09-05-2016 12:31 PM





مقدمة

في هذا المقال والحلقات التالية سنحاول التعليق على ما ورد في الحلقتين اللتين تناول فيهما الدكتور أحمد الحسب عمر الحسب موضوع الحكم الذاتي/تقرير المصير في ولاية جنوب كردفان (جبال النُّوبة). لقد اختلفت الرؤى حول قضية منطقتي جبال النُّوبة والنيل الأزرق ودارفور. فبينما ترى الحكومة تجزئة الحل، ترى الحركة الشعبيَّة – قطاع الشمال شموليته. ونتيجة لإصرار الحكومة على موقفها وتكاثر الأسئلة عما يريده النُّوبة جاءت إجابات مختلفة كان أكثرها دوياً وصدى من الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال على لسان أمينها العام، الذي طالب بالحكم الذاتي الكامل للمنطقتين إذا رفضت الحكومة الحل الشامل للقضية السُّودانيَّة. تصدت لهذا الإعلان القوى السياسيَّة السُّودانيَّة، وكذلك الأفراد برد فعل معارض خشية من إعادة إنتاج تجربة انفصال الجنوب دون وضع في الاعتبار جذور المشكل والأسباب الموضوعية التي دفعت الجنوبيين إلى خيار الانفصال.
على كلٍ، هناك تقارب لدرجة التطابق بين جذور المشكل في جبال النُّوبة (الجنوب الجديد) والجنوب (سابقاً) لا ينكرها إلا مكابر، وكما لا تخفى على كل ذي عقل يرى الأشياء ويزنها بميزان العقلانيَّة وينظر إليها ببصيرة وتبصر. ونسبة لما ورد من المقاربة في مقالي الكاتب - في مواضع كثيرة - بين مطالب أبناء النُّوبة في إقليم جنوب كردفان وأبناء جنوب السُّودان قبل انفصاله واستقلاله من السُّودان، فقد صغنا وسقنا الحجج الموضوعيَّة والمنطقية والمعقولة التي أدت إلى انفصال الجنوب عن السُّودان. وللأمانة التاريخيَّة إنَّ القضايا المطروحة الآن في الساحة السياسيَّة السُّودانيَّة هي ذات المشاكل التي يعاني منها ما تبقى من السُّودان ككل بل هي أشد تعقيداً وتأثيراً على كل أوجه الحياة في السُّودان وما وصل إليه حال الأغلبية سواء من أهل المركز أو الهامش السُّوداني خاصة.
ينطلق تعليقنا على الموضوع من منطلقين. يدور المنطلق الأول حول الأسلوب اللغوي الذي انتهجه الدكتور الحسب (يرمز له فيما بعد بالكاتب أو كاتب المقال) في تناول الموضوع. لقد استخدم الكاتب لغة سافرة مخلة ومشحونة بما يثير العواطف أكثر من التهدئة التي تقود إلى تفاهمات من أجل حل القضايا التي تواجه الولاية بصفة عامة وإنسانها على وجه الخصوص. هذا الأسلوب أفقد المقالين الموضوعية والعقلانية خاصة أنَّ نقد واعتراض الكاتب على مطالبة أبناء النُوبة بالحكم الذاتي لم يقتصر على من يطالب بالحكم الذاتي لإقليم جبال النُّوبة فقط بل شمل كل إثنية النُّوبة. المنطلق الثاني يتعلَق بالمنهج الذي استخدمه كاتب المقال في اعتراضه ومعارضته للمطالبة بالحكم الذاتي/تقرير المصير وما وصل إليه من الاستنتاجات والإشارات التي صاغها في عمومياتها وخصوصياتها. ولا شك في أنَّه اجتهد في توضيح موقفه حيال الموضوع إلا أنَّه لم يراع أهمية التحقيق والدقة في البحث وتقصي الحقائق إذ كان عليه اتباع نهج البحث العلمي في عرض تأييده لرأي أو معارضته له بالطريقة العلميَّة، ثم تذليل استنتاجاته بمقترحات أو توصيات لحل المشكل لتعم الفائدة سكان الإقليم عامة وبذا يكون قد ساهم في حل قضية السُّودان أو التقليل من مشاكله.

والجدير بالذكر لم نجد في المقال ما لا يستحق النقد أو التعليق عليه، لذلك أولينا كل ما ورد في حلقتيه نوعاً من المراجعة النقديَّة أو التعليق. كذلك أفرغنا اهتمامنا في النقاط الهامة التي أثارها الكاتب والتي حرصنا على نقلها كما هي دون تدخُّل منا لأهميتها. وكذلك أوردنا الرابطين الإلكترونيين للمقالين في الشبكة العنكبوتية للرجوع إليهما متى ما شاء القاريء الكريم مراجعة فقراته.
على أية حال، حاولنا انتهاج أسلوب النقد المجرد من المصلحة الشخصية. ولكيما يكون نقدنا موضوعيَّاً حاولنا بقدر المستطاع انتقاء العبارات غير السافرة في اللغة والصياغة في اعتراضنا لبعض ما جاء في المقالين من لغة التحامل بالشدة المفرطة وغير اللائقة تجاه أبناء النُّوبة بالحركة الشعبيَّة أو غيرهم. كذلك لاحظنا أنَّ بالمقالين الأخطاء الاملائيَّة، والنحويَّة، والمطبعيَّة، والاستطرادات غير المناسبة، والتكرار المخل دون وجود أسباب منطقية لذلك، وسيكون تعليقنا تبعاً للسرد الذي أورده الكاتب وقد يرد تكرار بعض النقاط. ففي نقدنا، أيضاً، فنَّدنا بعض المغالطات والنقول الواردة ونوعيتها والأخطاء التي جاءت فيها وذلك بتوفير المصادر المتعلِّقة بها أو ببعضها حتى لا يكون الأمر مجرد تخمين أو يصبح بمثابة رأي شخصي غير مسنود علميَّاً. فإذا وفقنا، فذلك ما نبتغي وإذا أخطأنا واختلفنا فلا ضر ولا ضرار.
قبل التعليق على الموضوع ينبغي تعريف عام للمصطلحات التالية نسبة لكونها العناصر الرئيسة للمقالين ولورودها كثيراً فيهما.

الحكم الذاتي:
عبارة عن ترتيب سياسي وقانوني لإدارة الشؤون الداخليَّة لإقليم يتميَّز عن الأقاليم الأخرى عرقيَّاً وثقافيَّاً، بواسطة سكانه تحت إشراف ورقابة السلطة المركزيَّة في إطار الوحدة القانونيَّة والسياسيَّة للدولة. ومن خلال نظام الحكم الذاتي يمكن أن تتحقَّق المساواة والعدالة الاجتماعيَّة بين جميع القوميات والأعراق والأديان والمذاهب وكافة مكونات المجتمع بعيداً عن القوانين المجحفة وعن الظلم والاضطهاد.

الفيدراليَّة:
هي نظام حكم تكون سلطات الحكم مقسَّمة دستوريَّاً بين المركز والأقاليم ويحتفظ كل إقليم بصلاحيات سياسيَّة وإداريَّة وماليَّة واسعة ومستقلة في داخله. ولكن تظل السلطة المركزيَّة تساعد الولاية في الحالات التي تستدعي دورها كون سكان الولاية ضمن رعاياها. ويتم تطبيق هذا النظام في الحالات الاضطراريَّة أو الضروريَّة نتيجة أزمة حادة بين الأطراف المتساكنة التي قد تصل إلى حد الحرب الأهلية.

تقرير المصير:
حق قانوني شرعي كلفه ميثاق الأمم المتحدة لمجتمع له هوية متميِّزة لتحديد طموحاته السياسيَّة وتبني النطاق السياسي المفضَّل له من أجل تحقيق هذه الطموحات دون تدخل خارجي أو داخلي إذا فشلت الدولة التي هم فيها في المحافظة على وحماية حقوقهم. وتتم ممارسة الاستفتاء على تقرير المصير بطريقة ديمقراطية عامة بتصويت كافة أفراد الشعب المعني بعد استيفاء شروط قانونيَّة يتفق عليها كل الأطراف، وكما تجري العملية بمراقبة أطراف محايدة.
الاستهداف (موضوع التعليق):
هو قصد الشيء من أجل قتله أو عرضه للموت بشتى الطرق منها: القتل العمد، والتشريد والتهجير القسري والاغتصاب لإثنيَّة معينة أو لعنصر محدَّد.

العنصرية:
هي الاعتقاد بوجود ميزات وعناصر دونية في طبائع جماعة من الناس وفي قدراتهم في النماء، لذا يتم معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيَّاً وقانونيَّاً عن الجماعات الأخرى. دائماً ما يقوم بممارسة العنصرية الشخص الذي بيده القوة وأدوات السيطرة المختلفة. إذن، الاستهداف العنصري هو قصد عنصر معيَّن (في هذه الحالة النُّوبة) في إقليم جبال النُّوبة.

التهميش:
هو وضع العراقيل المادية أو المعنوية أو القانونيَّة أمام الفرد أو مجموعة أفراد حتى لا تستطيع الحصول على مقومات الحياة المناسبة أو أسبابها (التعليم، الخدمات الصحيَّة، والتوظيف إلخ..).

التحرير:
التحرير المقصود هو التخلص من القيود والضغوط التي تكبِّل طاقات الإنسان أو الجماعة وإنتاجهم المعرفي أو المادي، وقد تكون قيوداً مادية أو معنوية (الجهل والمرض والفقر إلخ...)، أو قانونيَّة (الشروط المجحفة مثلاً في الحصول على العمل بحكم الانتماء العرقي والجهوي).

مفهوم السُّودان الجديد للحركة الشعبيبَّة

يهدف هذا المفهوم إلى بناء دولة مواطنة حقة وعادلة، وقابلة للتطور والاستمرار ولها القدرة على استيعاب تنوع البلاد العرقي والإثني والثقافي والديني في أبعاده الأربعة: الوحدة في التنوع، وفي التنوع التاريخي، والتنوع المعاصر، وعلاقة الدين بالدولة (الدين لله والوطن للجميع). وملخص المفهوم هو الوحدة المبنية على التنوُّع لأنَّه مصدر قوة الأمة السُّودانيَّة.


الجزء الأول
" تطور نوعي في الأجندة السياسية لابناء النوبة"
الكتمة وتطور أجندة النُّوبة

بداية، لقد تحدَّث كاتب المقال عن حدوث تطور نوعي في سقف المطالب السياسيَّة لأبناء النُّوبة وحدَّد هذا التطور بالمطالبة الصريحة بعد أن كانت همسات خافتة في مجالس أبناء النُّوبة الخاصة، مع "الكتمة". ولعلَّ الكتمة التي ذكرها تعني المصطلح السياسي الذي كان متداولاً بمدينة كادقلي قبل الحرب الحالية والذي كان يشير إلى حالة الاحتقان السياسي التي حدثت بين الشريكين في الولاية. كما أوضح أنَّه في حالة عدم تحقيق صفقة التنسيق التي تمت بين الحركة الشعبيَّة والحكومة للاستمرارية في حكم الولاية أو الحكم الذاتي فإنَّهم (أي أبناء النُّوبة) سيطالبون بما طالب به الجنوبيون من قبل. في حقيقة الأمر لم يحدث التطوُّر النوعي لمطالب أبناء النُّوبة مع الكتمة السياسيَّة وأنَّما منذ أو قبل لحظة التحاقهم بالحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم. فقبل ذلك التاريخ بكثير كانت احتجاجات النُّوبة وغيرهم مطلبيَّة وبالطرق السلمية، وقد انحصرت في التعليم، والصحة وبناء الطرق إلخ... لقد تصدى لهذه القضية المحوريَّة اتحاد عام جبال النُّوبة عام 1964م أي بعد ثورة أكتوبر فوجد قبولاَ جماهيرياً مما أدى إلى نجاح عدد من مرشحيه في انتخابات الجمعية التأسيسيَّة عام 1965م.(1) فعندما لم يستجاب لمطالبهم لجأوا إلى النضال المسلح لنيل الحقوق من الحكومة المركزيَّة. لقد كان شرطهم وموقفهم الثابت والواضح من الانضمام إلى الحركة الشعبيَّة هو وحدة السُّودان على أسس جديدة يتساوى فيه جميع السُّودانيين بغض النظر عن العرق أو الإثنية أو الجنس أو اللون السياسي أو المعتقد الديني أو الجهة.

مبدأ الوحدة هذا يتفق فيه مع النُّوبة كل شرائح الشعب السُّوداني. فإذا كان هناك من يرفض أو يعارض وحدة السُّودان الذي ينعم بالعدل والمساواة في المواطنة والمشاركة في السلطة وفي صنع القرار فهذا أمر يستحق وقفة للمراجعة الدقيقة لنوايا أصحاب تلك المواقف؛ وعلى أصحاب تلك الرؤى المغايرة إعادة النظر فيها. صحيح قد اختلف ويختلف السَّودانيون في طريقة وأسلوب تحقيق تلك الوحدة واستحقاقاتها، وهذا أمر طبيعي له أسبابه الموضوعيَّة. إنَّ المطالبة بالحكم الذاتي الذي لجأ إليه أبناء النُّوبه أسلوب سلمي وحضاري قوامه الأسس القانونيَّة المشروعة والشرعية التي تخضع لها النظام العالمي، وهو أيضاً حق مكفول للشعوب، كما أسلفنا الذكر في التعريف العام له. أما ما ساقه الكاتب بالتطور النوعي في أجندة النُّوبة – في نظرنا - ليس بتطور نوعي بحسب قناعتنا وإنَّما هو تنازل من سقف المطالبة بالسُّودان الموحَّد على أسس جديدة أركانه الأربعة هي تنمية المناطق المتخلفة، والمساواة، والعدالة والحرية. لقد ربط الكاتب المطالبة بالحكم الذاتي بنتائج "المشوَّرة الشعبيَّة" فهذا استطراد وانتقال غير موفق لأنَّه لم يرد في بنود "المشوَّرة الشعبيَّة" المنبثقة من اتفاق نيفاشا للسلام الشامل عام 2005م ما يشير صراحة أو ضمنيَّاً إلى الحكم الذاتي أو إلى تقرير المصير. ومهما يكن من شيء ولأهمية موضوع المشورة الشعبيَّة والذي ورد كثيراً وتكراراً في المقال، سنرد على ما جاء بشأنها لاحقاً.


دعوة وجلة في مجالس خاصة

إنَّ تصريح الكاتب بأنَّ الدعوة إلى الحكم الذاتي كانت "وجلة "، فهذا كلام غير مستقيم ولا موفَّق لأنَّه ليس من الفطنة والحذق استخدام هذه الكلمة والتي تعني - فيما تعني - الخوف والهلع، ومثل هذا الخطاب فيه نوع من الإزدارء المفرط، خاصة كونه موجه إلى فئة نخبويَّة ومن أحد النخب الذين نالوا قدراً من التأهيل ودرجة علميَّة رفيعة. فمثلما ذكرنا، فإنَّ غالبية أبناء النُّوبة والإثنيات السُّودانيَّة المختلفة قد انخرطوا في الحركة الشعبيَّة وما يزالون يقاتلون في صفوفها الأماميَّة برؤية واضحة أكثر ما يكون الوضوح، وبإيمان منقطع النظير بعدالة القضية التي يقاتلون من أجلها، وبأهمية وحدة السُّودان. الوحدة التي أدلى الكاتب بشهادته في المقال ويُشهِد الآخرين على مبدأ النُّوبة حيال وحدة السُّودان. وبحسب شهادة الكاتب في إجابة المعلِّم الأستاذ الشهيد يوسف كوة مكي عندما سُئل، في العام 1995م بالقاهرة، عن المبادىء التي من أجلها انضم وأقنع الآخرين بالانخراط في صفوف الحركة الشعبيَّة كمقاتلين أجاب يوسف "دخلنا الحركة كوحدويين" (سنتطرق إلى هذا بالتفصيل في صفحات لاحقة).
وفيما يخص الحديث بأنَّ النخبة من أبناء النُّوبة قررت في مجالسها الخاصة مطالبة المركز بصفقة سياسيَّة جديدة، فهذا كلام خطير وغير دقيق مما يقود لطرح سلسلة من الأسئلة المنطقية مثل: ما هي هذه النخبة، وهل هي داخل أم خارج منظومة الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان التي فاوضت ولا تزال تتفاوض مع الحكومة أم هم أعضاء في الحكومة؟ أين ومتى عقدت هذه النخبة مجالسها الخاصة؟ هل كان ذلك قبل أم بعد انفصال الجنوب وتحت رعاية مَنْ؟ بالطبع لا نتوقَّع أن يفصح الكاتب عن ما هو خاص أو كان خاصاً، ولكن ليس من الحصافة السياسيَّة إلقاء هذا الحديث من غير دليل إلا أن يكون الغرض من إطلاقه باطلاً؛ ولا ينبغي التصريح به في مثل هذه الأمور خاصة عندما يصدر من نُخب ولاية جنوب كردفان، مثل الكاتب الذي يُرجى منه الكثير المفيد! فلا شك أبداً في أنَّ تناول موضوع في غاية الأهمية كهذا يحتاج إلى اتباع نهج البحث العلمي الصارم لكي تكون استنتاجاته مؤسسة على قاعدة متينة ومسنودة يتقبَّلها العقل والمنطق السليم، وإلا كان هذا التناول كلاماً جزافاً وهباءاً منثوراً.


صفقة سياسيَّة جديدة

إشارة الكاتب إلى صفقة سياسيَّة جديدة لاستمرارية تقاسم حكم الولاية لفترة أطول بين الشريكين يكشف الكثير عما كان يحاك ضد اتفاقية نيفاشا، وربما أية اتفاقية أخرى. فإذا صح قوله، فهذا خرق واضح وفاضح لبنود الاتفاقية التي حدَّدت سقفاً زمنيَّاً محدَّداً لإنفاذها وليس لفترة طويلة كما جاء في المقال. صحيح كانت هناك أسباب بعضها موضوعيَّة وأخرى عقبات مقصودة وكلها أدت إلى عدم تنفيذ الاتفاقية حسب المصفوفات الزمانيَّة والبيانات التوضحيَّة التي وردت فيها وما يجب على كل طرف (الشريكين) القيام به. ولكن أن يمضي الشريكان لعقد صفقات سياسيَّة جديدة خارج إطار الاتفاقية التي شهدت عليها أطراف دوليَّة وإقليميَّة بكل أوزانها القياديَّة والسياسيَّة فيه عدم الاعتراف بتلك الجهات الرسميَّة، وبه خطأٌ من الناحية الدستوريَّة (الدستور الانتقالي لسنة 2005م). فالدستور الذي وضعه الشريكان وصادقا عليه كان واضحاً وضوح الشمس في كبد السماء. لم يكن به ولا فيه ولا في الدستور المعدَّل بواسطة رئيس المجلس الوطني السابق بعد انفصال الجنوب ما يشير إلى منح حق تقرير المصير لجنوب كردفان.(2) بمعنى آخر ما هي السلطة التي بموجبها يقوم الشريكان بهذا النوع من التنسيق، ومن أين أتي الكاتب بهذا التصريح؟ ربما يكون هذا مجرد استنتاج الكاتب من كل الأحداث التي تجري داخل المجالس الخاصة لنخب أبناء النُّوبة، أو في دهاليز السلطة الحاكمة، وفي الحالتين من المحتمل أن يُستنتج أنَّ الكاتب يعمل مع الحكومة والحركة حتى يعرف بهذه الصفقات السرية التي لا يعلمها أي شخص خارج الدائرة الداخلية الضيقة.


هل جاءت أو أتت الخلافات بين الشريكين بغتة؟

لقد ذهب الكاتب ليقول إنَّ الخلافات بين الشريكين ظهرت فجأة وبسرعة وأنَّها شلَّت تفكيرهما لوقت قصير، بعد أن فقدت الولاية الكثير من الممتلكات والأرواح، وذهبت أحلام أبناء النُّوبة أدراج الرياح مع اندلاع الحرب بعنف. أولاً لم تظهر الخلافات بغتة وبسرعة. ثانياً، يبدو من الصياغة أنَّ الكاتب أبدى نوعاً من الأسى في فقد الولاية للممتلكات، وقدَّمها على الأرواح التي زُهقت، ولكن كان من أوجب الواجبات تقديم فقد الأرواح على الممتلكات. إنَّ تقديم الممتلكات على الأرواح التي راحت وهذا ما يرفضه العُرف والخُلق الإنساني، وقد يفسَّر أنَّ الأرواح رخيصة مقارنة بالممتلكات. ومن الصياغة أيضاً أظهر الكاتب قدراً من السعادة بذهاب أحلام أبناء النُّوبة للحكم الذاتي بسبب قيام الحرب!
على أية حال، سنحاول الرد على الإفادة التي تقول إنَّ التدهور كان بغتة، وستكون نصوص بعض بنود اتفاقية نيفاشا للسلام مرجعية في تفنيد ودحض ما جاء في هذه الإفادة. تنص المادة 5-2-2 في بنودها (أ)، و(ب)، و(ج)، و(د) على أن تُمنح الحكومة السُّودانيَّة 52% من السلطة بينما 28% للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، و14% للقوى السياسيَّة الشماليَّة و6% للقوى السياسيَّة الجنوبيَّة، هذا على المستوى القومي.(3) بهذه القسمة الضيزى صارت الحكومة هي الشريك الأكبر والأقوى بينما الحركة الشعبيَّة والأحزاب الأخرى مجتمعة هي الأصغر والأضعف. أما على المستوى الإقليمي أو الولائي، فإنَّ نصيب الحكومة هو 55% و45% للحركة الشعبيَّة وصفراً (0) لبقية الأحزاب بناءً على البند 11-1-1 الفقرة (أ)، و(ب).(4) بالتأكيد ألقت هذه القسمة غير المتكافئة بظلال كثيفة على العلاقة بين الشريكين الكبيرين قوميَّاً وولائيَّاً منذ البداية. من الملاحظ من هذه القسمة أنَّ بالولاية حزبين فقط، المؤتمر الوطني والحركة الشعبيَّة وهذا طبعاً مجافٍ ونكران للواقع! ونتيجة لهذه المعطيات يجد المتتبع للأحداث المتسارعة بُعيد الاتفاقية في العام 2005م صعوبة في عدم استقرار العلاقة بين الحكومة السُّودانيَّة من جهة والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان من جهة ثانية. من الواضح جداً كانت العلاقة غير مستقرة على كل الأصعدة: السياسيَّة، والأمنيَّة والاقتصاديَّة إلخ... فعلى الصعيد السياسي كان الجو العام مكفهراً للغاية بدرجة أنَّ بعض السياسيين السُّودانيين تنبأوا باحتمال اغتيال الدكتور جون قرنق، رئيس الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، سواء من خصومه في الفصائل الجنوبيَّة المسلحة، أو من أنصار التيار الإسلامي المتشدِّد في الشمال، وكما أصدرت مجموعة من علماء السُّودان فتوى تقضي بتكفير أي مسلم ينضم إلى الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان. وفي نفس السياق صرَّح الراحل الدكتور حسن عبدالله الترابي، زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض، أنَّ الاتفاق يحمل في ثناياه بذور الخلاف بين مؤسسة الرئاسة المكوَّنة من الرئيس المشير عمر حسن أحمد البشير، والدكتور قرنق الذي أصبح النائب الأول لرئيس الجمهورية، والسيد علي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية آنذاك. واستطرد الترابي أنَّ بذور هذه الخلافات تؤكد هيمنة المؤتمر الوطني على مفاتيح إصدار القرارات الحكوميَّة حتى لو لجأ ثلاثتهم إلى البرلمان لتسوية موضوع أي خلاف ينشب بينهم في اتخاذ أي قرار بناءً على السلطة الممنوحة لكلٍ.(5)
كما كان متوقع، مات الدكتور قرنق في حادث سقوط مروحية رئاسيَّة يوغنديَّة كانت تقله إلى نيوسايت بجنوب السُّودان في ظروف غامضة. كان لموته أو اغتياله انعكسات وتداعيات سياسيَّة كبيرة أثَّرت سلباً على تنفيذ الاتفاقية نصاً وروحاً كما ورد في بنودها، لأنَّ العلاقة بين الشريكين أخذت منحىً شديد التعقيد ومليئاً بالشكوك، وبالتالي المشاكسة المبكرة وليست بغتة كما ذكر الكاتب. وفيما يلي سردٌ لبعض الأحداث المؤسفة التي توالت منذ يوم الاثنين الأسود (1 أغسطس 2005م) بعد مقتل قرنق أو اغتياله يوم السبت 30/7/2005م.(6)
سيايساً وعلى المستوى القومي، أجبرت حكومة المؤتمر الوطني شريكها الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان على الانسحاب من حكومة الوحدة الوطنيَّة في العام 2007م لتلكوء الحكومة في تنفيذ بنود كثيرة في الاتفاق.(7) وعلى المستوى الولائي، كانت هناك مشاكسات كثيرة وكبيرة خاصة فيما يتعلَّق بإدارة ميزانية ولاية جنوب كردفان، مما أدى إلى خلق وزارتين (وزارة المالية برئاسة الحركة الشعبيَّة، ووزارة الاقتصاد والاستثمار برئاسة المؤتمر وطني). وعلى الرغم من أنَّ هذا يعد مخالفة دستوريَّة لبنود الاتفاقية التي حدَّدت عدد الوزارات في الولاية، قبلت الحركة الشعبيَّة بخلق الوزارة الجديدة (وزارة الاقتصاد والاستثمار) تهدئة للتوتر من أجل الاستمرارية السلسة للعلاقة بينهما. على أية حال، اعترض الوالي على إصرار وزير المالية على تعيين طاقم وزارته، وعلى أن تكون الميزانية، التي كان أكثر من 70% منها يقبع بوزارة المالية المركزيَّة، تحت سيطرته كوزير للمالية والمسئول الأول مساءلة قانونيَّه عنها. إزاء هذا الإصرار، اختلف الوالي والوزيران وثار الوالي خاصة عندما علم بالتحقيق الذي كان يجريه وزير المالية حول التجاوزات في العقود التي كانت تمنح لشركات تابعة للحزب الحاكم بموافقة الوزارة المركزيَّة وبعشرات الملايين من الدولارات دون علم السلطات المختصة بالولاية. وعلاوة على ذلك كان هناك حساب آخر للولاية في بنك السُّودان - فرع الأبيض الذي تتم التحويلات المالية الخاصة بالولاية إليه من بنك السُّودان المركزي بالخرطوم. ولكن بعد التحويل من بنك السُّودان بالخرطوم إلى فرع الأبيض، يتم تحويل المبالغ المالية المخصصة للولاية إلى حساب بنك تنمية الصادرات فرع الأبيض لتكون تحت السيطرة المباشرة وتصرُّف الوالي دون علم وزارة مالية الولاية التي يفترض أن تقع على عاتقها مسئولية المال العام في الولاية وفق القانون، كما ذكرنا آنفاً. نتيجة لهذا الخلاف المحتدم، تمت إقالة وزير المالية في سبتمبر 2008م دون الرجوع إلى مؤسسة الرئاسة كما تنص عليه بنود الاتفاقية، مما سبب نوعاً من الفتور والبرود في العلاقة بين الشريكين على المستويين القومي والولائي.(8)
أما من الناحية الأمنيَّة على المستويين القومي والولائي فحدِّث وبلا حرج! فمنذ البداية رفضت الحكومة تقرير اللجنة الدوليَّة الخاصة بتحديد حدود أبيي بحجة أنَّ اللجنة تخطت التفويض الممنوح لها. وعندما لجأ الخصمان (الحكومة والحركة) إلى محكمة العدل الدوليَّة للتحكيم، رفضت الحكومة نتائج وقرار المؤسسة الدولية أيضاً! ففي 22 مايو 2011م أي قبل 40 يوماً فقط قبل إعلان جنوب السُّودان استقلاله، سيطر الجيش السُّوداني على مدينة أبيي المتنازع عليها وأصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يقضي بحل مجلس منطقة أبيي وأعفى رئيس إدارة المدينة ونائبه ورؤساء الإدارات الخمس في من مناصبهم ومهماتهم.(9)
وفي المجلد - ولاية جنوب كردفان- وفي يوم 27 أبريل 2011م، تحدَّث الرئيس في الدعاية للانتخابات الولائيَّة التكميليَّة أمام أنصاره والإعلام حديثاً غير سوي ولا مسئول قال فيه إذا لم يفز حزبه عبر صناديق الإقتراع فسوف يفوز عن طريق صناديق الذخيرة وأنَّه سيطارد النُّوبة جبل جبل، وكركور كركور (مقتبساً من حديث زنقة، زنقة لعقيد ليبيا وملك ملوك أفريقيا السابق معمَّر القذافي)، وولا خمور ولا كجور.(10) وبالمثل سمع وشاهد العالم والي الولاية (مولانا) أحمد محمد هارون، على قناة الجزيرة الإخبارية، وهو يصدر التعليمات لجنوده ب"أكسح، أمسح، قشو ما تجيبو حي"، ويرد عليه الجنود "أُكلو حي"، أي كُلْ لحمه حياً.(11)
في هذا الأمر نرى مخالفة صريحة لفطرة الإنسان. الإنسان الذي كره أن يأكل لحم أخيه ميتاً، ناهيك من أكله حيَّاً، فصدق الله تعالى في قوله: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه" (الحجرات 59/12)! كان مبرر أحمد هارون لعباراته النكراء أنَّه لا يريد أن يتحمَّل أعباءً إدارية بحفظ أي أسير حرب من طرف الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال.
وفي ولاية جنوب كردفان أيضاً، أصدرت حكومة المؤتمر الوطني أوامراً للجيش الشعبي لتحرير السُّودان بتسليم أسلحته في مخالفة صريحة لنصوص الاتفاقية التي تقضي بتنفيذ التسليم بعد إكمال إجراء المشورة الشعبيَّة وعملية دمج قوات الطرفين وتسريح البعض والتي كان يجب أن تتم في أبريل 2012م، موعد إكمال استحقاقات المشورة الشعبيَّة. قررت الحكومة تجريد الحركة الشعبيَّة من السلاح وهي تعلم تماماً أنَّ المشورة الشعبيَّة لم تكتمل بعد. كان من الأفضل – في رأينا – أن تتم مناقشة وتنسيق أمر مهم كهذا مع القيادة العليا للحركة الشعبيَّة – شمال للتنفيذ من أجل السلام. على العموم تشير المعطيات على الأرض في ذلك الوقت أنَّ قرار الحكومة كان مستنداً على قوتها العسكريَّة وترسانتها وجاهزيتها للحرب التي عملت في تعزيزها طيلة فترة السلام النسبي في الولاية، مما أدى إلى نشوب الحرب الحالية في 6 يونيو 2011م.(12)
بعد كل هذا كيف للكاتب أن يصدر حكماً قاطعاً بأنَّ الشريكين لم يتوقعا ما كان آتٍ بالقول" تدهورت الخلافات بينهما بغتة وبتلك السرعة"؟ ألم تكن له آذانٌ يسمع بها أو عيونٌ يقرأ بها أو عقلٌ يزن به المعقول واللا معقول؟ كان ينبغي على الكاتب أن يبحث ويدقِّق المعلومات ويُمحِّص ما جاء فيها من حيثيات ومصادرها الموثوقة للخروج بإفادات مسنودة حتى لا يكون كلامه "خارم بارم"، كما يقولون في بلاد السُّودان!


التطور السريع في الأجندة

ما برح الكاتب مكانه ويسأل نفس الأسئلة عن مغزى التطور السريع في أجندة أبناء النُّوبة في الحركة الشعبيَّة، وبماذا يبررون مطلبهم في ظل الظروف السياسيَّة المضطربة التي تعاني منها الدولة. وكما أبنا سابقاً لم تتطوَّر أجندة أبناء النُّوبة في الحركة الشعبيَّة في السر ولا بالسرعة. كذلك لم تكن بها أسرار، بل كانت واضحة: "السُّودان الموحَّد بأسس جديدة"، وقد سبق أن عرَّفنا مفهومه. أما إذا كان هناك، تحوُّل في المواقف، فبالتأكيد له مبرراته منها الاضطراب السياسي الذي ظلت تعاني منه الدولة منذ لحظة توقيع اتفاقية نيفاشا في العام 2005م. على كلٍ، الاضطراب السياسي في أية دولة له أسبابه المنطقيَّة والموضوعيَّة، والتي يمكن معالجتها بالأسلوب الحضاري وليس بالعنف والعنف المضاد الذي أثبت فشله في كل أنحاء العالم، وتجربة السُّودان مع قضية جنوبه القديم ليست ببعيدة. نعتقد يقيناً أنَّه لا ينبغي أن يلوم أو يستكثر على أبناء النُّوبة سواء أكانوا مع الحركة الشعبيَّة أو أي تنظيم آخر أو محايدين غضبهم عندما يشاهدون وابلاً من الرصاص والبراميل المتفجِّرة والصدأة من ذات الدولة التي تدعي الدفاع عنهم ينهال على أهلهم الأبرياء وتحصدهم. والله العظيم، لم يجد النُّوبة في الماضي والحاضر الحماية إلا من جبالهم وفي كهوفهم وكراكيرهم التي طردتهم وتطاردهم إليها دولتهم! لا مرية في أنَّه يغلي ويفور ثم ينفجر ما في جوف كل إنسان من الغضب عند فقدان أعزَّ ما لديه من قريب، وهذا بالضبط ما حصل للنُّوبة. فليس من المعقول أن تستأسد دولة بكامل عتادها الحربي على رعاياها، خاصة الأبرياء ولا يهمها انتهاك حرمة أراضيها بقوى خارجيَّة ويكون لسان حالها: سنرد في الوقت المناسب والكيفية المناسبة. إنَّ القتل العشوائي لإثنية النُّوبة الأبرياء يبرر لجوء أي كائن من كان إلى المناداة بأي ترتيب أو مخرج سلمي وديمقراطي يعتقد أنَّه نجاة من الجحيم الذي هو فيه، وهذا آخر ما لجأ إليه النُّوبة مضطرين اضطراراً.


ماذا يريد أبناء النُّوبة؟

ويمضي الكاتب في سلسلة أسئلته ليستفسر "وماذا يريد أبناء النُّوبة بالضبط من تبني دعوة للحكم الذاتي الذي قد يتطوَّر بحكم الظروف إلي دعوة للانفصال كامل الدسم ويتكرر بتراجيدية مبكية ما تم في جنوب السودان". قبل الاسترسال في الإجابة، نقول ينبغي معالجة الظروف التي دعت إلى المناداة بالحكم الذاتي أو بتقرير المصير، والتعامل معها بموضوعيَّة وعقلانية حتى لا تتطَّور الدعوة من الحكم الذاتي في إطار القطر الواحد إلى الدعوة للانفصال الكامل الدسم الذي أشار إليه الكاتب. أما السؤال ماذا يريد النُّوبة أو أبناء النُّوبة فهو سؤال قديم/جديد، تشير الإجابات عنه - من مختلف الأصعدة النُّوباويَّة - إلى أنَّهم يبغون السُّودان الجديد الموحَّد الذي تسود فيه العدالة والمساواة والمشاركة الحقيقيَّة في السلطة في اتخاذ القرارات وتنفيذها، شأنهم في ذلك شأن كل السُّودانيين؛ أو على الأقل التنمية العادلة في ولاية/إقليم جبال النُّوبة. التنمية التي ستوفر لإنسان الولاية الخدمات لتحقيق رغباته والحياة الكريمة له ولأسرته.(13) يريد النُّوبة، بل المهمَّشون، أن تُنقل المدينة وأسبابها إليهم في الريف، بمعنى إذا توَّفرت الخدمات في الريف فلن تكون هناك حاجة للريفي الذي يعيش الآن في هوامش وتخوم مدن السُّودان المختلفة للسفر إلى الخرطوم أو أم درمان أو أية مدينة لتلقي العلاج مثلاً، ولن يشكلون مهدِّداً أمنيَّاً أسوداً حول العاصمة كما دأب أحد عرَّابي السلطة القدامى أن يكتب.
إنَّ الرؤية التي قدَّمها تضامن أبناء جبال النُّوبة بالخارج أثناء عمليَّة مفاوضات السَّلام العام 1998م تحت رعاية منظَّمة الإيقاد في أديس أبابا، أثيوبيا، أجابت بجلاء عن كثير من الأسلئة التي ظلَّت تتردَّد في أذهان وألسنة الناس يومذاك واليوم، مثل "ماذا يريد النُّوبة، وأي سُّودان يبغون؟ ولماذا يفضِّلون الحل الشامل للمشكل السُّوداني.(14) الجدير بالذكر، أنَّ الدعوة للحكم الذاتي ليست موجهة للنُّوبة حصريَّاً ولكنها مقدَّمة لكل مواطني الإقليم بمختلف إثنياتهم، وأحزابهم ومعتقداتهم. أما إذا تحقق الحكم الذاتي فقد يكون أهون عما هو قادم ومتوقَّع "بحكم الظروف" إذا ما أخذنا في الاعتبار الأوضاع الراهنة في السُّودان والتي تهدِّد مصير وحدته كقطر. إنَّ المخاوف التي برزت في هذا الخصوص لكثيرة، وكذلك علت أصوات تنادي بأهمية إيجاد المعالجات السريعة لإنقاذ البلاد من التقسيم، لا كما يثيره كاتب المقال. ومن هذه المخاوف والتوجسات ما ذهب إليه بعض المحللين السياسيين السُّودانيين المعارضين والموالين للحكومة إلخ...يتوقَّعون أنَّ البلد سيتفتت إلى خمس دويلات على الأقل إن استمرت الحكومة في تنفيذ سياستها الإقصائيَّة، كما جاء في التصريحات الكثيرة. والحكومة نفسها لا تخفي احتمال حدوث تقسيم البلاد كما جاء على لسان النائب الأول لرئيس الجمهورية الذي صرَّح في رده على السُّودانيين الساخطين من الإنقاذ قائلاً: "البلد دي حتنقسم لخمسة دول عديل!!"(15) وإذا حدث ذلك فسيكون فعلاً أكثر تراجيديَّاً من انفصال الجنوب!


تراجيديَّة انفصال الجنوب

أما الإشارة إلى وصف انفصال الجنوب ب" التراجيديَّة المبكية"، مدعاة فعلاً للسخرية، وذر الرماد في العيون! مَنْ الذي فصل الجنوب حتى يكون البكاء عليه؟ كون يقتل الإنسان شخصاً ويذهب إلى جنازته وكأنَّه لم يفعل شيئاً، يماثل عمل الشيطان الأكبر. إنَّ تفاصيل اتفاقية نيفاشا للسلام – في رأينا - بريئة من التهم التي تحاك حولها وبأنَّها أدت إلى الانفصال! الجدير بالذكر إنَّ ذلك لا يعني تبرئتنا للاتفاقية من التهم أنها خالية من بعض العيوب. ولكن ما كان على الفرقاء السُّودانيين الذين جمعتهم الاتفاقية إلا جعلها جاذبة لشعب جنوب السُّودان وذلك بدفع ثمن تجميلها وسد العيوب التي وردت فيها. الغريب في الأمر أنَّ بعض الشماليين والجنوبيين كانوا معارضين للوحدة وناقمين على الاتفاقية وعلى الذين وقَّعوا عليها. كان بعض الشماليين يرون ضرورة انفصال الجنوب لأنَّه أنهك موارد الشمال. ومَنْ منا لم يشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي ثوراً أسوداً يُذبح فرحاً واحتفاءً بانفصال الجنوب؟ وكذلك ترى الأغلبية من الجنوبيين ضرورة ذهابهم من الشمال لأنَّه عاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية! إذن، لماذا البكاء والتباكي على الاتفاقية القبيحة التي لم تعجب الجنوبيين ولا الشماليين على حدٍ سواء؟! بالطبع علت وستعلو أصوات تتساءل ما هي مسئولية الحركة الشعبيَّة لأنَّه كان عليها تعبئة شعبها على التصويت للوحدة. وكما ستعلِّل مجموعة أخرى بأنَّ الأقلية من الشماليين هم الذين أيدوا وأنَّ الغالبية لم تتح لها فرصة الإدلاء برأيها. نرجح لو أُتحيت لهم الفرصة لصوتوا للوحدة ثم ليعودوا في نفس السياسة القديمة تجاه الجنوب والجنوبيين. لِمَ لا وهم أهل الحل والعقد! فنحن الشماليُّون لم ولن نتعلَّم شيئاً أبداً فيما يتعلَّق بعلاقة الجنوب بالشمال أو العكس! كما أنَّ السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذه الحقيقة، ماذا فعلت الأغلبية التي تعارض الانفصال؟ لا شيء! المبرر الذي يدافعون عن موقفهم هو لم تتح لنا الفرصة بواسطة الحكومة أو المجتمع الدولي!
على أية حال، شعب جنوب السُّودان هو الذي طلب وحاز على حق تقرير المصير بعد تضحيات كبيرة وهو ليس معني بتجميل أو تقبيح الاتفاقية لتكون جاذبة أو طاردة له. ولنفترض جدلاً أنَّ قيادة الحركة عملت على ترغيب الجنوبيين للوحدة، كان على تلك الأصوات إقناع الشعب الجنوبي المسكين، صاحب الصوت، بجدوى التصويت للوحدة. لماذا طلب شعب الجنوب بحق تقرير المصير في المبتدأ ثم يأتي بنفسه ليجعل الاتفاقية جاذبة للوحدة؟ صدق بعض الأخوة الجنوبيين الذين تحدَّثنا إليهم مبدين بعض ملاحظاتنا حول نتيجة التصويت. كان الأخوة الجنوبيُّون أمينين للغاية إذ قال بعضهم بلغة عربي جوبا، التي نتندَّر ونضحك عليهم لاستخدامها: "مندوكورو ياهو أبا يدفع بقر بتا بت بتا نينا أشان يشيلو مرا بتاو. ما في بقر، ما في مرا بشيلو. ياهو كدا دي، بس". الترجمة إلى عربي الخرطوم: "لقد جحد الشماليون كثيراً ورفضوا دفع مهر ابنتنا (الاتفاقية) لكيما يتم الزواج بها (قبولها)، وعليه لا زوجة بدون دفع البقر، انتهى الأمر" قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان!. ومن الأشياء التي شهادناها وسمعنا بها على تلفزيون السُّودان القومي أنَّ حكومة الخرطوم أعلنت عن قيام الدورة المدرسيَّة رقم 22 في 10/12/2010م بمدينة واو الجنوبيَّة في الوقت الذي كان الجنوب يستعد لإجراء الاستفتاء لأهميته بالنسبة لهم. وعندما كانت الحكومة تقصف مواقع إستراتيجية بالجنوب تزامناً مع وصول وفود فعاليات الدورة المدرسيَّة من كل الولايات الشماليَّة (ما عدا ولاية شمال دارفور لظروف أمنيَّة)، علَّقت حكومة الجنوب أنشطة الدورة وإجلاء الطلاب لضمان سلامتهم. بهذا القرار السليم رُدَّت البضاعة المزجاة إلى صاحبها، وتم نقل الدورة إلى الخرطوم. بالطبع ظنت الحكومة أنَّ إقامة احتفالات الدورة المدرسيَّة في مدينة واو هو جزء من استحقاق التصويت لصالح الوحدة. وكما تبع تلك المسرحية الملهاة زيارة فخامة رئيس الجمهورية إلى جوبا وظنَّ القوم أنَّ الوحدة "جات" أو ستأتي تجرجر أذيالها. هيهات، إنَّ غالبية جنوبيين اليوم مختلفين تماماً عن أولئك الذين ألفيناهم نحن الشماليُّون من ذي قبل! هؤلاء هم الذين حدَّدوا مصير الجنوب والسُّودان في 9/7/2011م بنسبة تصويت للانفصال بلغت أكثر من 98%!.


الانفصال الكامل لجبال النُّوبة

جاء في المقال تحذير من أنَّ النُّوبة قد يطالبوا بالاستقلال أو الانفصال الكامل الدسم مثل الجنوب. إنَّ التصويت للانفصال يعتمد بصورة عامة ورئيسة على تصرفات وسياسات الحزب الحاكم أو أية حكومة تأتي ولم تتعلَّم من أخطاء السلف ودروس الماضي المريرة. انفصال الجنوب كان مسئولية على عاتق النخبة السياسيَّة الشماليَّة وحدها لا شريك لها، لأنَّها كانت ولا تزال ترى نفسها أهل للحل والعقد دون غيرها، ويعتبر كاتب المقال جزءً لا يتجزأ من هذه النخبة. وأيم الله، كان انفصال الجنوب نتيجة لإدمان سوء إدارة التنوُّع، والإقصاء المتعمَّد، والتهميش الجائر لأنَّ المهمَّشين رفضوا وضعهم على هامش وطنهم؛ وعدم الاعتراف بالآخر في أن يكون. هذا الفشل يدعمه ما أثرى به الدكتور منصور خالد المكتبة السُّودانيَّة بواحد من أفخم مؤلفاته عندما أصاب النخبة السُّودانيَّة في القلب والضمير بسهم حاد بكتابه المشهور: النخبة السُّودانيَّة وإدمان الفشل، فضلاً عن كتاب القانوني الخبير الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان الذي أفرد فيه سرداً تاريخيَّاً عن دور ومسئولية القوى السياسيَّة الشماليَّة عن انفصال الجنوب.(16)
بعد الاتفاقية مباشرة وعلى نطاق ولاية جنوب كردفان، حاولنا مناشدة وإذاعة في أبناء الولاية في مقالٍ من حلقتين كتبناه في مايو- يونيو 2005م، أهمية التسامح والوحدة، والتعايش السلمي فيما بين السكان من أجل إقليمهم الذي مزَّقته الحرب. كذلك شدَّدنا في مقالات سابقة كثيرة (قبل وأثناء مفاوضات السلام، وبعد اتفاقية السلام الشامل)، وما زلنا نكتب ونلح على السُّودانيين بأن يقوموا بوضع الأهداف السامية للوطن على رأس قائمة الأولويات، وذلك بالوصول إلى توافق فيما بينهم والضغط على قادتهم السياسيين لوقف الحروبات التي تحرق وتقضي على الأخضر واليابس ليتفرغ الجميع للتنمية الشاملة في البلاد لأنَّ السياسة التي تقوم على علينا وعلى أعدائنا لم، ولا، ولن تجدي، وأنَّ صب الزيت في النار لا يزيدها إلا لهيباً وحرارة التي تكتوي بها الأغلبية الساحقة من الشعب السُّوداني.


ما هو مصير الأغلبية الصامتة؟

يتواصل مسلسل الأسئلة التي سنعلِّق عليها أيضاً لأنَّها غير منطقيَّة ولا موضوعية، إذ يسأل الكاتب عن لماذا تم تجاوز الأغلبيَّة من الإثنيات غير النُّوباويَّة في اتفاقية نيفاشا وما هو مصيرهم. لم يقف كاتب المقال عند هذا الحد، بل سأل عن غموض المطلب في ظل الظروف السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي يمر بها الإقليم. ولقد ذكر الكاتب أنَّ الأغلبية الصامتة تشمل مجموعات مثل الحوازمة، والبي بي إف والدرافوريين والجلابة، ولم يسم بل تغاضى عن ذكر مجموعات غير نوباويَّة لها في الإقليم وزنها وثقلها السياسي والاجتماعي والديني والحزبي إلخ... على كلٍ، يبدو أنَّ المعنيين بالأحرف الأبجدية هم البرنو، والبرقو، والفلاتة؛ على التوالي! لا ندري لماذا كتابة الأحرف دون تعريف مسبق بماذا تعني هذه الحروف، طبقاً وتبعاً لأسلوب عام في الكتابة حتى يكون القاريء على علم بالمصطلح عندما يمر به للمرة الثانية. ومهما يكن من شيء، نقول إنَّ مصير الأغلبية الصامتة مشترك مع النُّوبة. صحيح قد يكون حال هذه الأغلبية الصامتة أفضل بكثير من حال النُّوبة بما مكَّنهم عليه النظام الحاكم بسياسة التمكين التي يتبعها ليفرِّق بين أبناء الإقليم الواحد، ولكنهم شركاء في التهميش إلا القلة القليلة التي مُورست عليهم سياسة التضليل الرمزي بمنحهم وظائف ورتب عليا لامتصاص غضبهم من الشعور بالظلم.
فالظلم الجماعي الذي يتعرَّض له هؤلاء جميعاً يتجسَّد بوضوح في المفارقات في تقاسم الثروة مقارنة بالوضع المأسوي الذي يعيشه إنسان الولاية المنتجة للبترول؛ كما ورد في اتفاقية السلام الشامل التي أشرنا إليها سابقاً في بروتوكولات فض النزاع في المناطق الثلاث: أبيي (الفصل الرابع، البند 1-2-3)، وفي ولايتي جنوب كردفان/جبال النُّوبة والنيل الأزرق (الفصل الخامس، البنود 8-3 و8-6). الظلم في هذه القسمة بيَّن وحرَّمه الله؛ العدالة أبلج وأمر الله بها، مالكم تؤمنون ببعض الكتاب وتفكرون ببعضه، ومالكم كيف تحكمون؟ صحيح هناك المستمتعون على المستوى الفردي أو الأسري أو القبلي الضيق، ولكن الأغلبية العظمى تعاني! فبدون إثارة عواطف الغضب الدفينة في النفوس، ليس من المعقول أبداً أن يكون حال مواطني الولاية المنتجة للبترول والغنية بمواردها الطبيعيَّة هكذا. وكذلك ليس من المنطق أن تعاني مناطق الولاية التي بها السلام النسبي من عدم التنمية. كان ينبغي أن تتناسب التنمية مع تضحيات أبناء ولاية غرب كردفان التي فيها البترول بعد فصلها من ولاية جنوب كردفان/جبال النُّوبة المغضوب عليها. هذا هو المصير القاتم الذي يشترك فيه أبناء الإقليم كلهم! ففي هذه الولاية لا فرق في حال العرب والعجم، والمسلمين وغيرهم، فهم يعانون ثالوث المرض، والجوع والجهل.
وأما الجزم القاطع بأنَّ الأغلبية الصامتة هي الإثنيات غير النُّوباويَّة ما هو إلا رأياً شخصيَّاً مغلوطاً تماماً كما سنوضِّح فيما بعد. أثناء مفاوضات السلام بين الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان في ضاحية مشاكوس الكينيَّة في بداية النصف الأول من العام 2000م أوضح رئيس الوفد الحكومي المفاوض ضمن حججه أنَّ النُّوبة يمثلون أقلية وأنَّ المسلمين يمثلون 70% من سكان الولاية.(17) ربما هذا ما بنى عليه الكاتب معلوماته المغلوطة عن الأغلبية الصامتة. وهذا عين الخطأ الذي لم يضعه الكاتب في الحسبان وهو النسبة العالية للمسلمين وليس الأغلبية الصامتة. وقبل الاستطراد، يدل استخدام الكاتب لجملة "صاروا يشكلون أغلبية" على أنَّ شيئاً فظيعاً حدث للنُّوبة، مما أدى إلى تناقص عددهم وزيادة عدد الإثنيات الأخرى التي صارت أغلبية! فما لا شك فيه لقد تعرَّض النُّوبة للقتل والتقتيل والتشريد وكل صنوف انتهاك حقوق الإنسان بآلة الحكومة العسكريَّة بمشاركة من مجموعات غير نوباويَّة مختلفة بحجة محاربة الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان!(18) وللحق إنَّ عدداً من أبناء النُّوبة شاركوا في ارتكاب هذه الانتهاكات إما لأنَّهم ينفِّذون أوامر رؤسائهم أو بسبب الترغيب والترهيب أو نتيجة للمصالح الشخصيَّة الضيقة، أو لكراهيتهم للحركة الشعبيَّة وعدم تأييدهم لرؤيتها. عدم تأييدها هذا من حقها ولكن من غير المعقول أبداً قتل الأبرياء بغير حق. ومهما يكن من جدالنا في هذه النقطة، قد يبدو من الوهلة الأولى للقارىء الكريم أنَّ المجموعة الإثنيَّة غير النُّوباويَّة التي ذكرها الكاتب هي كل التنوُّع في الولاية، وهذا غير صحيح لأنَّ هناك مجموعات غير نوباويَّة كثيرة لم يذكرهم لشيء في نفسه، كما أسلفنا ذكره.
على كلٍ، إذا فصَّلنا قبائل النُّوبة تفصيلاً، لوجدناها أكثر تنوُّعاً وعدداً من كل المجموعات غير النُّوباويَّة في الولاية. فدوننا نتائج التركيبة الديمغرافية في منطقة جبال النُّوبة التي تكشف المغالطة المجافية لما ذكره الكاتب. فتحليل السجل الانتخابي في العام ٢٠٠٦م (رغم التجاوزات الإجرائيَّة التي وقعت(، بلغ عدد السكان الكلي في جبال النُّوبة (ليس النُّوبة فقط) ١٫٧ مليون نسمة حيث مثَّل النُّوبة من هذا العدد ٧٠٪ أي بأغلبيَّة بلغت ١٫١٩٠٫٠٠٠ نسمة. أما الإحصاء السكاني الذي تمَّ في العام ٢٠١٠م بغرض الانتخابات الرئاسيَّة والولائيَّة فقدَّر عدد النُّوبة وحدهم ب ٢ مليون نسمة أي بزيادة أكثر من ۸٠٠ ألف نسمة في أربع سنوات!(19) فبعد مراجعة هذه الأرقام كيف يكون النُّوبة هم الأقلية في الولاية؟!



تجاوز الأغلبية الصامتة في مفاوضات نيفاشا

أما الحديث عن تجاوز الأغلبية الصامتة في اتفاقية نيفاشا فغير موفَّق أيضاً ومغلوط تماماً، بل هي جملة حق أُريد بها باطل! في الحقيقة – والحق يُقال - أثناء المفاوضات الجادة بين الحكومة السُّودانيَّة بقيادة الاستاذ علي عثمان محمد طه، النائب الأول لرئيس الجمهورية، والدكتور جون قرنق، رئيس وفد الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان من الناحية الأخرى العام 2004م، شهدت ضاحية نيروبي، كينيا، حضوراً كثيفاً لوفود من جانب الحكومة في مناطق النزاع المعنيين (جبال النُّوبة، والنيل الأزرق، وأبيي) بما فيهم الأغلبية الصامتة زائداً النُّوبة وكانت حركة هذه الوفود أنشط من النحل في خدمة الملكة. جاءت الوفود بطائرات مستأجرة ومليئة عن بكرة أبيها ولكن لم تحط طائرة واحدة تحمل وفوداً من مناطق سيطرة الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان في جبال النُّوبة أو النيل الأزرق للمشاركة أو حتى لتشجيع فريق الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان المفاوض. وحسب المتابعة اللصيقة أيضاً، أحسنت نخبة مستنيرة من أبناء جنوب كردفان (ليس النوبة وحدهم) المنضوية تحت لواء الحركة الشعبيَّة العمل. لقد عقدت النخبة جلسة أخوية مع رصفائهم أبناء جنوب كردفان (أصحاب المصلحة كما صار المصطلح السياسي المتلازم للمنطقتين) من جانب الحكومة أو من الداخل (كأنَّ الحركة الشعبيَّة من الخارج) للتفاكر والتشاور من أجل تحديد وجهات النظر المشتركة والآراء المغايرة ونقاط الخلاف الجوهرية من أجل الخروج برؤية موحَّدة تصب في صالح الولاية ومن ثم عرضها للوسطاء. للأسف الشديد لقد أدى تباعد المواقف بين الإخوة، إلى إضعاف الموقف التفاوضي للحركة مما نتج عنه عدم حصول الولاية على ما يوازي التضحيات الكبيرة التي قدَّمتها جماهير الولاية، من أنصار الحكومة والحركة الشعبيَّة. إذن، لم يتم تجاوز الأغلبية الصامتة في الولاية وهكذا أصحاب المصلحة في ولاية النيل الأزرق كما يحاول الكاتب أن يفهمه الناس.


الظروف السياسيَّة والاقتصادية: محنة الولاية

لم يأل الكاتب جهداً إلا وتطرَّق للظروف السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة السيئة التي يمر بها الإقليم. ولكن لم تكن هذه الظروف وليدة لحظة وإنَّما نتاج لتراكمات الأنانية التي حالت دون التنمية الشاملة واختلاق الحروب المدمِّرة وإفرازاتها نتيجة لتردي الظروف الأمنيَّة. هذه الظروف سببت شرخاً عميقاً في جسد النسيج الاجتماعي وفي ثقافة التعايش السلمي الذي تميَّز به الإقليم في السابق. لم تقتصر هذه المشكلات في الولاية فحسب، بل امتدت الضائقة المعيشيَّة لتشمل جميع قطاعات الشعب السُّوداني بصفة عامة، مما يدعو إلى الحسرة ويبعث الحزن العميق في النفس. إذن، ما هو الحل، هل نعتكف في الرمي باللائمة على هذا وذاك واتهام هذه وتلك؟ كلا والله! ولكن يمكن معالجة هذه المشكلات للحد المقبول الذي يمكن أن يتعايش معه المجتمع وذلك بالرؤية الثاقبة للحل، والتي ينبغي أن يلتف حولها النخبة من أبناء الولاية بالتحرك إلى الأمام نحو التنمية لسد الفوارق الاجتماعيَّة وبناء مجتمع معافى من الحقد والغبن. وما لا شك فيه أنَّ الحل يتطلب قدراً كبيراً من الحنكة والفهم والتسامح بين شعوب الولاية باختلافاتها.

الخلاصة
تعتبر قضية جبال النُّوبة والنيل الأزرق ودارفور وغيرها مشكلة السُّودان الكبرى، التي يجب حلها حلاً شاملاً وجذريَّاً. إنّ مطالبة النُّوبة بالحكم الذاتي حق قانوني مشروع رغم أنَّ ممارسة هذا الحق ليست حصريَّة على النُّوبة، بل كل مكونات الولاية الديموغرافية الأخرى لأنَّها شريكة فاعلة في الولاية ومصير كل مواطني الإقليم مشترك. الحكم الذاتي في حد ذاته ليس الهدف الأساسي للنُّوبة إذ أثبت فشله تماماً في الماضي (الحكم الذاتي في جنوب السُّودان). هدف النُّوبة منذ انضمامهم في صفوف الحركة الشعبيَّة هو السُّودان الموحَّد الذي يعترف بالآخرين، ويحقَّق العدالة والمساواة في الواجبات والحقوق لكل مكوِّناته. هذا هو كتاب النُّوبة المفتوح للقراءة، وليست لهم أجندة سريَّة. هناك استقطاب سياسي وحزبي وديني وإثني حاد في الولاية. تتطلَّب هذه الاستقطابات من النخب السياسيَّة السُّودانيَّة عامة وأبناء ولاية جنوب كردفان بصفة خاصة محاولة فهم مشكلة الإقليم لبلورة الحلول ودعم الجهود التي بذلت سواء أكانت نصوص اتفاقيات أُبرمت أو تفاهمات محليَّة من أجل تهدئة الخطاب السيباسي والقبلي، ومناقشة الأمور بعقلانية من أجل تقديم مشروع أو مقترح عام يحوي الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لحل المشكل العاجل الذي يواجه الإقليم ومواطنيه بكافة تنظيماتهم واتجاهاتهم السياسيَّة والحزبيَّة والدينيَّة والاجتماعيَّة.
سنتناول في المقال القادم سلسلة الأسئلة التي طرحها الكاتب دون إجابات. كذلك سنتطرق إلى ما ذهب إليه من تحريف لأقوال المعلِّم الأستاذ يوسف كوة مكي، وأيضاً النقول والاقتباسات المختلفة غير الصحيحة، ومسألة الحكم الفيدرالي، والمشورة الشعبية. وسننهي ذاك الجزء بالحديث عما ذهب إليه مدعياً تناغم موقف كل النُّوبة في أهدافهم السياسيَّة خاصة في مسألة الحكم الذاتي وتقرير المصير الذي قد يفضي إلى الانفصال، ثم سؤاله "ماذا وراء الأكمة"؟

[email protected]

رابط الجزء الأول من مقال الدكتور أحمد الحسب
http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-67436.htm

المراجع

(1) الدكتور صديق الزيلعي، ما فعلته وما لم تفعله بريطانيا في جبال النُّوبة، مجلة الحداثة السُّودانيَّة، العدد الثاني، يونيو 2016م، مشروع الفكر الديمقراطي والقراءة من أجل التغيير، الخرطوم، السُّودان.
(2) الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، ثمانيةٌ وخمسون عاماً من الفشل في التوافقِ على دستورٍ دائمٍ للسودان، جريدة الراكوبة الإلكترونية 31 ديسمبر 2013م. يقول الدكتور سلمان: "قام رئيس المجلس الوطني السابق بعد إعلان نتيجة استفتاء جنوب السُّودان مباشرة بحذف المواد التي تشير إلى جنوب السُّودان والحركة الشعبيَّة من ذلك الدستور. تمّ ذلك دون نقاشٍ، سواء على المستوى الشعبي أو حتى داخل المجلس الوطني."
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-130466.htm

(3) اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السُّودان والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، نيفاشا، نيروبي، كينيا 2005م، الفصل الثاني: اقتسام السلطة، الجزء الثاني: السلطات والمؤسسات على المستوى القومي، السلطة التشريعيَّة القوميَّة، المادة 5-2-2 البنود (أ)، و(ب)، و(ج)، و(د)؛ على التوالي.
(4) اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السُّودان والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، نيفاشا، نيروبي، كينيا 2005م، الفصل الخامس: فض النزاع في ولايتي جنوب كردفان/جبال النُّوبة والنيل الأزرق، ترتيبات ما قبل الانتخابات، البند 11-1-1 الفقرات (أ) و(ب)، على التوالي.
(5) قيادات سُّودانية تتوقع طلاقاً بائناً سريعاً بين عنصري الحكومة الانتقالية: توقعات باغتيال جون قرنق. جريدة العربية نت الإلكترونيَّة، 2005م.
https://www.alarabiya.net/articles/2.../14/14945.html
(6) مات الدكتور جون قرنق، رئيس الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان في حادث تحطم المروحية الرئاسيَّة اليوغنديَّة التي كانت تقله إلى النيوسايت بجنوب السُّودان ليلة الثلاثين من يوليو 2005م بعد مضي 21 يوماً فقط من أدائه لليمين الدستوريَّة كنائب أول للرئيس السُّوداني المشير عمر أحمد حسن البشير.
(7) السودان: الحركة الشعبية تعلق مشاركتها في الحكومة وتشكل لجنة أزمة، جريدة الشرق الأوسط، العدد 10545، 12 أكتوبر 2007م.
(8) International Crisis (ICG) Group, Sudan’s South Kordofan Problem: The Next Darfur? Africa Report No.145 – 21 October 2008.
(9) الجيش السُّوداني يعلن سيطرته على أبيي النفطية، والبشير يحل إدارتها، جريدة الشرق الأوسط، العدد 11863، 22 مايو 2011م.
(10) الدكتور قندول إبراهيم قندول، مدخل لدراسة قبيلة روفيك (دميك): الحياة الاجتماعية والثقافيَّة والدينيَّة في جبال النُّوبة السُّودان، مطابع (إم. بي.جي)، لندن، 2015م.
(11) تقرير بيتر غريست وإعداد رانية حلبي، قناة الجزيرة نت، 31/3/2012م.
(12) مواجهات مسلحة بين الجيش السوداني والجيش الشعبي في كردفان، جريدة الشرق الأوسط، العدد 11878، 6 يونيو 2011م.
كذلك أنظر الدكتور عمر مصطفى شركيان، في النزاع السُّوداني: عثرات ومآلات بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق، مطابع (إم.بي.جي)، لندن، 2015م.
(13) الدكتور عمر مصطفى شركيان، النُّوبة في السُّودان.. نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة، دار الحكمة، لندن، 2006م.
(14) الدكتور عمر مصطفى شركيان، في النزاع السُّوداني: عثرات ومآلات بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق، الدكتور عمر مصطفى شركيان، مطابع (إم.بي.جي)، لندن، 2015م.
(15) بكري الصائغ، أغرب وأسوأ (مائة) تصريح صدرت خلال الستة وعشرين عاماً الماضية، رقم 95: جريدة الراكوبة الإليكترونيَّة، 10 يونيو 2016م.
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-237132.htm
(16) الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، انفصال جنوب السودان: دور ومسئولية القوى السياسيَّة الشمالية، مطابع (إم. بي. جي) لندن، 2016م. كذلك انظر: الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، الدكتور الجزولي دفع الله ومسئولية انفصال جنوب السودان، 23 نوفمبر 2016م، صحيفة سودان فيو الإلكترونية. http://sudanview.com/
(17) حديث غير موثَّق 2004م.
(18) الدكتور عمر مصطفى شركيان، في النزاع السُّوداني: عثرات في مآلات بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق، مطابع (إم. بي. جي)، لندون، 2015م.
(19) الدكتور قندول إبراهيم قندول، مدخل لدراسة قبيلة روفيك (دميك)، الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة والدينيَّة، جبال النُّوبة – السُّودان، مطابع (إم. بي. جي)، لندن، 2015م.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1676

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور/قندول إبراهيم قندول
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة