المقالات
السياسة
جيل الدردرة
جيل الدردرة
09-14-2016 11:13 AM

جيل الدردرة في رأس السنة

سعدت بقضاء ليلة رأس السنة (2005؟) بين جمهرة غفيرة من جيل الإنقاذ شباباً وشابات نستمع الي عقد الجلاد بكازينو النيل الأزرق. وانا مدين بهذه السانحة من العمل الميداني في علم اجتماع الأجيال الي الأستاذ علاء الدين بشير الذي أحسن الي بدعوتي الي تلك الليلة الغراء. ولم يفتني بالطبع أن ألحظ فرط عدد الحضور. فلم يكن مثل هذا العدد على أيامنا ليحضر حتى مباراة مشهودة للهلال والمريخ ناهيك عن حفلة واحدة بين عشرات الحفلات التي انعقدت في ليلة رأس السنة. لقد جاء شباب تلك الليلة من عاصمة إسكوب لم نقتحمها بعد بالفكر لنتعرف على تضاريسها. فما زالت الخرطوم عندنا هي خرطوم زمان.
فقد لاحظت في الحفل أن المدينة قد استكملت لها عدة إزجاء الفراغ. فقد راقبت الطريقة التي غني بها كل شاب نص الأغنية مع المغني سطراً سطراً إما لنفسه او لشلته. وهذا وجد عجيب، و"نهب" للأغنية، و"تخصيص" لها صدق فيه قول أهلنا يغني المغني وكل زول على هواه. كما شدتني حركة المجموعات الراقصة التي تنعقد وتنفض، ثم تعود الي الرقص مرة اخري. وأخذتني عموماً طلاقة الجسد وإندلاقه بين الذكور خاصة. فالواحد منهم ينهض راقصاً متي انتشى، ثم يعود الي مقعده. ولم نكن نفعل ذلك في جيلنا إلا بعد أن يغيب منا الوعي في قعدات ليلية قاصرة على الشلة. ثم نظل نسخر في نهارنا ممن فقدوا وقارهم بالطشمة. ولا زلت أذكر كيف سارت الركبان بذكر الاستاذ عبد الله مسعود حين اعتلي كرسيه مصفراً راقصاً في حفل أم كلثوم الشهير بالمسرح القومي. وكنا إذا انتشينا صفقنا او قلنا "أحسنت". وهذا تجاوب ناشف جاء من قلتنا وطليعيتنا ومراقبتنا جسدنا وضبطه حتى لا تلهيه أغنية عن ذكر الصرامة الإدارية التي تربينا عليها.
كلبت شعرة جلدي حين حل منتصف الليلة ووقف الحضور عن بكرة أبيهم بفرح حقيقي لدي سماعهم “لن ننسي أياماً مضت" من عقد الجلاد. ثم تكرر المشهد لما اعقبوها بالسلام الجمهوري. لقد حيرني في الشباب فرحهم بعيدهم وأيامهم التي مضت وازدرائهم قول المتنبيء المدمر:
عيد بأية حال عدت ياعيد بما مضي ام لأمر فيك تجديد
أصدقكم القول إن عيني جرت بدمعة. وقلت لنفسي أي أيام مضت أسعدت هذا الجيل الذي وصفته اغنية للجلاد مضت في الحفل بأنه جيل "الدردرة"! وكيف ما يزال يدين بسلام جمهوري لم يدن به جيل بعد جيل من الحكومات القميئة والمعارضين البائسين الذين استرخصوا بالوطن و "شعبه" الفضل"، ونشروا ثقافة اليأس فوق البلاد تشفياً من حكومة غلظت عليهم. هل ماشعر به الحضور سعادة حقاً تلك التي أنهضت الشباب على أمشاطهم أم أنها "فسحة الأمل" المشهورة؟
ووجدت نفسي أفكر طوال استماعي الي "لن ننسي أياماً مضت" في الاستاذ أحمد محمد سعد الذي قال لي في معتقل كوبر عام 1971 ‘نه ترجم نص هذه الأنشودة العالمية الي العربية. فلنذكره بالخير لأننا حين "وقفنا حذا" مع العام كان الرجل قد وفر لنا من لغتنا ما نهتف به فرحاً للقاء الدنيا.
تأكد لي من الاستماع إلى أغاني عقد الجلاد وتجاوب الشباب معها أنني احضر كرنفالاً للعلمانية. وقد أوحي بهذا المفهوم الدكتور سيمون الذي كتب عن إسلام الخرطوم. فقد قال إن خلطة لناس في العاصمة أنشات فيها مجتمعاً حضرياً متساهلاً تجاه الآخر. فالأغنية الغالبة عند عقد الجلاد هي "الكولاج"، أي التي تحتشد فيها أصوات من كل الوطن. وقد اعجبتني مثلاً الطريقة التي جعلوا من "يا ربوع سودان" إطاراً لكولاج عذب. وكما خرج فنانو الكولاج يهدون هؤلاء الشباب في ضوضاء المدينة سيخرج سياسيو الكولاج يرتبون للمدينة مجتمعها المتآخي لتكسد بضاعة ساسة الخلاف والثوابت والصفاء.


عبد الله علي إبراهيم
[email protected]

تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2079

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1519376 [عزة خليل]
5.00/5 (1 صوت)

09-15-2016 09:26 AM
نزلت منك دمعة عشان جيل الدردرة في 2005 و لم تنزل منك و لا دمعة على شهدا سبتمبر 2013 ؟؟ معقولة يا بروف؟


#1519272 [عكر]
0.00/5 (0 صوت)

09-14-2016 10:06 PM
اين دور المثقف و الجيل الذي اورث البلاد و العباد (الانقاذ)...؟؟؟

يا عمك خليها مستورة ...زمكان كان يعيش الجبان ...!!!

( فالواحد منهم ينهض راقصاً متي انتشى، ثم يعود الي مقعده. ولم نكن نفعل ذلك في جيلنا إلا بعد أن يغيب منا الوعي في قعدات ليلية قاصرة على الشلة )...
و ما ادراكم بان غياب الوعي ...محاولة للتحرر من الجبن و نوع من التشجيع لفعل ما لا يمكن فعلة ...!!
كان اجدر بكم ان تصفوا لنا دروب الرقص من ناحية فلكلورية وانثربلوجيا ضروراته و تطوره و تجلياته ...عند الزرع والضرع ...و في حلبات الشيوخ و الذكر ... و شرح ما قاله العقاد في (عقائد المفكرين)...

اما الان فالرقص له مدارسه في الغرب و يعد ضرب من الفنون و له محترفيه ...!! و اظن افريقيا مهد الرقص وفنونه و لا يناهزنا الا الهنود مع تطورهم به و لكل الشعوب رقصاتها...فيا حبزاء فصل المقال خصوصا عند المثقف ...اما ان يتبع خط درسه و علمه او يحتفظ بجرح كلماته و تعاليه الانيق بعيد من سايكلوجيات تفضح نفسها و لا تنفع...!!!


#1519250 [هبة النور]
5.00/5 (1 صوت)

09-14-2016 08:56 PM
يعني أيامك بقت يا إما تعصر في حفلة أو تعصر في بكا الترابي!! هنيئا


#1519197 [حسين عبدالجليل]
0.00/5 (0 صوت)

09-14-2016 05:59 PM
يقول أستاذي عبدالله علي إبراهيم :
(وكما خرج فنانو الكولاج يهدون هؤلاء الشباب في ضوضاء المدينة سيخرج سياسيو الكولاج يرتبون للمدينة مجتمعها المتآخي لتكسد بضاعة ساسة الخلاف والثوابت والصفاء.)

ونقول خلفه اللهم آمين . سيأتون إن شاء الله , سيآتون حتما , فهذا الشعب الجميل يستحق قادة جميلين و سمحين مثله !


#1519193 [تيقا]
0.00/5 (0 صوت)

09-14-2016 05:28 PM
( من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنىً أن يعيش وينتصر
من غيرنا ليُقرر التاريخ والقيم الجديدةَ و السِير
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمة
جيل العطاءِ المستجيشُ ضراوةً ومصادمة
المستميتُ على المبادئ مؤمنا
المشرئبُ إلى النجوم لينتقي صدر السماءِ لشعبنا
جيلي أنا... )

نعم هذا هو جيل محمد المكى ابراهيم ، وعلى المك ، ومحمد عبد الحى ، وعبد الله على ابراهيم وغيرهم من العمالقة الكبار ...

ولكن ماذا حدث !؟

هل قتلتهم النرجسيه ، واقعدتهم الشوفينية ..

فكانوا على عكس ما قالوا !؟

لم يدينوا بعطاء ، ولم يعُنوا بنصر ..


نراهم قد قرروا تاريخا خاصا بهم وتركوا صفحة التاريخ الكبرى بلا اضافة من سير او قيم جديده .. ثم انتقوا لانفسهم نجوما من صدر سماءنا وتركوها كما هى مظلمة تلبدها الغيوم ..



هذا الجيل على العين والرأس ..

ولكنهم ، لم يغالبوا مدفوعية العلاج ، ولم يكابدوا مديونية التعليم ..

لم يمسهم بأس من حرب ، او كرب ، او نزوح ..

لم يغشاهم يأس من بطالةٍ ، او مطالةٍ ، او فساد ..

لم يعرفوا ( ركشه ) .. ولم يعتادوا بسطات الخضار ..

لم تغتال امانيهم غربة .. ولم تضيع احلامهم هباء ..


ولذلك لا تعجب لجيل ( الدردرة ) ان يغنى ( لن نسسى ايام ، او صه ياكنار ، انا سودانى ) ..

فهو جيل عرف بحقٍ .. معنى ان يعيش وينتصر ..


ردود على تيقا
Sudan [قنوط ميسزوري] 09-15-2016 06:24 PM
شكرًا لك Tiga
جيل عبد الله هذا عاوز يعمل فيها شاهد على العصر و كمان عامل فيها متابع للأجيال التالية و قال حضر معاهم حفلة جاي ينكتها من ألفين و خمسة و ينشرها في سبتمبر ألفين و ستة عشر.... تخيل عدم الإحساس نفس الشهر القتل فيهو الكيزان عشرات الشباب قبل ثلاث سنوات و عمك عبد الله حينها دسَّ ضنبو بين آليته و قعد يكتب : كلنا أخوان مسلمين. و قد كتب عنه بحق دكتور القراي "عندما ينكسر الرجال" و يا له من إنكسار

Sudan [د. هشام] 09-15-2016 07:40 AM
صدقت يا تيقا!! بالرغم من أني من الجيل التالي لجيل د.عبد الله علي إبراهيم (سناً/عمراً) أعترف بأن تلك الأجيال (جيلنا و جيل د.عبد الله) وجدت الكثير الجميل الذي لم يجده (جيل الدردرة)!!!


#1519166 [عبد الله]
4.00/5 (1 صوت)

09-14-2016 03:05 PM
ما أجمل الحروف حينما يخطها يراع عبدالله علي إبراهيم


#1519160 [Shawgi Abass]
0.00/5 (0 صوت)

09-14-2016 02:42 PM
to the point


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة