المقالات
السياسة
أول رشفة من ماء النيل
أول رشفة من ماء النيل
09-19-2016 06:49 AM

أول رشفة من ماء النيل
باتريك كولنسون Patrick Collinson
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة لشذرات متفرقة ومختصرة من فصلين عن السودان وردت في مذكرات البروفسيور الإنجليزي باتريك كولنسون (1929 – 2011م) والتي أعطاها عنوانا طويلا هو: "تاريخ رجل التاريخ أو نظرة إلى القرن العشرين من مسافة آمنة". عمل البروفسيور لبضع سنوات في جامعة الخرطوم في منتصف الخمسينيات، حيث كان يكمل أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، ثم عمل من بعد ذلك في جامعات جامعات لندن وسيدني وكيمبردج وشيفيلد. ويعد بروفسيور كولنسون حجة في التاريخ المسيحي في العصر الإليزابيثي.
وصدرت هذه المذكرات في عام 2007م وهي مبذولة في الشبكة العنكبوتية، وضمنها المؤلف كثيرا من الصور النادرة والفريدة عن السودان، مثل حفل تخريج طلاب جامعة الخرطوم في عام 1959م في حضور أعضاء من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصورة تضم عدد من طلاب الجامعة وكتب عليها تفسيرا ساخرا هو "تقسيم بالغ الدقة لمجموعة من طلاب جامعة الخرطوم: ثلاثة طلاب من شمال السودان وطالب جنوبي واحد وطالبة شمالية واحدة وطالب أغريقي وحيد". وتسود غالب ما سطره المؤلف عن أيامه بالسودان روح الدعابة والسخرية السوداء، بيد أنه يؤكد في أكثر من موضع اهتمامه وحبه للسودان وأهله، وينتقد بمرارة عشيرته الإنجليز على ابتعادهم عن حياة سكان البلاد الأصليين وعزلتهم المجيدة في "نادي السودان" الذي تقتصر عضويته عليهم.

المترجم
************ *****************
بدأت في سبتمبر من عام 1956م في جمع ما سأحتاجه من ضرورات الحياة في الخرطوم... حقيبة صفيح سوداء، وسراويل (أردية) قصيرة وجوارب طويلة تصل للركبة. وفي السابع والعشرين من ذات الشهر كنت وللمرة الأولى في حياتي على متن طائرة الخطوط البريطانية المتجهة لأستراليا وغالب ركابها من المهاجرين البريطانيين مع عدد من الرياضيين المشاركين في اولمبياد مليبورن بستراتهم المميزة. وتوقفت بنا الطائرة في روما ثم في القاهرة حيث كان بإمكاننا أن نرمق الأهرامات من عل. وفي القاهرة تحولنا لطائرة داكوتا تابعة للخطوط الجوية السودانية توقفت بنا في مطار حلفا. لن أنسى ما حييت تلك السموم التي لفحتني عند نزولنا في مطار حلفا... لا شيئ يشبه ذلك الهواء الملتهب غير ما يلفح وجهك عندما تفتح باب فرن مشتعل.
وصلنا للخرطوم واستقبلني في المطار آلان ثيوبولود وهو زميل قديم متخصص في تاريخ السودان. وعند خروجنا من المطار لاحظت لافتة كبيرة مكتوب عليها: "مرحبا في السودان: جنة الصيادين"... قال لي زميلي إنهم كانوا يتندرون على ما هو مكتوب في اللافتة بالقول أن ذلك يعتمد على ما تود صيده! أخذني زميلي للفندق الكبير على ضفاف النيل. وفي الفندق كان بائعو التحف والتذكارات يصيحون في من يشكون أنه ألماني: "بسمارك عظيم... هتلر شديد"!
وكنت أقضي أمسياتي في فرندا الفندق أكمل كتابة أطروحتي للدكتوراه، والتي كانت زوجتي "إيثر" تحث والدتي كي تحضني على إكمالها، وكأنني كنت في حاجة لذلك. كنت في الواقع مصمما على تقديم الأطروحة عند عودتي في العطلة السنوية في صيف 1957م، وقد نجحت في ذلك المسعى بالفعل رغم كل شيئ، فكم كنت أقضي الساعات الطوال في الكتابة والقراءة في حم الظهيرة والناس نيام. وكنت أحيانا أعجب مما أفعل وأنا أكتب عن تاريخ العصر اليزابيثي وأنا محاط بكل ما هو في غاية الغرابة والبعد ما ألفته... القطط الضالة فوق سطح الغرفة، والعناكب تعدو على أرضيتها، والوزغات (السحالي) تتخير طعامها المفضل من ما هو أمامها من عشرات الحشرات، والنموس تجوس في مسطح الحديقة الأخضر، بينما مروحة السقف تدور بطنينها المزعج وتجبر المرء على وضع أثقال من الحجارة على الأوراق كي لا تتطاير في كل مكان. الجلبة في الخارج لا تطاق، والرجال بعمائمهم وجلابيبهم البيضاء الطويلة يجيئون ويذهبون أو يركضون صعودا وهبوطا على ظهور الحمير.
ومنحتني الجامعة بيتا صغيرا كان في السابق أحد مساكن الجنود ، ويجاور بناية تسمى "السراية الصفراء" كان قد بناها زعيم ديني من أصل هندي على ضفاف النيل الأزرق (لعله يقصد "الشريف الهندي" وهو ليس بهندي. المترجم) تقع بالقرب من محطة توليد الكهرباء في بري، وكانت مقرا للإمبراطور هيلاسيلاسي في أعقاب غزو إيطاليا لإثيوبيا عام 1941م. وكان بذلك المبني ملعب للأسكواتش كنا نمارس فيه تلك اللعبة ليلا تحت الأضواء الكاشفة حتى قبيل منتصف الليل. وقضيت أياما أشد الرحال لأمدرمان لشراء أثاثات خشبية من النجارين، وللحصول على خادم يقوم على شؤوني. طلبت من أحد النجارين أن يصنع لي سريرا وكرسيين وثيرين وأريكة وطاولة قهوة وطاولات صغيرة وكراسي متحركة لأضعها في الفرندا. طلب ذلك النجار إمهاله عشرة أيام لصنع ما أردت وبتكلفة إجمالية قدرها خمسون جنيها. كذلك عثرت على خادم لي هو شاب نوبي من جهة دنقلا اسمه محي الدين، سيتولى خدمتي في كل شيئ من غسيل وطبخ وذلك للسنوات الخمس القادمة. كلما تذكرت المرتب الذي كنت أمنحه لمحي الدين تصيبني عقدة الذنب، فقد كنت لا امنحه أكثر من جنيهين اسبوعيا. لم أكن أعلم شيئا عن كيفية معيشة ذلك الشاب وعائلته الصغيرة التي كانت تتكون من زوجته وطفله الصغير.
وكان السودان قد نال استقلاله للتو من بريطانيا ومصر في يناير 1956م، وكان من بقوا من البريطانيين يداومون على قراءة صحيفة "الجاردين" ربما لاقناع أنفسهم بأنهم لا يعيشون ولا يعملون في بلد مستعمر! وحرصت أشد الحرص على أن لا أقرب "نادي السودان" والذي كانت عضويته مقصورا على البريطانيين. غير أن طابع حياتنا كان ما زال – حتى بعد استقلال السودان- استعماريا بحتا. كتبت لزوجتي أقول لها ذات مرة: "الغالبية العظمى من الانجليز هنا ، ويشمل ذلك الأساتذة في الجامعة، لا يعنيهم من أمر هذه البلاد أو سكانها شيئ، فهم يعيشون في عزلتهم المجيدة في وسط مجتمعهم الضيق." أقول هذا رغم أن أكثر من نصف الأساتذة كانوا من السودانيين. كان البعض يتهم من يحاول منا كسر الحاجز الجليدي بين الطرفين بأنهم "سودانيين بيض"، وأننا نحاول تملق الوطنيين للحفاظ على وظائفنا. يجب القول بأنه كان لنا بعض الامتيازات فمثلا لم نكن نقف في طابور المصرف أو مكتب البريد، ولم نكن نحتاج كذلك لمعرفة اللغة المحلية، فمعرفة القليل منها يكفي للتبضع في السوق، بينما كان التدريس يتم باللغة الانجليزية. كنا نستمتع بالزيارات المتبادلة مع الزملاء البريطانيين وغيرهم من الأجانب وبالسباحة في مسبح نادي طلاب الجامعة والذي خصص لنا فيه مساء يوم واحد في الأسبوع. أقمنا فيه ذات مساء حفلا للشواء (باربيكيو) واحتساء البيرة، فأتانا جمع غاضب من المتظاهرين من الطلاب المحافظين المسلمين يحتجون على ما كنا نفعله. وعندما أخبرناهم بأننا قد تحصلنا على إذن رسمي لإقامة حفل ردوا بالقول بأنهم لم يكونوا يعلمون بأن الإذن قد منح لإقامة "حفل غير أخلاقي فيه خمر ونساء". فهمت بعد ذلك أن الحفلات على ثلاثة أنواع: رسمية وغير رسمية وأخيرا "غير أخلاقية"!
وكان عدد طلاب جامعة الخرطوم (والتي ولدت مع ميلاد جمهورية السودان المستقل في 1956م) لا يتجاوز 1200 طالب كلهم، عدا أربعين أو خمسين، من طلاب شمال السودان العرب المسلمين. وكان أفضل طلابنا القادرين على استيعاب ما نقوم بتدريسه هم من الجنوبيين المسيحيين الذين كانت معرفتهم باللغة الإنجليزية أفضل من غيرهم نسبة لتلقيهم دراستهم على يد المبشرين المسيحيين (علمت من طالب سابق لهذا البروفسيور أنه كان يدرس مادة "تاريخ العصور الوسطى"، وكانت من أصعب المواد وأكثرها جفافا، ويزيد صعوبة النجاح فيها هو بخل البروفسيور الشديد في إعطاء الدرجات. المترجم). وذات مرة أتاني طالب في إحدى الدفع التي كنت أقوم بتدريسها (وعدد الطلاب في تلك الدفعة كان خمسة فقط) وكان يرغب في استعارة كتاب معين. أخبرته أني قد أعرت قبل أيام ذلك الكتاب لطالب اسمه "هيلري نايقولو بول" (والذي صار وزيرا في إحدى الوزارت في عهد من عهود الديمقراطية قصيرة الأجل)، فرد قائلا: "هيلري بول... هل تقصد ذلك العبد؟"... من مثل تلك العقلية بدأ الطور الجنيني للتاريخ السودان التراجيدي الطويل. قال لي زميل يحمل درجة الدكتوراه وهو ينظر إلى صورة رجل جنوبي ينشر شبكة صيده في النهر : "انظر ما فعلت الامبريالية ببلادنا! هذا الرجل يسير عريانا بين الناس ويصيد السمك."
وذات عام وفي احتفال اليوم المفتوح لإتحاد الطلاب كان من المقرر أن يتحدث ضمن المتحدثين الآخرين طالب قانون جنوبي اسمه أبيل ألير كيواي. انسحب أبيل في اللحظات الأخيرة إذ أن لغته العربية كانت في غاية الضعف، وكان هذا مصدرا للسخرية من جمهرة الطلاب. عند المساء رأيته في النادي فعرض أن يأتيني بمشروب. عاد وبيده زجاجة كوكاكولا فرآني اتجاذب أطراف الحديث مع مجموعة من الطلاب الشماليين فآثر الانسحاب بهدوء. ومعلوم بالطبع أن الرجل صار في ما أقبل من أعوام وزيرا ثم نائبا للرئيس بين أعوام 1971 – 1982م، وصار شخصية عامة يشار إليها بالبنان، وشارك في عام 2005م في محادثات السلام بين الشمال والجنوب. لقد كان بالفعل من أفضل أبناء جيله.
وكان كل الطلاب في الجامعة من الذكور خلا ثلاثين من الإناث، حيث كن يسكن في داخلية منفصلة تقوم عليها سيدة إنجليزية صارمة في منتصف العمر اسمها نانسي مولر، كنت ضمن مشيعي جثمانها بعد سنوات من عملها في السودان إثر اصابتها بداء التهاب الكبد. والطالبات يرتدين الثوب السوداني الأبيض في غالب الأوقات عدا في ساعات الدراسة العملية في المختبرات حيث كن يخلعن ثيابهن ويرتدين المعاطف البيضاء، وكان ذلك مما يثير اهتمام الطلاب! كنا نقوم بالتدريس من السابعة حتى التاسعة، وبعد ذلك يذهب الطلاب لتناول الإفطار ويعودون عند العاشرة لمواصلة المحاضرات حتى الثانية ظهرا. ثم تعود الحياة للجامعة بعد ذلك عند الخامسة مساءا حين نبدأ محاضرات أخرى. وكنت أحاضر الطلاب دوما بنوع من البطء، ولكن رغم ذلك كانوا يكثرون من الاحتجاج على أنني أتحدث بسرعة فائقة! كان الطلاب يصرون على كتابة كل كلمة أتفوه بها ليقوموا بإعادتها لي في ورقة الإمتحان كما هي دون زيادة أو نقصان! لقد كان ذلك التعليم تعليما يعتمد على الحفظ دون غيره من الأساليب الأخرى مثل الفهم والمناقشة والإختيار والأخذ والرد. قلت لهم ذات مرة أننا يجب أن نأخذ ماركس (Marx) على محمل الجد، فسجلها الطلاب في كراساتهم خطأ على أنها (Marks) بمعني درجات، وكانت الدرجات فعلا هي ما كان يشغل بالهم!
كان الطلاب يرتدون في الجامعة قمصانا بيضاء وسراويل (بناطلين) رمادية اللون، وعندما يخرجون منها في الأمسيات أوالعطلات يرتدون ما هو أكثر راحة: جلابيب بيضاء واسعة. كان الدخول للجامعة بعد تصفيات عسيرة من المدرسة الأولية فالوسطى فالثانوي هو غاية مطمح كل طالب، فقد كانت أشبه بعملية تجارية شديدة الطموح، إذ أن الخريج الجامعي كان لا يهتم أو يبالي بالتفكير في المستقبل، فهو يعلم سلفا بأنه سيحصل على وظيفة ما في إدارة بلاده عند التخرج.
وكان العام الدراسي يبدأ من يوليو وينتهي في مارس، وفي النصف الثاني من العام الأكاديمي عادة ما يضرب الطلاب قرب نهاية العام الدراسي. في العام الذي أتيت فيه للجامعة (1956- 1957م) كان سبب الإضراب هو الدعوة لطرد من تبقى من الإداريين البريطانيين (الإمبرياليين) وكانوا ثلاثة: مدير الجامعة مايكل جرانت، والمراقب المالي والمسجل. كان نحو 97% من الطلاب يؤيدون ذلك النوع من الإضرابات عدا غالب طلاب كلية الطب، والذين كانوا يعدون "صفوة" الحرم الجامعي.
دعوت طلابي لتناول الشاي في منزلي ذات مساء، بيد أنهم غادورا المنزل على عجل بعد أن شكروني على الدعوة حتى يتمكنوا من حضور اجتماع عاجل في دار إتحاد الطلاب، ورفضوا في تكتم شديد إخباري بسبب ذلك الإجتماع. في الصباح أتيت بدراجتي الهوائية – كما هي عادتي- مبكرا للمحاضرة الأولى ففوجئت بالقاعة خالية من الطلاب. علمت من أحد الموظفين أن الطلاب قد دخلوا في إضراب عن الدراسة. كان أقصى ما يمكن للجامعة أن تفعله بهم هو أن تصرف لهم بالمجان تصاريح السفر بالقطار إلى مناطقهم التي أتوا منها. بيد أنه بعد عام أو عامين حقق الطلاب إنتصارا باهرا ومجيدا عندما اقتحمت قوات الجيش (الصحيح الشرطة بالطبع. المترجم) الحرم الجامعي وقتلت منهم طالبا، وتسارعت الأحداث من بعد ذلك لتؤدي لسقوط حكومة عبود العسكرية. كان تلك أول مرة في التاريخ الأفريقي تقوم فيها حكومة عسكرية بالإذعان لمطالب الجماهير وتعود بالجيش إلى ثكناته.
لقد عينت في جامعة الخرطوم لتدريس مادة "تاريخ الاقتصاد الانجليزي" والتي كان يقوم بتدريسها السيد/ ويلشرعميد كلية الخرطوم الجامعية قبل أن يعود لبريطانيا للعمل مسجلا في إحدى الجامعات. لم يكن ذلك تخصصي فذهبت إلى مدرسة لندن للاقتصاد لمقابلة بروفسيور جاك فيشر طلبا للنصح والعون. أوصاني الرجل بأن أحصل على كتاب كلافام المعنون "تاريخ إنجلترا الإقتصادي" بمجلداته الثلاثة. حاولت في محاضراتي بث الحياة في تلك المادة الجافة بتدعيمها بوثائق أصلية وصور متفرقة عن الثورة الصناعية والقنوات والسكة حديد والمطاحن وغيرها. ذات مرة كنت أحاضر الطلاب عن بعض النظم الزراعية في العصور الوسطى حين فاجأني طالب اسمه عبد الرحمن بسؤال عما إذا كنت أتحدث عن النظام الذي لا زال متبعا في لاكسيتون في مقاطعة نوتنجهامشير. أخذت على حين غرة وأجبت بالإيجاب. تبين لي أن والد عبد الرحمن واحد من الأثرياء الذين يعملون في مجال الأصداف التي تصنع منها أزرار القمصان، وقد استضافني ذات مرة في بورتسودان. كان الرجل قد بعث بولده عبد الرحمن لقضاء عام كامل في كلية ريجنت استريت، والتي أرسلته مع آخرين في رحلة علمية إلى لاكسيتون. يجب القول بأن مثل تلك المفاجآت كانت نادرة الحدوث في قاعة المحاضرات!
وفي عامي الأول لم يكن الطلاب يلقون بالا لمحاضراتي ولم أدر ما السبب حتى ذهبت ذات يوم لمخزن الجامعة من أجل الحصول على شئ ما فوجدت أعدادا من مذكرات السيد ويلشر (من خلفته في تدريس مادة "تاريخ الاقتصاد الانجليزي")، وفيها من الخزعبلات ما كنت أجاهد في محاضراتي لإزالته من عقول الطلاب. كانت تلك المذكرات ما زالت توزع على الطلاب الراغبين. لا بد أنهم كانوا يرون أن مذكرات عميد كلية الخرطوم الجامعة أغزر علما وأشد نفعا من محاضرات شاب غرير تعين لتوه في الجامعة. بعد ذلك عهد إلي بتدريس تاريخ العصور الوسطى في أوروبا وتاريخ بريطانيا الدستوري المعاصر وحتى تاريخ أفريقيا. كان حظي من التوفيق في تلك المواد أفضل قليلا من حظي مع ما كان السيد/ ويلشره يدرسه!
ومن أغرب التجارب التي مررت بها في السودان هي زيارتي ذات مساء مع زميل لي لساحة المولد بأمدرمان (ومساحتها تعادل عشرة أضعاف مساحة ميدان الطرف الأغر بلندن) حيث ذهلت من الأعداد الهائلة من رجال الطرق الصوفية وهم يضربون النوبات ويرجحنون وكأنهم في غيبوبة ونشوة صوفية عميقة ويرددون بلا انقطاع وعيونهم مغمضة كلمة "الله الله الله". في السودان طريقتان رئيستان هما الختمية (وزعيمها السيد/ علي الميرغني) والأنصار (وزعيمها السيد/ عبد الرحمن المهدي). يطلق على كل طريقة من الطريقتين كلمة "طائفة sect" ، وهذه الكلمة لا تعبر تعبيرا دقيقا عن معنى الكلمة الحقيقي، فمعناها أعمق من ذلك بكثير. دلفت وصاحبي نحو سرادق الأنصار حيث وجدناه بالغ الفخامة والبهاء وتكسو أرضيته عشرات من فرش السجاد الناعم. كنا الأروبيين الوحيدين في المكان فأحسن راعي السرادق استقبالنا وأخبرنا بأن السيد/ عبد الرحمن المهدي كان قد غادر المكان لتوه، وأجلسني على الكرسي الذي كان يجلس عليه سيده كنوع من التكريم، وأمر لكلينا بالمرطبات. قال لنا في حماس: "نحن نشرف بزيارتكم لنا. سأخبر السيد / عبد الرحمن بأن اثنين من بروفسيرات الجامعة - الذين يعلمون طلابنا- قد زارا سرادقنا وجلس أحدهما على كرسيه." وفي الخارج كانت هنالك ملايين الثريات الكهربائية الصغيرة، والبالونات الملونة وسحابة كثيفة من الغبار الناعم، ومئات الأطفال وهم يحملون في جزل "عرائس المولد" السكرية الوردية اللون. كانت بالحق ليلة تشبه ليلة من ليالي "ألف ليلة وليلة".
في ما أقبل من شهور صرت مدرسا خصوصيا للإبن الأكبر لراعي الطائفة الأخري...طائفة الختمية واسمه محمد عثمان الميرغني. الآن محمد عثمان الميرغني هو راعي الطريقة الختمية وزعيم جناحها السياسي "الحزب الإتحادي الديمقراطي". ويتمتع الرجل بعلاقة "غير مريحة" بعض الشيء مع النظام العسكري القائم الآن، إذ أنه كان قد سجن ونفي لمصر ثم غدا رئيسا للتحالف الوطني الديمقراطي، بيد أن الحكومة الحالية أفلحت في جعله يعبر للضفة الأخرى. كتبت لزوجتي عند تعييني معلما خصوصيا لمحمد عثمان قائلا إن ذلك يعادل تعييني مدرسا خصوصيا لابن البابا... هذا بالطبع إن كان هنالك بابوين وأحدهما قد رزق بولد! وخصصت العائلة منزلا فخيما في أحد ضواحي العاصمة لتكون مقرا للحصص التي طلب مني أن أقدمها لمحمد عثمان الميرغني والتي كانت عن "التاريخ الأوربي المعاصر" تحضيرا لإمتحان الشهادة الثانوية العليا. أثثت غرفة التدريس على طراز "الإمبراطورية الثانية" ولكن بصورة متقشفة، وكانت – كما ذكرت لزوجتي في أحد الخطابات - أقرب لغرفة تبديل الملابس في كنيسة صغيرة غنية، ولا ينقصها غير صور القساوسة السابقين معلقة على الجدران. وكانت تقلني لدار السيد الميرغني سيارة من طراز كاديلاك ثلاثة مرات في الأسبوع، وكانت كتبه المدرسية (القديمة الطبع) تأتينا في الغرفة بطريقة احتفالية يحملها خادم صموت. وكنت أشعر بالأسى على طالبي محمد عثمان وهو في زيه التقليدي الثقيل، فهو لم يذهب لأي مكان في العالم، بينما كان أبناء عائلة المهدي يتعلمون في الجامعات البريطانية ويرتدون الملابس الأوربية.
كلنا يعلم ما جرى في نوفمبر من عام 1956م في السويس. صادف اليوم الذي قصفنا فيه السويس يوم الافتتاح الرسمي لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وكان ذلك يوما مشهودا حضر فيه للجامعة عدد من الوزراء. كان الطلاب يستمتعون بتعداد الأخطاء اللغوية التي يقع فيها من قاموا بمخاطبة الحفل، ويبدو أن أحدا لم يسلم من تلك الأخطاء! كان على بروفسيور قرانت (وهو يجهل العربية) أن يستمع في صبر لعشرات الخطب الحماسية التي تدين اسرائيل وبريطانيا، وكان عليه أن يرد على كل ذلك! وكان الطلاب قبل ذلك المساء يسألونني عما إذا كان "إيدن" (رئيس الوزراء البريطاني حينها) سيفعلها، وكنت أجيب بالنفي. لاحقا في ذلك المساء في "السراية الصفراء" علمت من نشرة الأخبار في البي بي سي أنه فعلها، وكنت أتخيل سماع أصوات تلك القنابل وكأنها ستصيبني في بري.
بقينا في أمان، خلافا لما حدث لكثير من البريطانيين في أرجاء العالم العربي، وظل الطلاب على ذات تهذيبهم الشديد نحونا (حتى وهم في ملابس التدريب العسكري تطوعا للقتال في السويس)، غير أن معاملتهم لنا غدت باردة نوعا ما. ولكن حدث في مرة واحدة أن ترجل واحد عن سرج دراجته الهوائية وهتف في وجهي بسقوط إيدن. وعمت المظاهرات المعادية لبريطانيا وسط العاصمة وأمام سفارتنا، وكنت أرى وأنا في طريقي لمنزلي الجنود في حالة استعداد وهم يحرسون محطة بري الحرارية. وانقسم الأساتذة الأجانب في الجامعة ما بين مؤيد ومعارض للحرب، مثلما انقسم مجلس الوزراء البريطاني في 10 شارع داوننق. كنت أتشارك في المكتب مع أستاذ للغة الإنجليزية أصله من ويلز، وكان مؤيدا متعصبا للحرب، بينما قمت أنا وآخرين بكتابة خطاب إلى صحيفة الجاردين في مانستشر ندين الحرب ونصفها بأننا نراها مخطئة من حيث نقف. وبعد أيام وجدنا اسمائنا في قائمة بيضاء في السفارة المصرية بالخرطوم، وتم منحنا تأشيرات دخول لمصر...يا للحظ السعيد! وكانت أيام الحرب تلك مقلقة لأمي لأن أختي هيلدا كان تعمل مبشرة في مدينة الناصرة ، وكان أخي بيرنارد وزوجه يعملان في التبشير بالمسيحية بجبال بلاد القبايل بالجزائر.
وفي عطلة عيد الميلاد (الكريسماس) طفنا من بيت لبيت ونحن نؤدي التراتيل المعتادة، ودعانا السير إيدون شابمان اندروز سفيرنا في الخرطوم لتناول المشروبات في حفل أقامه في دار السفارة. وقفت بجانبه وقلت له إنه لا بد أن يكون قد مر بأيام عصيبة، فرد بالقول : "نعم، ولكن الحمد لله لدينا رئيس وزراء من الطراز الأول". لم يكن السفير يعني إيدن بل كان يقصد عبد الله خليل رئيس وزراء السودان. وعرضت دور السينما في الخرطوم أفلاما تدعي أنها تقدم دلائل أكيدة على إسقاط المصريين لمئات الطائرات البريطانية. قال لي زميل سوداني يحمل درجة الدكتوراه متسائلا: "لماذا تصرون على موقفكم وقد خسرتم 700 طائرة حربية وثلاثين ألفا من الجنود؟"! كان ما عرض في دور السينما يومها هو من أفلام الحرب العالمية الثانية، ونجح سفيرنا في الخرطوم في سحب تلك الأفلام بعد أن هدد بعرض أفلام بريطانية تظهر ما حدث فعلا. ونجحت حكومة عبد الله خليل في مقاومة دعوة المعارضة (المدعومة من قبل المصريين) لطرد كل العاملين في السودان من البريطانيين (وكان هذا سيشملنا بالطبع). رغم ذلك بقينا على أهبة الاستعداد للرحيل في أي وقت!
ومع بداية العام التالي (1957م) زار الخرطوم نائبنا في مجلس العموم عن دائرة ابشيوتش السيد ديك استوك، وهو رجل اشتراكي التوجه وكاثوليكي الديانة، وكان صديقا للعرب وله معهم مصالح تجارية. قدم النائب محاضرة في "دارالثقافة" أوضح فيها أن مصر قد خسرت حرب السويس وفقدت فيها الكثير، وإنه من الأفضل لها مواجهة تلك الحقيقة. أعجبت بالرجل وهو يصرخ بصوته الجهوري في وجه شاب غرير من أحد طلابنا الثوريين قدم له سؤالا مطولا جدا ويقول: " صَهْ Shut up!. لقد استمعت إليك بما فيه الكفاية. دعني أرد عليك الآن." بعد شهور قليلة توفي السيد/ استوك وأدلت والدتي بالإنابة عني مصوتة للنائب العمالي د. فوت، والذي نجح في الانتخابات.
قمت قبل حلول أول عيد للميلاد أشهده في السودان بعدة رحلات لا تنسى في مناطق مختلفة ووعرة من البلاد لا يمكن الوصول إليها إلا بسيارة من نوع خاص. وانضممت مع ثلاثة زملاء آخرين لبعثة طبية كانت متوجهة لجبال الانقسنا في أقصى مناطق مديرية النيل الأزرق على الحدود مع أثيوبيا. كان غرض البعثة هو البحث في ذلك المرض القاتل: الكلازار. وكانت البعثة تضم طلابا من كلية الطب، وفي تلك الرحلة تبين لي أن طلاب الطب هؤلاء أكثر ثقافة واطلاعا وتمرسا في ضروب الحياة المختلفة من طلابنا في كلية الآداب. ومع مرور الوقت في رحلة الذهاب لتلك المنطقة البعيدة والغبار يغطي أجسادنا وكل شيئ آخر حولنا كنت أناقش مع طلاب كلية الطب روايات أندريا جيد! بيد أن كل ما كان خارج تلك السيارة كان يؤكد أننا في السودان الحقيقي: قرى مبانيها عبارة عن قطاطي متناثرة من القش، وسكانها من النساء يجلبن الماء وهن غير متحجبات، ورعاة إبل أكرمونا بلبن طازج حار من ضروع النياق مباشرة. ومررنا في مسيرتنا تلك بقوم رحل يقوم اقتصادهم على جمع الصمغ من شجر الأكاسيا. لا يمكنك بالقطع أن تجد مثل هذه الأشياء في بيرمنجهام! رأينا آلافا من "اللقلق"، ذلك الطائر الأوربي الذي يهاجر لهذه المناطق هربا من صقيع الشتاء القارس. وكم من مرة غرزت إطارات سيارتنا في الرمال! كنت مغرما بصيد الفراشات مستخدما شبكة، وكان معنا في تلك البعثة – لسبب ما- طبيب أسنان سوداني أعجب بقدراتي في صيد الفراشات فطفق يناديني بـ "الصياد الأبيض العظيم"!
لم يطلق السكان "الانقسنا" على أنفسهم هذا الاسم، ولكن يقال إن كلمة "الانقسنا" تحريف لكلمة عربية تفيد معنى"complete bastards " (لم أجد لما ذكره المؤلف أصلا، وللمزيد عن الانقسنا يمكن قراءة كتاب "اثنوغرافيا الانقسنا" للدكتور فاروق مصطفى إسماعيل الصادر عام 1980م. المترجم). لا عجب أنهم يعتقدون أن لا خير يرجى في جيرانهم الفونج المتحدثين بالعربية. ويطلق الانقسنا على أنفسهم اسم "جوك جام" أو "رجال الجبال"، وكان اسما المستوطنتين اللتان كانت تدار منهما المنطقة (وهما "ويسكو" و"سودا") مثار تندر الحكام البريطانيين (لعل المؤلف يشير هنا إلى قرب نطق الكلمتين من الويسكي والصودا. المترجم). علمنا أن سكان "ويسكو" (الواقعة في منطقة "باو جنوب غرب الدمازين. المترجم) و"سودا" مختلفون جدا، ولا يتصاهرون أبدا ولكل منهم لهجته وإلهه الخاص. وذات مرة وأنا أبحث عن فراشاتي البيضاء عند قاع نهر جاف لقيت شابا مع حبيبة له، وأثار منظري وأنا أحاول اصطياد الفراشات عندهما عاصفة من الضحك. كان الانقسنا يعاملوننا بتسامح وطيبة كبيرة، وبما أننا لم نكن نحمل أي سلاح فقد كنا في نظرهم مجرد عبيد! تعرفنا في زيارتنا تلك على بعض ممارسات الشباب قبل الزواج عند الانقسنا، وكيف أنه يجب على الشاب الذي يود التقدم للزواج من فتاة أن يخدم والدها لمدة عامين أو أكثر قبل أن يسمح له بالزواج منها (تماما كما فعل يعقوب بحسب رواية الانجيل!). ولا يتم الزواج إلا بعد طقوس معقدة (توسع المؤلف في أكثر من صفحة في وصف تقاليد الزواج عند الانقسنا وما يسبقه من طقوس وسلوك، وعن حفلات غنائهم ورقصهم وآلاتهم الموسيقية ، وخصص صفحة أخرى للحديث عن اضطهاد المسلمين للانقسنا ومحاولة اسلمتهم قهرا. المترجم).
وكانت إحدى مزايا العمل في جامعة الخرطوم هي العطلة الصيفية الطويلة والتي تمتد لثلاثة شهورمتصلة مدفوعة الراتب، مع تذاكر سفر بالطائرة مجانا لموطن المتعاقد. وبإمكان المرء أن يدفع من جيبه قليلا لتغيير التذكرة ومسار سيرها لأي مكان في منطقة البحر الأبيض المتوسط. كنت دوما أقضي شهرين من عطلتي في بريطانيا لعمل بعض الأبحاث وممارسة هوايتي المفضلة في تسلق الجبال قبل العودة للجامعة في يوليو، حيث أكون قد نسيت اسماء طلابي والذين كانت غالب اسمائهم هي أحمد أومحمد أحمد ومحمود أو أحمد أحمد محمود.
أكملت في عطلتي الصيفية كتابة أطروحة الدكتوراه والتي عنونتها عنوانا لم يعجبني فيما بعد وهو
The puritan classical movement in the reign of Elizabeth l
ولم يعجبني أيضا عنوان الكتاب الذي نشرته في عام 1967م نقلا مما أوردته في تلك الأطروحة. لقد أرهقت أطروحة الدكتوراه تلك أمي أكثر مني، إذ أنها تولت طباعة كامل صفحاتها (وربما كان عدد كلماتها يصل إلى نحو 80000 كلمة)، ولما لم تجد تلك الأم الحانية شيئا أفضل تفعله قامت بعمل فهرس مجود لها! بعد نجاحي في امتحان الدكتوراه الشفهي قمت مع زوجتي وزميل بولندي يعمل معي في جامعة الخرطوم وزوجته الجميلة برحلة في منطقة البحيرات البديعة، وسعدت برفقة أمي لعدة مناطق قبل أن أعود للخرطوم بطائرة الخطوط الجوية السودانية والتي توقفت في مالطا لساعتين. قلت لزميل سوداني كان معي في الطائرة وفي الفندق بمالطا أنني سوف أقوم بجولة في المدينة في هاتين الساعتين. رد في يسر وهو جالس على أريكة الفندق بأنه ما من شيء في مالطا يستحق المشاهدة!!!
وبعد يومين من وصولي للخرطوم شهدت المدينة أكبر غزو للجراد عرفته البلاد. رأيت بلايين الجراد يغطي السماء بسحابة سوداء. خاف الناس ومضوا في دق الصحون والقدور وهم عاجزون عن فعل شيء أمام ذلك الغزو!
وكانت للحياة في الخرطوم أبعادا ومستويات مختلفة. كان هنالك المستوى السياسي والعام، والذي كان ينعكس على الحياة في الجامعة (عدا في عام 1968م) على نحو لا يعرف في الديمقراطيات الغربية، على الأقل في بريطانيا (لم يوضح المؤلف لماذا استثنى عام 1968م من تعميمه الكاسح. المترجم). كانت هنالك أيضا الحياة الأكاديمية الرتيبة من محاضرات وبرامج دراسية أخرى وامتحانات في قسم التاريخ، واشراف على امتحانات الشهادة السودانية في مادة التاريخ، إضافة للدروس الخاصة التي كنت أعطيها لأميري السيد/ محمد عثمان الميرغني، وتدريس مادتي التاريخ والموسيقى في المدرسة الكنسية الاتحاد العليا، ومناقشة عدد من قضايا العمل العام مع عدد محدود من الفتيات لاقناعهن بالتدريب في كلية للتمريض كانت منظمة الصحة العالمية تسعى لإنشائها بالخرطوم تحت إشراف راهبات كنديات، فالتمريض كان في تلك السنوات مهنة محتقرة تكاد تعد بابا من أبواب الدعارة.
وكان لي نشاط مجتمعي آخر في الجامعة فقد أقمت جمعية اسميتها "جمعية الثقافة المسيحية" كانت اهتمامها اجتماعية أكثر منها مسيحية أو ثقافية، وكان أعضائها من فئات وأجناس متباينة ففيهم أقباط وجنوبيين وأغاريق (ولكن ليس بينهم بالطبع كاثوليك، فأولئك كان لهم عرضهم الخاص!). وقدمت في مدرسة وادي سيدنا الثانوية ذات مرة محاضرة عامة تحت ضوء بدر مكتمل أمها ألف طالب من المسلمين وكان موضوعها "وجود الله". أثارت تلك المحاضرة جدلا كبيرا ونقاشا مستفيضا بين الحضور. قال لي ناظر المدرسة: "لو كنت قد درست القرآن لوجدت فيه الإجابات عن كل الأسئلة التي طرحتها". من الصعب تصور أن ذلك يحدث مثل هذا في القرن الحادي والعشرين. وأكثر من هذا فلا يتصور مقدار "الثقة بالعقول" على مستوى العلاقات الشخصية الذي شهدته في ذلك اليوم، فقد كان المتحدثون هم من "الخبراء" من الأوربيين العاملين بالسودان (وكنت واحدا منهم)، وكان المستمعون هم من الطلاب السودانيين المسلمين. تلقيت من أحد الطلاب المستمعين سؤالا عجيبا جاء فيه: "ما هو الدافع للزواج من أجل الحب إن كان الوقت الذي تقضيه في الحب يقل عن الزمن الذي تقضيه في الحلاقة؟". آن للسودان أن يفيق على حقيقة أنه لم يعد مستعمرة.
وكنت في سنواتي في جامعة الخرطوم أحاول قدر طاقتي مواصلة البحث والنشر في التاريخ الليزابيثي، بيد أن عدم الاستقرار الوظيفي كان هو هاجسي الأكبر. كنت أعلم أن عقدي – كغيري من الأجانب- لن يجدد إلى ما لا نهاية، إذ لم يكن الأساتذة الأجانب محبوبين أو حتى مرحبا بهم. وعلى كل حال أعترف بأنني لم أكن شديد الثقة في أنني سأغدو في يوم من الأيام مؤرخا أكاديميا عظيما أو أستاذا جامعيا مشهورا، فقد تعلقت روحي ومنذ أمد طويل بالعمل في "كنسية إنجلترا" أو – كما كنت أحلم في رومانسية بالغة - في "كهنوت الأبرشية" في أطراف لندن أومدينة فقيرة في شمال إنجلترا.
وكانت الحياة في الخرطوم، والتي تنعدم فيها الطرق ووسائل النقل (المريح)، ويعطى العاملون فيها يوما واحدا فقط (الجمعة) كعطلة أسبوعية سجنا لطيفا نوعا ما. بيد أن هنالك دوما عطلة قصيرة في ديسمبر كان يزيد من طولها إضرابات الطلاب وقفل الجامعة لأبوابها، وكنت أستغل تلك العطلة في القيام برحلات بعيدة وغريبة. من تلك المناطق كانت أثيوبيا هي البلد الذي وقعت في شباك عشقه. وصرت متيما بتاريخ ذلك البلد وحضارته المسيحية القديمة وبجمال طبيعته الخلاب. وكانت هنالك أيضا مصر بآثارها العتيقة في أسوان والأقصر والكرنك ووادي الملوك. وكنت في كل إبريل وأنا بين الخرطوم ولندن أزور الناصرة (حيث يعمل شقيقي مبشرا) ودمشق وبيروت واسطنبول وأثينا، وأسافر بقطار الشرق السريع إلى فينيسيا وإلى الجزائر (حيث تعمل شقيقتي مبشرة) وتلك البلاد كانت حينها تخوض في أتون حرب متوحشة استمرت لسبعة أعوام. كل تلك المناطق البعيدة وكل تلك الأحداث لا تراها عن قرب وأنت تدرس في بيرمنجهام!
وبالعودة للسودان في تلك الفترة فقد حكم البلاد منذ الاستقلال (في 1/1/ 1956م) بنظام يفترض أنه برلماني ديمقراطي، بيد أنه مر بعواصف جارفة وصراعات حزبية عنيفة، وربما كان فاسدا، لكنه كان فسادا أقل- وبدرجة كبيرة- من الفساد الذي عرفته أفريقيا لاحقا. السودان لم يكن كالكنغو مثلا. كل من يعرف شيئا عن السودان يعلم أنه دولة اصطناعية (أو مصنوعة) بها شمال يسكنه قوم يتحدثون العربية ويدينون – في الغالب - بالإسلام ، وبه عالم مختلف آخر هو الجنوب بسكانه الأفارقة السود من الدينكا والشلك والنوير وقبائل أخرى أصغر من البانتيو (وكان هؤلاء قد تنصروا منذ سنوات على يد المبشرين الكاثوليك والبروتستانت). لم يكن الشلك على وفاق مع الدينكا أبدا، ولا حتى مع بعضهم البعض. كانت هنالك في الخمسينات الكثير من الإشارات المحذرة والنذر الواضحة للحرب بين الشمال والجنوب التي اشتعلت مجددا في الثمانينيات.
وتقوم السياسة في السودان على طائفتين، ويصح القول أيضا أنها تعتمد على رجلين لا ثالث لهما: زعيم الأنصار وزعيم الختمية. مما أذكره من عالم السياسة ورجالها في شمال السودان تلك الليلة التي توفى فيها السيد/ عبد الرحمن المهدي، وهي ليلة انخسف فيها القمر خسوفا كليا، وعمت البلاد موجة حزن خيمت طويلا. وشاهدت كيف أنه بمقدور أي من الطائفتين حشد عدد مهول من التابعين والمريدين بإشارة صغيرة من الزعيم. فقد دعيت لحضور حفل زواج أميري (محمد عثمان الميرغني) كان بحق "أم الحفلات" فقد أمه ما لايقل عن 4000 فردا يرتدون الملابس التقليدية للختمية ذات اللونين الأخضر والأبيض. كنت مدعوا كذلك (مع الختمية!) لحفل استقبال جمال عبد الناصر عند زيارته للسودان في عام 1960م. وذبحت الثيران في الطريق عند دخول عبد الناصر لمكان الاحتفال. بيد أن ما قدمه الختمية من عرض مبهر عند استقبال عبد الناصر لم يكن شيئا يذكر بالمقارنة ما قدمه الأنصار عند مقدم ذلك الزعيم لقبة المهدي في أمدرمان. ملأ الأنصار جانبي الطريق من جسر النيل الأبيض حتى قبة المهدي وصنعوا جدار حول الشارع بعصيهم الطويلة. لما هتف الصادق المهدي (أم لعله يقصد الصديق؟ المترجم) وهو بجانب عبد الناصر ب "الله أكبر " ردد الآلاف من خلفه وبأعلى أصواتهم "ولله الحمد"، ولعل ذلك كان كافيا ليوضح لعبد الناصر من هو صاحب الأغلبية في البلاد!
وتميز العامان اللذان أعقبا الإستقلال بعدم الاستقرار السياسي والصراع المحتدم بين الحزبين السياسيين المسنودين (والمصنوعين) من الطائفتين الدينيتين: الختمية والأنصار وهما "الوطني الإتحادي" و"الأمة"، على التوالي. وصنع البريطانيون الحزب الأول في بداية الخمسينيات للوقوف ضد المد الوطني المهدوي، بيد أن ذلك الحزب سعى بعد ذلك (لأكثر من سبب) لتلقي العون من مصر وتبنى شعار "وحدة وادي النيل". لعل ذلك هو مصدر حب البريطانيين لعبد الله خليل، حيث وصفه سفيرنا في الخرطوم في غضون أزمة السويس عام 1956م بأنه "رئيس وزراء من الطراز الأول"! أبدى عبد الله خليل إصرارا وعزما كبيرين للتصدي لمصر إبان أزمة حلايب الحدودية وذلك عندما أرسل جيشا لتلك المنطقة في فبراير من عام 1958م. وتظاهر في تلك الأيام الطلاب ضد مصر ومزقوا صور ناصر وهم يهتفون "أرض السودان لشعب السودان". ولكن تمخض الجمل فولد فأرا في نهاية المطاف، وعاد الوضع بين البلدين إلى حالة السلم بعد أيام قليلة. وكان في الساحة السياسية لاعبون آخرون (أقل تأثيرا من الحزبين الطائفيين) أشهرهم هو الحزب الشيوعي ومن خلفه الحركة النقابية العمالية ذات القوة والنفوذ.
وكنا في الجامعة نقسم الطلاب بحسب ولاءاتهم السياسية إلى ثلاثة أحزاب متساوية القوة تقريبا: الأخوان المسلمون، والشيوعيون، وأنصار حزب "الكوكاكولا"، ولم يكن يجمع بين هذه المجموعات المتنافرة غير شيئ واحد هو بغضهم وإدانتهم للإمبريالية. وعلى ذكر "الإمبريالية" كنت قد طلبت ذات يوم من طالباتي في مدرسة الاتحاد العليا أن يعرفوا لي كلمة "إمبريالية" فقامت ابنة وزير الخارجية السوداني محمد أحمد المحجوب وعرفتها بأنها "حالة أن تقوم دولة ما بتحطيم دولة أخرى". في سنوات خمسينيات القرن الماضي كان الطلاب – مع غيرهم من السودانيين- مهمومين بحرب السويس وأيضا بما كان يجري في الجزائر، واعتاد السفراء العرب أن يقاطعوا حفلات السفارة الفرنسية بالخرطوم احتجاجا علي ما كانت تفعله في الجزائر، بيد أن هذا كان من حسن حظنا، إذ أن تلك المقاطعة قد وفرت لنا قدرا أكبر من الشمبانيا الفاخرة في تلك الحفلات! وفي عام 1958م وفي حفل يقيمه الطلاب سنويا في اتحاد الطلاب ويطلقون عليه "Bean feast" قام رئيس الاتحاد بإلقاء خطبة روتينية هاجم فيها إدارة الجامعة البريطانية (أهم أركان الإمبريالية بالبلاد!) وعلى رأسها البروفسيور قرانت (والذي كان قد استبدل في ذلك العام برجل سوداني هو نصر الحاج علي. المترجم) وغيره من الأساتذة الأجانب، وصرح بأن الإمتحانات في كلية القانون في ذلك العام قد وضعت بحيث يرسب فيها أكبر عدد من الطلاب (كان لذلك الأمر أبعاد لها علاقة بالعداء للسامية). وكرد فعل تلقائي لما قاله رئيس الاتحاد نهضت سريعا من مقعدي وانصرفت من الحفل مغاضبا، وأتبعت ذلك في اليوم التالي بخطاب ناري لرئيس الاتحاد (وكان أحد طلابي) وحذرته من أنني لو سمعت منه تكرارا لمقولاته الفارغة في ذلك الحفل فسوف يكون له الشرف في توديع ركن آخر من أركان التسلط الإمبريالي! قلت هذا رغم أنني كنت من القلائل الذين كانوا يؤمنون بضرورة مشاركتنا في النشاط الطلابي، وفي حضور ذلك الاحتفال بالذات.
وفي صبيحة يوم 17 /11/1958م توجهت من بيتي الذي استأجرته مع زميل لي في "حي المطار" للجامعة على دراجتي الهوائية ، وفي الطريق أحسست على الفور أن شيئا ما قد حدث، فالدبابات العتيقة تجوب الطرقات وهنالك حاملة لمدفع برين تعطلت عند تقاطع خط السكة حديد. علمنا بعد ساعات أن انقلابا عسكريا قد وقع. لم يكن ذلك الانقلاب يشبه الانقلابات التي وقعت فيما أقبل من سنوات في السودان وفي غيره من الدول. فقادة الانقلاب كانوا من كبار الضباط المتقدمين في السن على رأسهم إبراهيم عبود بوجهه الحزين الطويل، والذي خلدته صحيفة "ديلي ميل" بنشره في الصفحة الأولى مع مانشيت كبير يقول: " سر الجنرال الأصلع". عاش عبود في في المنزل رقم 1 في شارع البرلمان، وفيه كانت معزه ترعى في عشب حديقته الأمامية. كان قادة الإنقلاب أقرب لحزب الأمة، والذي يقال إنه صنع ذلك الانقلاب (لعل المؤلف قد ذكر في بداية هذا الفصل أن قادة الإنقلاب أقرب للختمية! المترجم). شكر قادة الإنقلاب وزراء الحكومة السابقة (التي انقلبوا عليها) على ما قدموه من خدمات جليلة إبان توليهم الوزارة، ولم يتكرر مثل ذلك الفعل في ليبيريا وغيرها من الدول الأفريقية.
الآن صار لدينا رئيس دولة واحد عوضا عن "مجلس السيادة" المكون من خمسة أفراد يتبادلون الرئاسة، وواحد من هؤلاء كان رجلا جنوبيا كاثوليكيا له خمس زوجات! (لعل المقصود هو السيد / سرسيو إيرو. المترجم). كنت أمر يوميا بدار ذلك الرجل الجنوبي المرموق وأراه جالسا وحيدا في شرفة بيته وحريمه في الخلف ينشطن في القيام بأعمالهن المنزلية التقليدية. كان رأس الدولة هو – بحكم المنصب- رئيس الجامعة، وقد تصادف أن كان ذلك الرجل الجنوبي هو رئيس الجامعة عندما خرجنا أول دفعة. في العام التالي كان رئيس الجامعة بالطبع هو عبود، والذي آثر أن يأتي للجامعة في حفل التخريج مرتديا زيه العسكري تحت ما كان يلتفعه من روب جامعي وواضعا قبعة التخرج المخملية فوق قبعته العسكرية العالية!
تملق النظام الجديد عواطف الجماهير وسعى لتحقيق شعبية في أوساطه فأزال تمثالي غردون وكتشنر من شارعين رئيسين في الخرطوم. لا أعتقد أن كثيرين قد أسفوا على إزالة تمثال كتشنر الذي كان يمتطي جواده ويرنو نحو "كرري" التي قتل فيها آلاف السودانيين. بيد أن لغردون قصة أخرى. فتمثاله كان على ظهر جمل وموضوع قرب القصر الجمهوري الحالي. يا ترى ما هو الضرر الذي سببه غردون للبلاد وسكانها؟ قمت بتصوير التمثالين وهما يزالان من مكانهما، وأيضا في محطة سكة حديدالخرطوم بحري عند وضع التمثالين في صناديق تمهيدا لنقلهما لبريطانيا. لم تنجح حيلة عبود وجنده في كسب شعبية رخيصة لدى الجماهير فقد أظهر له طلاب جامعة الخرطوم شديد العداء منذ أول يوم، حتى أن الجامعة كانت تعدل في تقويم العام الدراسي لتتفادى وجود الطلاب يوم 17 نوفمبر يوم "عيد الثورة المباركة". كنت أنا قد كسبت أيضا بعض الشعبية الرخيصة بين الطلاب وأنا أحاضرهم عن يوم تنصيب الملكة الليزابث الأولى في يوم 17 نوفمبر 1558م!
ولم تنعم حكومة عبود العسكرية بالاستقرار الذي زعمت أنها قد أتت من أجله فتعرضت لمحاولات انقلابية عديدة، أعدم في أحدها (تحديدا في عام 1959م) عدد من الضباط. كان ذلك بداية العنف السياسي في البلاد. كذلك تدهور الوضع السياسي والأمني في جنوب السودان، وثار الطلاب والعمال (خاصة في السكة حديد) ودخلوا في موجة من الإضرابات، وسقط النظام أخيرا في أكتوبر 1964م إثر ثورة شعبية.
وبالعودة إلى جامعة الخرطوم، أستطيع القول أنها لم تصب نجاحا كبيرا... لا للطلاب ولا للأساتذة. لم تستطع الجامعة أن تتوصل لمعادلة تتيح للسودانيين من جهة وللأساتذة الأجانب (وغالبهم من البريطانيين والمصريين) من جهة أخرى العيش والعمل معا في سلام (استطرد المؤلف هنا في قصص صغيرة لا رابط بينها ولا صلة تصب كلها في مدح زملائه الأوربيين وانتقاد الأساتذة السودانيين وسوء تعاملهم مع الوقت وغير ذلك، فحكى مطولا عن عراكه اللفظي مع أستاذ سوداني قام بإخراج يده من نافذة سيارته الروسية ولمس ظهره وهو يقود دراجته الهوائية مما كان سيسبب له في إصابة خطيرة لولا أن الله سلم! ثم عرج على يوسف فضل دون مناسبة وكيف أنه كان أحد طلابه. المترجم).
وكان لي زميل مصري (قبطي) لطيف هو فوزي جاد الله كان يدرس مادة تاريخ العرب، بينما كنت أقوم أنا بتدريس تاريخ العصور الوسطى في أوربا، وكان الرجل المصري كريما في منح الدرجات لا يمنح أقل من 65% لأضعف طالب، بينما كنت لا أعطي أكثر من 60% لأفضل طالب عندي! وكان الطلاب ينجحون غالبا بسبب أخذ متوسط ما كنا نعطيه من درجات في المادتين! وفشلت في مجلس الكلية فشلا ذريعا في أن أجعل النجاح في المادتين معا إلزاميا.

[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1558

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1521158 [أسامة الكاشف]
0.00/5 (0 صوت)

09-20-2016 09:17 AM
الاستاذ بدر الدين حامد الهاشمي
لله درك ولك من الشكر أجزله
رصين اللغة والسرد الشيق
أهم ما يميز أعمالك التي أثابر على الإطلاع عليها
وكذلك ترجمتك للنصوص غير المطروقة من قبل
الأمر الذي يثري مكتبتنا التاريخية
أتسائل إن كانت لديك صفحة خاصة على الإنترنت

اسامة الكاشف
مسقط


#1520890 [كاكا]
1.00/5 (1 صوت)

09-19-2016 05:04 PM
اترك الترجمة اذا كنت لا تستطيع ان تترجم بامانة


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة