09-04-2016 11:32 AM

(العنوان مأخوذ من كتاب مطالعة استعماري)
اشتهرت بيننا قصيدة «الفزي وزي» أي «الهدندوة أو البجة عامة» للشاعر الإنجليزي رايدرد كبلينغ التي كتبها عن وقفة البجا المهدوية الباسلة في شرق السودان ضد جحافل انجليزية كسروا فيها المربع الانجليزي الدفاعي الحصين. وأدين، مثل كل أبناء جيلي من محبي الاطلاع، بفضل تعريفنا بتلك القصيدة إلى المرحوم الشاعر صلاح أحمد إبراهيم حين ذكرها عرضاً في قصيدة له عن الهدندوة كان نشرها في «غابة الابنوس». رحم الله صلاحاً. كان البون بين إطلاعه وإطلاع جيله شاسعاً حتى لقى ربه.
لم أكن أعرف أن لكبلينغ قصيدة أخرى عن السودان حتى وقفت أخيراً جداً على قصيدته المعنونة «مدرسة كتشنر» التي كتبها عام 1898م. واستغربت: لماذا ذاعت «الفزى وزي» وباخت «مدرسة كتشنر»؟ ولربما وجدنا شيئاً من الاجابة في عاداتنا الثقافية في الاحتفال برموز المقاومة والتصدي (وأصل العادة في الفكرة الوطنية ووريثاتها) وإهمال ما يشي بخيبتنا أو فشلنا. وهي عادة ربتنا على عدم الصبر على التأمل والمراجعة والميل الى نسبة الهزيمة الى غير أدائنا، ولوم كل شيء آخر عدا أنفسنا. ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
قال كبلينغ إان قصيدة «مدرسة كتشنر» هي ترجمة في الانجليزية لأغنية كان صاغها مدرس «محمدي» أي مسلم من المشاة البنغال (من اقليم البنغال بالهند المستعمرة الذي هو بنغلاديش حالياً) ممن كان بالخدمة العسكرية بمدينة سواكن. وقد كتب المدرس المحمدي الاغنية من فرط التأثر حين بلغه أن كتشنر، بعد فتحه السودان في العام 1898م، سأل الانجليز ان يتبرعوا لبناء مدرسة للأحباش أي السودانيين. وسيجد قارئ القصيدة أنها بذرة صالحة لقصيدة كبلينغ المسماة «عبء الرجل الابيض» التي كتبها في العام 1899م وأصبحت بمثابة المبرر الاخلاقي والثقافي للفكرة الاستعمارية في أوائل القرن الماضي، وهي قصيدة طبقت شهرتها الآفاق.
قال كبلينغ عن المدرس المحمدي يخاطب السودانيين الذين هزمهم كتشنر في معركة كرري 1898م ثم ذهب يطلب لهم أسباب العلم من انجلترا:
أيها الحبشي، أحمل حذاءك على يديك و«دَلْدِل» رأسك على صدرك.
فهذه عِظة كتشنر الذي لم يشتت جمعك مازحاً، فبوسعه الآن تحقيق (الخير لك) الذي انتظره سنين عدداً.
وأن يبلغ من هذا الأمر غايته فوق جثث أمرائك.
ووصف الشاعر كتشنر بالجنون. وقد قضت حكمة جنونه ان يستعين بجيش جديد من المعلمين والمعارف، لا الجنود، لأخذ السودانيين في مدارج الحكمة والرشد:
سوف لن تتعلم نبل اسمه من فوهة بنادقه ذات الشفاه النظيفة.
ولكنك ستلهج باسمه حرفاً حرفاً، من الكاف الى الكاف، بفضل ما ستتلوه شفاه رجال له من المعلمين.
ووصف الشاعر الانجليز بالجنون: فقد خلقهم الله على ذلك بل هم أجنٌ خلق الله قاطبة. فها هم يستجيبون بسخاء مركوز فيهم لدعوة لتعليم من حقنوا دمه في كرري (أي السودانيون) بعد هزيمة نكراء:
وجن الانجليز تليد، ولهم جن طريف.
فهم يطلعون الناس على السحر الذي يُمكّن لهم في الارض، وهو أصل ثروتهم، لا يطلبون جزاء ولا شكورا
وعليه، أيها الحبشي، فطالما كنت عبد فضلهم، فأسرع وتعلم.
والحق أيضاً أن كتشنر مجنون.
فإذا رغب الذي قصم ظهرك بتعليمك
فلا تتثاقل، وهب سريعاً إلى مدرسته.
إمض، أيها الحبشي، وأحمل حذاءك على يديك، «ودلدل» رأسك على صدرك.
فالذي لم تأذن له أريحيته بقتلك، لن يمزح وهو يعلمك ويثقفك.
وأصبحت أكثر معاني قصيدة «مدرسة كتشنر 1898م» مجازات مركزية في قصيدة كبلينغ «عبء الرجل الابيض 1899». ففي القصيدة اللاحقة يدعو كبلينغ الرجل الابيض ان ينفي أبناءه في تخوم العالم ليخدموا حاجيات أسراهم ممن أثخنوهم في الحرب. واشتق كبلينغ من معنى الحرب التي تنتهي الى خير المهزوم، أي الى نصره في آخر الأمر، مجازه المشهور الذي دعا فيه الرجل الأبيض الى «خوض حروبه الوحشية من أجل السلام».
ibrahima@missouri.edu

تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2075

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1515690 [سايح]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2016 03:12 PM
شكرا فاروق بشير رايك محل احترام وتقدير
ومنطقي...وماف شك اي تجربة وطنية ذات عايد ابقي وقابل للتطور التجريبي...لك احترامي


#1515350 [سايح]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2016 07:33 AM
يا تري لو هزم التعايشي كتشنر ف كرري .
..هل يشيد شبكة السكة حديد التي ربطت اجزاء السودان
..هل يقيم سد سنار ومشروع الجزيرة
..هل ينشي كلية غردون..لاحقا ج خرطوم
..هل يقيم البريد والخدمة المدنية
..هل يتم انشاء مستشفيات..ومعمل استاك
.. باختصار هل كان سينشي البية التحية التي انشاها الانجليز
لا نملك الا ان نقول ان الله بخلقه كريم لطيف وهو الذي يدبر الامر بعلم وحكمة....سبحانه وتعالي


ردود على سايح
France [فاروق بشير] 09-05-2016 02:14 PM
في نظري هذا اهم سؤال يسال عن الاحتمالات لو لم يكن أصلا ذاك الاستعمار.
لا لن تشيد هذه المنشآت.
غالبا تكون هي الإجابة الأقرب للصحة.
لكن بما ان هذه المنشآت قد انهارت الان. فيبدو ان من اهم أسباب انهيارها انها لم تشيدها قوى وطنية.
ولكن لو انشا في مسار الأعوام الخمسين بايدي وطنية أي منجز مهما صغر, بشرط استخدام النقد البناء للتجربة الصغيرة, لكان لدينا تجربة وطنية. مع ملاحظة وجود بعض مكتسبات من حضارة ذاك الزمن كمثل السيارة في بيت الخليفة, وسك العملة, ربما -والقضية افتراض في افتراض- ربما كانت هذه المقتنيات ملهمة لمبدعين ينهضون بتطويرها.
يبدو ان المهم كان وجود تجربة محلية مهما صغر منجزها. اثبت العلم وجود العقل الخلاق في أي ارض.


#1515244 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

09-04-2016 11:21 PM
تقول عزيزي ع ع ابراهيم:

1. 【وأدين، مثل كل أبناء جيلي من محبي الاطلاع، بفضل تعريفنا بتلك القصيدة إلى المرحوم الشاعر صلاح أحمد إبراهيم حين ذكرها عرضاً في قصيدة له عن الهدندوة كان نشرها في «غابة الابنوس».】

ثم:

2. 【لم أكن أعرف أن لكبلينغ قصيدة أخرى عن السودان حتى وقفت أخيراً جداً على قصيدته المعنونة «مدرسة كتشنر» التي كتبها عام 1898م. واستغربت: لماذا ذاعت «الفزى وزي» وباخت «مدرسة كتشنر»؟】

لستنتج اقتراضا:

3. 【ولربما وجدنا شيئاً من الاجابة في عاداتنا الثقافية في الاحتفال برموز المقاومة والتصدي (وأصل العادة في الفكرة الوطنية ووريثاتها) وإهمال ما يشي بخيبتنا أو فشلنا. وهي عادة ربتنا على عدم الصبر على التأمل والمراجعة والميل الى نسبة الهزيمة الى غير أدائنا، ولوم كل شيء آخر عدا أنفسنا. ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. 】

هل انت تقصد صلاحا بالنقطة 3؟
لم لم تلم انت بوجود هذه القصيدة في سبعينات القرن الماضي وقت كنت متفرغا للعمل الثقافي؟ و انت من جيل صلاح؟
خلاصة ما اريد قولة ان مجمل الامر لا يعدو ان يكون جهلا لا تجاهلا. فسعة و تيسر الاطلاع قبل عهد الانترنت لم يكن من الامور السهلة او المتيسرة.

هذا بغض النظر طبعا عن بطلان منطق القصيدة الثانية، اذ ان المستعمر عبر التاريخ لم يكن دوما افهم من المستعمر (بضم الميم) 【مثال واحد فقط: دونك التتار】. اذن ليس هناك من مسبب منطقي (كانعدام المدارس كما تلمح انت و القصيدة) لخجل يستدعي دس القصيدة لو لم تجهل من مثقفي جيلكم. اليس كذلك؟

تحياتي


#1515011 [هبة النور]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2016 03:19 PM
ومن إشراقات ال white man's burden أن ذهب مثقفاتينا إليه في عقر داره wining & dining معهم ويسبّون شعبهم من بعيد و يغضون الطرف عن ظلم الظالمين للشعب المسكين


#1514927 [هبة النور]
5.00/5 (2 صوت)

09-04-2016 01:09 PM
ومن إشراقات ال white man's burden أن ذهب مثقفاتينا إليه في عقر داره wining & dining معهم ويسبّون شعبهم من بعيد و يغضون الطرف عن ظلم الظالمين للشعب المسكين


#1514926 [بين السبيل فاقد تربوي]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2016 01:09 PM
تاني حبش !!

محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
الام: حبشية

البلد تحت احتلال حبشي خلاسي يا دكتور وكتشنر عباسي ! وكبلينغ ده حر بس ما جرب البطان الجد

نقول شنو لكين الدنيا مهدية


#1514875 [الرفاعي]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2016 11:46 AM
ولربما وجدنا شيئاً من الاجابة في عاداتنا الثقافية في الاحتفال برموز المقاومة والتصدي (وأصل العادة في الفكرة الوطنية ووريثاتها) وإهمال ما يشي بخيبتنا أو فشلنا. وهي عادة ربتنا على عدم الصبر على التأمل والمراجعة والميل الى نسبة الهزيمة الى غير أدائنا، ولوم كل شيء آخر عدا أنفسنا. ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
+++


اها الدور الجاي على شوقي بدري يتحفنا عن كرري هو الآخر
شغل نضيف يا دكتور!


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة