09-15-2016 09:56 PM

الشيوعي والكفر والايمان (5)
(فقه القدامي وفقه المحدثين)

مقدمة :
مرة أخرى أقول : ان الفقهاء القدامى ، أو على الاقل البعض منهم الذى لم يكترث للسلطان ورغباته ، وأفتى بما يمليه عليه ضميره وفهمه الحقيقى للنصوص ، والذين قد انبنى فقههم وفتاواهم على ما علموا من أمور الدين والدنيا ، وحسب ما تأتى لهم من أدوات فى ذلك الزمان ، وهم بهذا قد اجتهدوا ، هم من نحترم ونقدر جهدهم، غير ان هذا لايغلق باب الاجتهاد على ماتوصلوا اليه ، فذلك ليس هو الدين ، وانما هو فهمهم للنصوص الدينية ، خصوصا ان مايتاح اليوم من علم دينى ودنيوى لايقارن بما كان فى زمانهم ، اضافة الى تطور العقول الانسانية التى توصلت الى مايشبه المعجزات والتى اصبحت فى وضع يمكنها من تفهم مختلف. ثم ان الفقهاء القدامى قد اختلفوا فى كثير – ولذلك كانت المذاهب – وقال تعالى " ولايزالون مختلفين ..." . عليه نظن :
- انه ليس من سبب دينى لقفل باب الاجتهاد ، بل ان ذلك حدث فى عهود الانحطاط فى كل مجال فى اليلاد المسماة بالاسلامية .
- ان تقديرنا لما قام به الاوائل فى كل مجال بما فى ذلك الفقه ، لايمنع من مراجعته والاتيان بالجديد الذى يواكب العصر طالما انه لا يتعارض مع ماهو معلوم من الدين بالضرورة ، وطالما ان عليه من الادلة من نفس النصوص الدينية .
- ان التطور الذى حدث فى جميع مناحى الحياة ، بالاضافة الى تعقد ظروف الحياة بشكل غير مسبوق ، يستدعى نظرا جديدا فى النصوص للخروج بمالا يتعارض معها، وفى نفس الوقت يتيح مفاهيم جديدة تخاطب تلك التطورات .
- لن يكون هذا اتجاها جديدا ، وانما هو اقتداء بالسابقين الاوائل من امثال سيدنا عمر وابى بكر وعلى ، وكذلك اولئك البعض من الفقهاء الذين اشرنا اليهم فى هذه المقدمة.
والى نماذج من الفقهاء المحدثين :
لنبدا بمن القى بقنبلة فى فقه الدين والسياسة ، الشيخ على عبدالرازق ، حيث يقول فى مقدمة كتابه متحدثا عن امر الخلافة فى الاسلام :( ان الاصل فى الخلافة عند المسلمين ، ان تكون راجعة الى أهل الحل والعقد ، والبيعة الاختيارية ، أما الملك فمن الطبيعى ان يقوم فى كل أمة على الغلبة والقهر . وقد هبطت الخلافة فى تاريخ المسلمين الى ملك ، لانها لم ترتكز الا على القوة الرهيبة ، وان تلك القوة كانت ،الا فى النادر ، قوة مادية مسلحة . وهذا يخالف جوهر الاسلام ، الذى يؤمن بالمساواة بين كافة البشر ، ويمنع عبوديتهم لغير الله . ومن الطبيعى فى اولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رايا ، ويسلكون مذهبها عملا ، ويأنفون الخضوع الا لرب العالمين ، ويناجون ربهم بهذا الاعتقاد فى كل يوم سبع عشرة مرة على الاقل ، فى خمسة اوقاتهم للصلاة ، ومن الطبيعى فى اولئك الأباة الاحرار ان يأنفوا الخضوع الذى يطالب به الملوك رعيتهم الا خضوعا للقوة ونزولا على حكم السيف )
ولعلنا نستغرب بعد ذلك الحديث الواضح ، الذى يفصل بين أمر الخلافة ، الذى يرجع الى البيعة الاختيارية ، والملك الذى يقوم على الغلب والقهر ، نستغرب التهم التى وجهت للشيخ على من هيئةكبار العلماء ، وهى :
- انه جعل الشريعة الاسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ فى أمور الدنيا .
- وان الدين يمنع ان جهاد النبى (ص) كان فى سبيل الملك لا فى سبيل الدين ولابلاغ الدعوة للعالمين
- وان نظام الحكم كان فى عهد النبى (ص) كانت بلاغا للشريعة مجردا عن الحكم والتنفيذ
- وانكار اجماع الصحابة على وجوب نصب الامام ، وانه لابد للامة ممن يقوم بامرها فى الدين والدنيا .
- وانكار ان القضاء وظيفة شرعية .
وليس دليلا على صحة حديث الشيخ على من الناحية الدينية ، ان كل مافعله الخلفاء الراشدون هو التكفل بأمور الدنيا ، بارساء العدل بين الكل : المؤمن والكافر ، التقى والفاسق ، وجعل امور العلاقة بين الله وعبيده لكل فرد . وليس ادل على ذلك ماحدث عندما دخل عمر على من كانوا يشربون الخمر من الشباك فخطأوه على دخوله بتلك الصورة . أما عندما انقلب الامر الى ملك عضوض يورث ،فقد أصبح الدين يستخدم لتامين الملك . والادلة المعاصرة لاتحتاج الى حديث فهى امور مشاهدة بالعين المجردة .
واذا عدنا الى الشيخ على ،فنجده يواصل تبيانه بالقول :( ان رسالة الاسلام لم تكن قط اقامة ملك – اسلامى – بل اقامة نظام جديد سياسى / اجتماعى ، يقوم على الترابط والتآخى والايثار واستبعاد سلطة الملك بسلطة الضمير ، ولا يكون الخليفة فى هذه الا رمزا للعدل ، وضمانا للاخلاق ... لقد انشأ الرسول أمة ، أى جماعة ترجع الى أم واحدة ، فهم أخوة ، ولم يقم الرسول دولة ، لان الدولة تحمل معنى السلطان والقوة والغلبة ، وهذه كلها لله وحده ، أما الذى لنا فهو ان نتآخى فى الله ، ويرعى بعضنا بعضا حبا فى الله .)
وهكذا يؤكد الشيخ على ماذكرناه اليوم وقبله من ان ارساء العدل هو دور الحاكم ليس الا . فالذى حدث عندما اقمنا الدولة – الاسلامية – فبدلا من الترابط انفصلنا كأفراد وجماعات ... فذهب جنوبنا بدعوى تطبيق الشريعة ، وتم الرجوع بنا القهقرى الى عهد انا جعلى وانت فوراوى ، وبدل ان نؤثر على انفسنا اصبحنا نؤثر لانفسنا ، أما الضمير فقد ذهب الى غير رجعة ، وأخيرا اصبحت الدولة لاتحمل غير معنى السلطان والقوة والغلبة !
ثم يواصل الشيخ على ، فيقول :( وعندهم – أى عند بعض علماء المسلمين السابقين – ان الله جل شأنه ، كما اختار محمدا (ص) لدعوة الحق ، وابلاغ شريعته المقدسة الى الخلق ، قد اختاره ايضا لحفظ ذلك الدين وسياسة الدنيا به . فلما لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الاعلى ، قام الخلفاء من بعده مقامه فى حفظ الدين وسياسة الدنيا به . وجملة القول ، ان السلطان خليفة رسول الله (ص) ، وهو ايضا حمى الله فى بلاده ، وظله الممدود على عباده ، ومن كان ظل الله فى أرضه وخليفة رسول الله (ص) ، فولايته عامة ومطلقة ، كولاية الله تعالى وولاية رسوله الكريم ، ولاغرو حينئذ ان يكون له حق التصرف فى رقاب الناس واموالهم .. وان يكون له وحده الامر والنهى ، وبيده وحده زمام الامة ، وتدبير ماجل من شئونها وماصغر ، كل ولاية دونه فهى مستمدة منه وطبقة تحته ، فهى مندرجة فى سلطانه ، وكل خطة دينية أو دنيوية متفرعة من منصبه ، لاشتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا ) !!!- "العلامات من عندى ".
يقول الشيخ على معلقا : ( قد يظهر من تعليقهم على الخلافة ومن مباحثهم فيها ، انهم يعتبرون الخليفة مقيدا فى سلطاته بشرع الله لايتخطاها ، وانه مطالب ضمنا ان يسلك بالمسلمين سبيلا واحدة معينة بين شتى السبل ، هى سبيل واضحة من غير لبس ومستقيمة من غير عوج .
وقد كان واجبا عليهم وقد أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة ، ورفعوه الى ذلك المقام، وخصوه بكل ذلك السلطان ، ان يذكروا لنا مصدر تلك القوة التى زعموها للخليفة ، أنى جاءته ؟ ومن الذى حباه بها ؟ وأفاضها عليه ؟ لكنهم اهملوا هذا البحث، شأنهم فى أمثاله من مباحث السياسة الاخرى ، التى قد يكون فيها شبه تعرض لمقام الخلافة ومحاولة البحث فيها والمناقشة )
وأقول : وفى حقيقة الامر ، ان أقوال العلماء هذه لاسند لها فى تاريخ الاسلام ، فذلك السلطان ، وتلك القوة لم تكن حتى للرسول (ص) ، الذى كان لايقوم بعمل من اعمال الدنيا الا بعد ان يستشير أصحابه ، ويأخذ برايهم ويلتزم به فى كثير من الاحيان ، بل وقد يغير ماقرره من رأى ، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون . أما عندما تحول الامر الى ملك عضوض ، فقد جاءت تلك السلطات والقوة التى يتحدثون عنها ، وهى مغتصبة اغتصابا كما يحدثنا التاريخ . ولا أظن الداعين الى الخلافة اليوم من جماعات الاسلام السياسى ، يتصورون انه من الممكن ان يكون لأى حاكم فى عالم اليوم مثل هذه السلطات التى تفوق سلطات أى دكتاتور حتى من أمثال هتلر وموسولينى وستالين ؟!
ولكن اليس ذلك ماقال به المنصور فى خطاب توليه الخلافة ( ايها الناس انما انا سلطان الله فى أرضه (!) أسوسكم بتوفيقه وتأييده ، وحارسه على ماله (!) أعمل فيه بمشيئته ، وأعطيه بأذنه ، فقد جعلنى الله عليه قفلا ، ان شاء الله ان يفتحنى فتحنى ، وان شاء ان يقفلنى أقفلنى (!!) )
اليس هذا برنامجا كاملا لدكتاتورية لاتخطؤها العين ؟
وبعد فهذا الرجل ، الشيخ على عبدالرازق ، الذى أقدمه كأول نموذج للذين حاولوا النظر الى نصوص الدين ، فى موضوع بالغ الاهمية ، وهو موضوع الدين والسلطة ، الذى أصبح قضية اليوم فى كل العالم وليس بالنسبة للمسلمين وحدهم ، هذا الرجل سحبت منه الشهادة الازهرية بل وكفر بسبب هذه الآراء التى لم تخرج عن صحيح الدين ، بل وقد اثبت التاريخ صحة ماذهب اليه . ويكفينا فى السودان دليلا 27 عاما من الحكم الدكتاتورى المطلق ، باعتراف الزعيم الترابى فى شهادته على العصر ، وما اصبح يتحفنا به المنقسمون عن الحركة الاسلامية ليل النهار والمركب توشك على الغرق .
والحقيقة ان التاريخ قد أثبت انه ليس هناك اساس لما يسمى بدولة الخلافة الاسلامية، فالامر كان دائما موكولا لشخص الخليفة ومدى تفهمه لغايات الدين وتطبيقه لها من غير اثرة أو محاباة ، وبهذا فقد جاء العدول من أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبالعزيز ، وجاء ايضا من هم سلاطين الله فى ارضه من امثال الوليد والمنصور والخلفاء العثمانيون وعمر البشير .
وذلك لان الامر لايعتمد على مؤسسات لها قوانين ثابته وانما هو متروك للخليفة : (الذى هو خليفة رسول الله ، وهو ايضا حمى الله فى بلاده ، وظله الممدود على عباده ..الخ )، وهى اقوال مرسلة لاسند لها فى نصوص قرآنية او نبوية . أما اذا كان الامر كما يقول الشيخ على ، وكما هو بالفعل من اسس الدين ( ان الاسلام قد جعل الناس احرارا ، يأنفون الخضوع الذى يطالب به الملوك رعيتهم رعيتهم ، خضوعا للقوة ونزولا على حكم السيف ) ، فعندئذ يصبح اختيار الحاكم بالاسس الديموقراطية التى يتوافق عليها الناس ، وبالاساليب الحديثة التى أصبحت تمكن من معرفة رأى كل فرد من افراد الشعب ، بالغا عاقلا ، فى من يريد لحكمه وكيفية ذلك الحكم ، هو مايريده لنا الدين عندما يطالب بالشوري.


عبدالمنعم عثمان
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2277

خدمات المحتوى


عبدالمنعم عثمان
عبدالمنعم عثمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة