حسنة ، ويشكل الربط بين القول والفعل حضوراً طبيعياً في ممارسته الحياتية اليومية . وكانت لديه معرفة كبيرة بالرجال قدرهم وقدراتهم .
كل ذلك انعكس على مستقبل مدينة ام درمان بعده فتشكلت فيها ثقافة جديدة انداحت فيها كل معاني التغيير وأصبحت نموذجاً جديداً شكل نواة انطلقت منها الهوية المركزية التي لا تعادي عناصر التكوين .
فلسفة التنوع لإختيار أم درمان
بالنظر للواقع الإجتماعي في السودان- قبل الثورة المهدية - كان متنوعاً ويحتوي على كثير من المتناقضات وروابط الإنتماء المتمثلة في القبيلة ، الطريقة الصوفية ، العلاقة مع الحكومة ( مع – ضد ) ، طبقة الأغنياء والفقراء ، مجتمع سمته الأساسية التفرقة وعوامل الربط اقل بكثير ، مجتمع تلعب فيه الطريقة الصوفية الدور الأهم وتتفوق في ذلك على القبيلة .
ومن الناحية السياسية فالمهدي قاد ثورة للتغيير ولديه فلسفة ذاتية في مسالة استخدام ما استخدمه ( الكفار قبله ) لذلك كانت رؤية ثاقبة من المهدي نقل المركز السياسي من الخرطوم الى ام درمان حيث يمثل ذلك بعد نفسي للقوات والجنود من ناحية ومن اخرى لا يدخل الجنود المنتصرين والقادمون من جهات مختلفة من السودان في منازعات مع سكان الخرطوم الأصليين وبالتالي فامدرمان خالية من السكان خاصة في المنطقة التي اختارها لذلك فكسب المهدي بذلك ان جنوده اعتبروا انفسهم اصحاب حق في تلك المنطقة .
وكانت فلسفة الإمام المهدي لإدارة التنوع تنطلق من عدة منطلقات :
الأول : المعرفة التامة بأحوال البلاد والعباد : حيث تنقل المهدي في البلاد باحثاً عن العلم ، وفي بعض الأحيان للعمل . كذلك طوافه في في البلاد لإعطاء الطريقة الصوفية . كل ذلك جعله لا يجد صعوبة في فهم التنوع وبالتالي تبلور فلسفة التعاطي معه .
الثاني : العمل على خلق رابط جديد في المجتمع : سعى المهدي لخلق رباط جديد بدلاً عن الطريقة الصوفية والقبيلة ، فجعل من دعوته المهدية محوراً لذلك الرابط الجديد . وفي اطار ذلك الغى جميع الطرق الصوفية وعطل العمل بالمذاهب الأربعة . ترتيبات في ظاهرها دينية الا انها في حقيقة الأمر سياسية القصد منها الترويج للرباط الأوحد المهدية .
الثالث : إيجاد معايير جديدة : تمثل المعيار الأول في مركزية القيادة الروحية بحيث شكل المهدي الشخصية المركزية للثورة قائداً وملهماً . والمعيار الثاني تمثل ايجاد مفاهيم الجديدة للتمايز بين الجماهير ،فجعل الترتيب بالإنتماء للدعوة المهدية ( أبكار المهدية ، أنصار أبا ، أنصار تقلي .... ) . المعيار الثالث ، تمثل في لا مركزية القواد بمعنى أنه يختار الرجل المناسب للمهمة المناسبة ، فكان يختار لقيادة أي مجموعة رجل منها . وكان يختار لأي مهمة رجل من ذات المنطقة المطلوب تنفيذ المهمة . والملاحظة الجديرة بالإشارة اليها هي أن المهدي كان يختار لأي مهمة في جهات الجزيرة والشمال قائد معروف عنه صوفيته ، وأي مهمة في الغرب أو الجنوب كان يختار لها قائد له مكانته في قبيلته .
شكلت تلك الفلسفة مقدمة لنتائج هامة بحيث انتقلت كل تلك المعايير لأم درمان بحيث شكل ذلك في تكوين اجتماعي واستعداد ورضا نفسي بقبول أي قيادة كما شكلت اطاراً عاماً لتقديم الرجال للمهام.
العبقرية الإستراتيجية لإختيار أم درمان
من الناحية العسكرية والإستراتيجية ، المهدي يعتبر الغرب عمق استرتيجي له ، حيث انه من امدرمان ناحية الغرب لا توجد عوائق طبيعية مثل الأنهار او الجبال التي تعيق حركته ان استدعى الأمر الانسحاب غرباً . وثبتت تلك الفرضية عند انسحاب الخليفة غرباً بعد موقعة الشرف والكرامة في كرري .
ومن الناحية التأمينية الداخلية فنهر النيل يشكل حائط صد طبيعي يكشف كل من يحاول عبور النهر الى امدرمان من الجهة المقابلة لها ، وقد برز هذا بشكل كبير في صد هجوم قوات كتشنر عبر استخدام الطوابي .
كذلك يشكل شلال السبلوقة عائق طبيعي لأي قوات متحركة عبر النهر ، والجبال والتلال التي حوله في تلك المنطقة تشكل مكامن جيدة للمناوشة مع القوات البحرية أو اقوات البرية التي تحرس البواخر النيلية .
يمكن للبعض – وهذا متاح لهم - القول ان هذه الرؤية لا تصمد امام حوادث التاريخ خاصة بعد وفاة المهدي والتحديات التي واجهت الدولة المهدية .
ودون الدخول في تفاصيل القيود التي يمكن أخذها على الدولة وقادتها ورجالاتها ، نجد ان هذا الأمر كان عارضاً بطبيعة التحولات السياسية التي حدثت ، بدليل ان النموذج الإجتماعي والثقافي قد اخذ في النمو الطبيعي وفق معطيات التخلق الأول فتشكلت الحركات الوطنية المناهضة للإستعمار بنفس فلسفة ادارة التنوع ومعايير التغيير التي كانت عند الإمام المهدي ، ونمت الثقافة الجامعة التي شكلت المرجعية المشتركة بتطور طبيعي وسلمي فرضته طبيعة الإنسان في التعايش ، وبالتالي انتجت ثقافة مركزية شكلت موثقاً قوياً - في كثير من الأحيان - أمام الردة الى ثقافة القبيلة والطريقة الدينية .
فهل لنا من أمدرمان جديدة تقينا شرور الردة ومهاوي الفتنة العرقية والدينية التي تلوح في الأفق القريب !!!!؟ .



[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1626

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1514769 [تيراب]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2016 09:05 AM
حياك لله دكتور الواثق استمتعت بمقالك الراقي وفعلا امدرمان هي بوتقة فريدة لا يمكن تكرارها جمعت كل الناس في التحام طبيعي ونسيج اجتماعي فريد وكانت للمهدية الدور في خلق هذا التكوين الذي تجلى لاحقا


#1514705 [مستشار قانونى]
0.00/5 (0 صوت)

09-04-2016 06:17 AM
كذلك يشكل شلال السبلوقة عائق طبيعي لأي قوات متحركة عبر النهر ، والجبال والتلال التي حوله في تلك المنطقة تشكل مكامن جيدة للمناوشة مع القوات البحرية أو اقوات البرية التي تحرس البواخر النيلية

كتب احد القواد البريطانيين واظنه ونجت ياشا فى مذكراته عن معركة كررى انه ظل عند مرورهم بمنطقة السبلوقة مستيقظا طوال الليل لانه توقع مهاجمة جيش التعايشى لهم فى تلك المنطقة فى الظلام نسبة لوعورتها وكانت دهشته عظيمة عندما هجم عليهم الجيش بعد ان تخطوها مع ضوء الفجر وفى سهول كررى المفتوحة فهزموهم فى غضون ساعتين

الحديث عن ثبات الانصار ليس فيه شك لكن اختيار المهدى لامدرمان لم يستفد منه الانصار في شئ


#1514667 [Asli]
0.00/5 (0 صوت)

09-04-2016 01:31 AM
well said, thank you Sir


د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة