المقالات
السياسة
أساس الفوضى الحلقة رقم (38)
أساس الفوضى الحلقة رقم (38)
10-07-2016 12:57 PM

بسم الله الرحمن الرحيم



إنَّ من طبع الإنسان التَّنافس وهو أصل النِّزاع والحركة في الحياة ولولاه لركدت ولم تتطوَّر. وإذا نزعنا هذا الطَّبع من الإنسان فسنجد أنَّ كلَّ أنواع الرِّياضة ستختفي، والسِّياسة سوف تُصاب بالشَّلل، والصناعة ستتوقَّف وقس على ذلك. والتَّنافس في أدناه نافع وفي أعلاه ضار فهو ينتقل من درجة اللهو الحميد إلى درجة النِّزاع الخبيث المُدمِّر. ولأنَّ المولى عزَّ وجلَّ يعلم طبائع مخلوقه ويعرف انحراف طبعه للظلم والاستغلال فقد نهاه من المنافسة التي تستخدم الغشَّ في الحصول على الرِّزق والتي ستُؤثِّر على معاش النَّاس وبقائهم فقال في سورة المُطفِّفين:
" وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ."
ثمَّ هداهم للمنافسة الشريفة النَّافعة:
" إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ. خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ".
وإذا تأمَّلنا هذه السُّورة لوجدنا صورة فريقين مثل فريقي كرة قدم يستهزئ مشجِّعو فريق بآخر قبل المباراة لوثوقهم في مكانة النَّادي الكبيرة، ومهارة لاعبيهم المُترفين الذين دفعوا فيهم أموالاً طائلة:
"إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ".
حتى إذا جاء يوم المباراة وفاز الفريق المُستضعف، لأنَّ الحكم أحكم الحاكمين ولا مجال لغشٍّ، فيضحك الفائزون على المغلوبين ويسخرون منهم: "فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ؟".

هذا المنظر مُعاشٌ يوميَّاً في أنحاء العالم وستراه بهذا الوضوح إذا حضرت مباراة رياضيَّة في أيِّ نوعٍ من الرِّياضة وتراه في التَّنافس على السُلطة مثل أيَّام الانتخابات. وكلَّما كان الفريق أقوى كلَّما كثُر أتباعه وازدادوا عصبيَّةً له ولكن بنفس المقدار يقلُّ ولاء اللاعبين للنَّادي ويعتمد الولاء على من يدفع أكثر والمفارقة أنَّ الأندية الصَّغيرة ينعكس فيها الوضع تماماً وتجد اللاعبين يؤكِّدون على ولائهم للنَّادي ويقولون إنَّ المسألة هي مسألة مبادئ وهذا لا يعني أنَّ النَّادي لا يحلم يوماً ما بالصعود إلى أعلى أو أن يكون الفريق الفائز في الدَّرجة الممتازة.
طبِّق هذا المثل على الأحزاب السياسيَّة فستجد نفس الدَّيدن، وستجد كيف أنَّ المخلصين للحزب وقت ضعفه يُزاحون من مواقع القيادة وقت قوَّته واستلامه السلطة بدعوى تجديد الدِّماء وجذب الجماهير، وقليلاً قليلاً تذهب المبادئ والقيم وتسود المنافع والمصالح، ويجلس المخلصون على الرَّصيف يندبون أيَّام الصَّفاء والوئام والإخلاص والمبادئ.

ولا نجد قوَّة ظاهرةً يتبعها ترف إلا واتَّبعها أغلب النَّاس ففسدوا وظلموا: " وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ". ما عدا فئة قليلة مُستضعفة: "فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ ".

والطَّريف في الأمر أنَّ الفُرق تتنافس في الحصول على كأس، وهو ما سيتنافس عليه أهل الجنَّة بل يتنازعون عليه:
" يَتَنازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ".
إذن فالتَّنافس والنِّزاع لا ينتهي حتى بعد انتهاء الحساب يوم القيامة بين الأبرار والفُجَّار أو بين الأبرار أنفسهم في صورة لهو بريء أو غبطة لمن كانت درجته أعلى في الجنَّة.

وإذا تأمَّلنا حكمة المولى عزَّ وجلَّ في خلق إنسان واحد يتناسل منه كلَّ النَّاس، وهو القدير على أن يخلق ما يشاء، لرأيت أنَّ أكثر من آدمٍ واحد كان سيؤدِّي لاستيقاظ المنافسة في قلبيهما، وكلَّما زاد العدد زادت المنافسة واحتدم النِّزاع، بل إنَّ سيدنا آدم عليه السَّلام لم يعدم شعور المنافسة مع الملائكة، إذ كان من الأسباب التي خدعه بها إبليس أن صوَّر له أنَّ الله سبحانه وتعالى منعه من الأكل من الشجرة لأنَّه يريد أن يحرمهما من أن يصيرا مَلكين:
" قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ"، وكان سيدنا عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنه يقرأها بكسر اللام بمعني المُلك. وهذا المعنى ليس بعيداً عن طبع الإنسان الذي يُريد ملكاً مُخلَّداً وكثيراً ما تسمع الملوك يقولون أنَّ الأمر سيظلُّ في نسلهما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هذا دليل على أنَّ سيدنا آدم عليه السلام ظنَّ أنَّ الملائكة أفضل حالاً منه فرغب في الحصول على حالتهم أو أنَّه أراد المُلك والسلطة.
فما بال لو أنَّ هناك كان أكثر من آدم وحوَّاء عليهما السلام؟ غالب الظَّنِّ أنَّ المجموعة كانت ستنقسم إلى ثلاثة أحزاب حزبٌ يدعو للأكل من الشجرة ويكون الأعلى صوتاً، وحزبٌ يدعو للامتناع وحزب ثالث يميل يمنة ويسرة. ولو أنَّ حزباً منهم أكل من الشجرة هل كان العذاب سيعمّ الجميع؟ وكيف ستُوزَّعُ المسئوليَّة؟ أو قد يكون هناك حُجَّة من الأبناء والبنات على أنَّهم أُخرجوا من الجنَّة لأنَّهم وُلدوا من الذين خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى وليس لأمرٍ آخر بينما الذين وُلدوا للمطيعين ما يزالون في الجنَّة لا لشيء فعلوه أكثر من أنَّهم كانوا محظوظين.

هل كان من الممكن أن يتَّفق مائة آدم وحوَّاء مثلاً ويوعظ بعضهم بعضاً ويبتعدون عن الشَّجرة المُحرَّمة ويعيشون في جنَّتهم بلا نزاع؟ لم يكن ذلك من الممكن والإنسان تسود عالمه طبائعه البدائيّة من حسدٍ ومللٍ وتفاخرٍ وتباغضٍ ولذلك فلن يحدث هذا إلا أن يتغيَّر بعد أن يٌزكِّي نفسه في هذه الحياة الدُّنيا بابتعاده عن شجرتها المُحرَّمة، ومن ثمَّ يوم القيامة ينزع الله منهم هذه الطبائع السالبة:
" وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ".
هذه الأخوَّة الإنسانيَّة لا تنبغي إلا لمن ابتغاها في هذه الحياة الدُّنيا وأدرك أنَّ سرَّ الحياة هي مقايضة ذكيَّة بين حياة ذاهبة وأخرى باقية وأنَّ الذَّكي هو الذي يوجِّه طبائعه البدائيَّة مثل الجشع والتَّنافس لتكديس حسنات سيستبدلها في يومٍ بكلِّ ما اشتهي.

وتأمَّل كيف أنَّ الإنسان دخل إلى دائرة الفوضى الأولي للنِّزاع المُدمِّر من هذا الباب حين قتل هابيل قابيل منافسة على امرأة؟ فإذا كان هذا حال أخوين من بطنٍ واحدة فماذا كان سيحدث لو أنَّ هناك ألف آدم وألف حوَّاء وأبناءهم وبناتهم؟
ولماذا يتنافس النَّاس؟ يتنافسون لأنَّهم يريدون أكثر ولأنَّ ما في يد الآخر دائماً أحلى ممَّا في يد الإنسان، ولن يرتاح حتى يمتلكها، وحينئذٍ تفقد بريقها ويملُّها الإنسان فيبحث عن جديد. إذن الأصل في هذا هو عدم شِبع النَّفس التي استعاذ منها المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم: "اللهم إنِّي أعوذ بك من نفسٍ لا تشبع"، وهي ناتجة من الجشع لأنَّه لحبِّ الخير لشديد.
تأمَّل طفلاً يطالب والديه بشراء لُعبةٍ جديدة لا تمكث معه أيَّاماً أو أسابيع على أكثر تقدير إلا ويملَّها ويبحث عن ثانية ثُمَّ ثالثة ورابعة. والإنسان طفلٌ كبير لا يتغيَّر فقد تتغيَّر أنواع اللُّعب ولكن السلوك واحد.
وقد اكتشف الرّأسماليُّون هذا الطَّبع الإنساني فتنافسوا فيما بينهم حتى يُنتجوا أشياء تُغري النَّاس بشرائها، ليس لأنَّ النَّاس يحتاجونها ولكن لأنَّهم يرغبونها، فالإنسان لا يعرف الفرق بين ما يحتاجه وما يريده ويرغبه، وحتى إن أدرك هذا الفرق فالضَّغط الاجتماعي لا يتركه حتى يستسلم.
وتأمَّل إعلانات التَّسويق والإغراء المُصاحب له. صحيح أنَّ مثل هذه المنافسة تُنتج صناعة أفضل ولكنَّ ثمنها الفردي والاجتماعيِّ أكبر لأنَّها تُخاطب، غير الجشع، طبعاً آخر وهو حبُّ التَّرف.
أمَّا ما الذي يقع في قلب هذه الطَّبائع؟ هو أهمّ طبعٍ وأسُّ البلاء وهو حُبُّ النَّفس ويقينها أنَّها وحدها تستحقُّ أفضل ما في الوجود؛ أي رجعنا إلى مسألة النَّرجسيَّة مرَّةً أخري.

فهذا الطَّبع يُولد الأنسان به ويُهذِّبه غصباً عنه عندما يكبر ويتعلَّم من الحياة أنَّ هناك آخرين أجمل وأذكي وأنفع منه وبرغم هذا الجرح النَّرجسيِّ فالإنسان يطمر نرجسيَّته عميقاً حتى لا يراها النَّاس، ولكنَّه لا يتخلَّى عنها وما إن تتوفَّر عوامل نمائها حتى تنمو بذرتها حتى تصير شجرة تُغطِّي وتخنق ما حولها. تأمَّل من اشتهر من النَّاس وستري عجباً وعُجباً.
انظر إلى هذه النَّرجسيَّة العارية:
"يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ".
فهل هذا الطبائع قابلة للتَّغيير أو التَّغيُّر؟ قطعاً لا ولكن يمكن توظيفها توظيفاً ذكيَّاً، وهذا يحتاج إلى جهادٍ للنَّفس دائم ويقظةٍ مستمرَّة لا يقدر عليها إلا القليل:
" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ"، وهو لا يتمُّ إلا لمن أحسن الفهم ووعي حقيقة الأمر وعلم أنَّ منهج الله سبحانه وتعالى يعمل ضدَّ طبائع الإنسان في هذه الحياة الدُّنيا لينقله من الاستئثار للإيثار وهو صعبٌ على النَّفس حتى يُغرق هذه الطَّبائع بما شاءت من ملذَّات في الحياة العليا حين يُدرك أنَّما هذه الحياة الدُّنيا سراب:
" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ".
ولا يتمُّ ذلك إلا باتِّباع المنهج الرِّسالي بتواضع واتِّهامٍ للنَّفس:
" يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِهِ ".

فقابليَّة التَّغيير والتَّغيُر لا تتمُّ للطَّبائع، ولكن تتمُّ للفكر وللسلوك لأنَّ الأعمال بالنيَّات وليس بالمشاعر فأنت قد تُقاتل في سبيل الله وتكره القتال، ولكنَّك تقوم به وتنوي به رضا الله فيُقبل منك، لأنَّ المولى عزَّ وجلَّ قال في شرح هذا المعنى وتفريقاً بين السلوك والمشاعر المصاحبة ولم يربط بين المنفعة والعاطفة وإنَّما ربطها بالسلوك:
" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".
فالمؤمن ذو الفطرة السليمة لا يُقبل على القتال إذا كان هناك طريق آخر ولا يدَّعي حُبَّه ولذا فالذين يُقبلون عليه ويستمتعون به ما هم إلا ثلَّة الأشقياء من الطَّاغوتيين الذين يستلذُّون بتعذيب الآخرين وإراقة الدِّماء.
هذا هو واقع الإنسان المأساوي حتى في يوم القيامة وهو ما لم يحدث بعد، ولربما تمضي آلاف السَّنوات قبل أن يحدث يوم القيامة، ولسوف نسمع مع كلِّ قرنٍ جديد أو ألفيةٍ جديدة من يقول: يجب على النَّاس أن يرتقوا حتى يتعايشون في سلام لأنَّ الزَّمن تقدَّم ولسنا مثل أجدادنا المتوحِّشين.
يقولون هذا وهم في غفلة عن طباعهم لأنَّهم يظنُّون أنَّهم أفضل من غيرهم أخلاقاً وعلماً، وما شابه وما عليهم إلا إقناع الآخرين بوجهة نظرهم الصَّحيحة ونقلهم من البدائيَّة لمدارج الحضارة والرُّقيِّ.
هؤلاء النَّاس يعيشون خارج دائرة الواقع في فُقَّاعة الوهم، يحلمون بمدينة فاضلة ستقوم يوماً ما ويتآخى النَّاس فيها جميعاً ويُغنُّون أغنية السلام والوئام بين البشر.

إنَّ المولى عزَّ وجلَّ لم يبعث الرُّسل لإقامة المدينة الفاضلة على ظهر هذه الأرض، ولكنَّه بعثهم ليُعلِّمهم عن طبائعهم الحقيقيَّة، ثمَّ يدلَّهم على أفضل الطُّرق لاستخدامها لمنفعتهم الشَّخصيَّة بتقليم زوائدها مثلما تُقلِّم الأظافر التي هي جزء منك لا شكَّ في ذلك، ولها وظيفة مُعيَّنة، ولكن لا تنفعك إن قلعتها أو تركتها تنمو بغير تقليم.

تخيَّل أنَّنا وجدنا هذه المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة منذ بداية التَّاريخ، وتقاتل حولها الملوك فأين نجد لها مواطنين فاضلين ليسكنوها؟ ستكون مدينة موحشة وكئيبة ومُقفرة إلا من بعض المُتنطِّعين الذين يحملون كُتباً لا أثر للواقع فيها، ويتحدَّثون عن أسرار الكون، ويكيدون لبعضهم البعض تنافساً على الرِّئاسة، أو الشُّهرة، أو الشباب المُتطلِّع للمعرفة والحكمة، وكلُّهم ينتظر من يصنع طعامهم، ويُوفِّر خدماتهم، لأنَّهم الأفضل، من المواطنين الفاضلين الآخرين. المُدهش في الأمر لا تكاد تري للمرأة أثر في مثل هذه المدينة الفاضلة. هل سيعيش الرِّجال بغير نساء؟ وإن كان ذلك غير ممكن فكيف سوف يتحكَّمون في مشاعر الحُبِّ والغيرة وسلوك الخيانة؟ وهل ستنتهي النِّساء أيضاً عن التَّنافس على مُترفات الحياة؟

لا يُوجد شيءٌ يدمِّر سُبل السَّلام ويؤدَّي للفوضى المُطلقة في دائرة المرء الخاصَّة أو العامَّة مثل الانفصال عن الواقع والجهل وعدم الإقرار بطبيعة الإنسان المجبولة على التَّعلُّق بالحياة الدُّنيا والسعي لحيازتها.
فالإنسان مجبول على الكسل، والجشع، والتَّمايز والتَّفاخر والملل والحسد والأثرة والخوف، وعلى حبِّ النَّفس والتَّرف، والمُتعة، والخلود والعافية والشباب والقوَّة والمال وأكثرها ضرراً السلطة.
ولذلك فهي الأشياء التي يُغري بها الله سبحانه وتعالى الإنسان في الجنَّة بتوفيرها إن كانت مادِّيَّة أو نفسيَّة أو اجتماعيَّة أو روحيَّة.
والإنسان مستعدٌّ لاستخدام كلّ ما يسعه من طرق ومكائد وأسلحة لتحقيق هدفه إذ هو يستجيب بذلك لطبع غريزته المُدمن على ملذَّات الحياة الدُّنيا، والحائد عن طريق الحقِّ ما دام ذلك يُوفِّر له ما يريد.
والنَّاس لا تجتمع على شيءٍ واحدٍ ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً عليهم؛ إذ ما إن تُطِلُّ السلطة بوجهها حتى يطلبها ويدَّعي أحقِّيتها كلُّ النَّاس لنفسه، أو لمن يظنُّ أنَّه سيُحقِّق آماله. لا بصيرة هنا تطغي ولا عقل ولا عدل، ولكن جشعٌ وأثِرةٌ، وجور يتدثَّر بإزار المبادئ والأخلاق العليا ومصلحة الجماهير.
فالاستئثار أمرٌ طبيعيٌّ للإنسان، والإيثار أمرٌ منافٍ للطَّبيعة، خاصَّة من آتاه الله المُلك وفي هذا يقول الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: "من ملك استأثر".
والـمـُلك مهما دامت أيامه زائلٌ، وآثاره مندثرة لا يبقي منها إلا الحضّ على التَّذكرة والموعظة فالله قاهرٌ بحكمته وخبرته فوق كلِّ عباده وعبيده بسننه التي وضعها يوم خلق السماوات والأرض: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ".

ولذلك فالمصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم عندما طُلِب منه الاختيار بين المُلك والنُّبوَّة اختار النُّبوَّة بحكمته وخبرته بطبيعة البشر لأنَّ مُلكها لا يفنى، فهو ملك قلوب وتعميرها، لا ملك دُنيا وتعميرها.
فتأمَّل في ورثة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وقارنها بورثة سليمان بن داود عليه السلام.
فأصحاب الدِّين الحقِّ قطرة في مُحيط، فالنَّاس مجبولون على الجور و"الاستهانة بحقِّ ربِّهم بمحق دِينهم بإصلاح دُنياهم"، كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، وإن كانوا من الصحابة الكرام في خير القرون. قال ذلك وهو يعلم أنَّ الزُّهد الحقيقي في الدُّنيا لا يقدر عليه إلا من أكرمه الله واختاره ولذلك لم يطلب من وُلاته اقتفاء أثره تماماً وإنَّما نظر إلى طبيعتهم البشريَّة وقال بحكمةٍ:
"ألا وإنَّ لكلِّ مأمومٍ إماماً يَقتدي به ويستظلُّ بنور علمه، ألا وإنَّ إمامكم اكتفى من دُنياه بطِمْريه، ومن طُعمِهِ بقُرصيه. ألا وإنَّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بوَرعٍ واجتهاد، وعِفَّةٍ وسداد".
يقول هذا لسيدنا عثمان بن حُنيف الأوسي الأنصاري رضي الله عنه لأنَّه حضر وليمةً دعاه لها أهل البصرة حضرها الأغنياء وحُرِم منها الفقراء ليضع حُكماً لمسئوليَّة الحاكم أنَّ الأكل الحلال هو الطَيِّب يُستزادُ منه ما يكفي لترويض النَّفس على تقوى الله، وليس للتَّلذُّذ وهي حلالٌ للمحكوم وحرام على الحاكم إن كان هناك جائعٌ واحدٌ في الأمُّة كلِّها:
"ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيُّر الأطعمة. ولعلَّ بالحجاز أو اليمامة من لا طَمَعَ له في القُرص ولا عَهْدَ له بالشِّبع، أو أبيت مِبطاناً وحولي بُطونٌ غَرثَي وأكبادٌ حرَّي؟".
إنَّ الوقوف مع الحقيقة المُطلقة والمبادئ أمر قاسٍ لا يستطيعُه إلا من يُميت هواه، ويشكم جشع نفسه بترويضها على المكاره لا بتعويدها على الرفاه.
ومُعظمنا يعرف مقولة: " قلبي مع علي وسيفي مع معاوية" التي توضِّح ضعف النَّفس البشريَّة أمام الدُّنيا. وأيضاً يعرف موقف سيدنا عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي التحق بأعداء أخيه، وهو يقول لسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:
" أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي، وقد آثرت دنياي، وأسأل الله خاتمة خير".
وقول سيدنا عمرو بن العاص لسيدنا معاوية رضي الله عنهما مُعترفاً: "أترى أنَّنا خالفنا عليَّاً لفضلٍ منَّا عليه؟ لا والله. إن هي إلا الدُّنيا نتكالب عليها، وأيمن الحقّ لتقطعنَّ لي قطعة من دنياك وإلا نابذتك"، فولَّاه مصر: "وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ".

هذه حقيقة دائمة لا تتغيَّر مهما اختلفنا معها فالظَّالم لا يدحره عادل ولكن ظالمٌ مثله، وهو تقدير المولى عزَّ وجلَّ لأنَّ العادل طاغوتيَّته مُكبَّلة بقيود تقوى الله، ولا ينتقم ممَّن ظلمه، ولنا في عفو المصطفى صلى الله عليه وسلَّم عن أهل مكَّة خير مثال.
وعندما تعمَّ الفوضى يُحرِّك المولى من يدفع عن عباده الظُّلم ويتنفَّس النَّاس لبرهة من الزَّمان لا تدوم ولا أكثر من خمسين عاماً ولا تتجاوز المائة لأنَّها محكومة بالدَّورات الاجتماعيَّة، ولأنَّ أهل الباطل لا يهدأ لهم حال حتى ترجع الولاية لهم:
" ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ".

إن كُنَّا نظنُّ أنَّنا أقدر وأكثر صلاحاً من خيرة الصحابة، وأنَّه بإمكاننا مقاومة مُغريات الحياة والتَّجرُّد من هوى النَّفس أكثر ممَّا فعلوا، فنحن لا نعرف أنفسنا حقَّاً، ونُصدِر الأحكام بناءً على قراءة الكُتب والعيش في عالم الأوهام والصورة الزَّاهية التي بنيناها لعصر النُّبوَّة، كأنَّ من عاشوا فيها ليسوا بشراً مثلنا يُصيبهم ما يُصيبنا. ولم يكن القصد من التَّجربة هي إقامة عالمٍ مثاليٍّ فاضلٍ، إذ هيهات ذلك أن يقوم، ولكن لكشف منهجٍ أفضل في إدارة الحياة، وتقليل أضرارها بترويض النَّفس إمَّا بالتَّقوى، أو بالسلطان العادل، فالإنسان عدوّ نفسه، ومن ثمَّ فتح المجال أمامها لترتقي إن أرادت، أو تخلد للأرض إن شاءت حتى يوم الحساب حتى لا يحتجَّ النَّاس بالجهل.

إنَّ الحياة مُعقَّدة أكثر ممَّا نظنُّ، لأنَّنا الحياة ولأنَّ نفسنا الكثيرة التَّعقيد؛ ذات التَّجاويف والمغارات المُظلمة من الشَّهوات والخوف والأماني، تحكمنا ولا نحكمها، وهي تُفضِّل الإشباع العاجل على الإشباع الآجل لشهواتها.
إنَّ الأفضل للنَّاس من الحُكَّام من يُقرُّ بضعفه الإنساني، ولا يستأثر بكلِّ شيءٍ لنفسه فيُشرك معه عامَّة النَّاس، فهو أفضل من الذي يتَّخذ أيديلوجيَّةً قناعاً لشهواته وطموحه، فيدَّعي الإخلاص للمبدأ أو الإخلاص لله وقوله يخالف سلوكه، قبل وبعد تمكُّنه من الملك.
ولا يُوجد ذلك الإمام المثالي الذي ينتظره النَّاس إلا في أذهانهم، ولو جاء لاختلف حوله النَّاس فالغبيُّ لا يُقرُّ بغبائه ولا يري نفسه أقلَّ من غيره استحقاقاً.

ولسيادة مثل هذا الوهم في عقول النَّاس عن هذا الزَّعيم أو الإمام أو القائد المثالي الذي يؤمِّلون فيه إنقاذهم ممَّا فيه من عوزٍ ومسغبةٍ وجورٍ، فإنَّهم يضعونه في مكانٍ عالٍ لا يمكن الصُّعود منه ولا يجوز منه إلا الهبوط، ولذلك يحمي سعيهم ليبحثوا عن عيوبه، وعن الأشياء التي كان من الواجب أن يفعلها لا الأشياء التي فعلها، وإن كانوا في سابق أيَّامهم لا يحلمون ببعضها، وهذه شيمة النَّاس أينما كانوا فهم بدائيُّون في تفكيرهم ونفوسهم مهما ادَّعوا غير ذلك.

فالإنسان خُلق من طينٍ أوَّلاً ثمَّ نُفخ فيه روح المولى عزَّ وجلَّ ثانياً فانبثقت النَّفس وليدة التَّفاعل بينهما، ولذلك فأصله أرضيٌّ يخلد إليه بجذوره ويُفضِّل عطاءه من لذَّاتٍ ومادَّة على عطاء الرُّوح الأعلى، فهو كالشجر لا يقوم بغير أرضٍ يعتمد عليها ويشرئبُّ في الوقت نفسه للسماء يتزوَّدُ من ضيائها وهوائها متنازعٌ بين الأصلين: " وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا"، وهذا النِّزاع بين عطاء الأرض وعطاء السَّماء هو ديدن الإنسان يُظهر تذبذبه بين حالتيِّ الخلود للأرضِّ أو السُّموُّ للعلا، ولكنَّ، كما الجاذبيَّة تجذب الأشياء لأسفل، فكذلك نفس الإنسان ثقيلة وبها كَدَرٌ كثير، تميل للتَّسفُّل لا للعلوُّ، وإذا أرادت العلوُّ فليس لها إلا أن تتخفَّف من أحمالها الدُّنيويَّة كالذي يرمي الأثقال من منطادٍ ليرتفع في السَّماء:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ".
هذا الخطاب كان للصحابة المؤمنين والرَّسول صلوات الله وسلامه عليه بين ظهرانيهم فما فرصتنا في نبذ الدُّنيا ونحن لا زادٌ ولا ماء؟
ويخلط النَّاس كثيراً بين صلاح الصحابة واعتبارهم كلَّهم عدول لهم حقَّ الاجتهاد يؤجرون مرَّتين إذا أصابوا ومرَّةً إذا أصابوا، وليس على ذلك خلاف، ولكن ذلك لا يمنع أن نتعلَّم من أفعالهم وطريقة تفكيرهم إن أصابوا وإن أخطأوا، فهم بشر يصيب ويخطئ، وبعضهم أكثر صلاحاً من بعض وبُشِّر بالجنَّة، وبعضهم أكثر عدلاُ من بعض وتاريخهم يشهد على ذلك، وليس لديهم حظَّ التَّبصرة الرَّاجعة المرتكزة على التَّاريخ كما لدينا، فهم كانوا يصنعون الأحداث ويعيشونها بينما نحن نقرأ عنها ونتأمَّلها ولدينا من المعلومات ما لم تتوفَّر لهم، فحكمنا على مجريات التَّاريخ، ونحن نعلم ما آلت إليه الأمور، أفضل.

وإذا لم نتعلَّم من تاريخنا، لا بتبجيله وتقديسه وتكراره والدِّفاع عن الصواب والخطأ فيه كما نُدافع عن كتاب الله سبحانه وتعالى، فلن نكون من التَّابعين لمنهج الله سبحانه وتعالى الذي وصف لنا حال الأمم السابقة بصلاحها وطلاحها لنتعلَّم منه.
ولارتباطنا بعواطفنا الأرضيِّة المتذبذبة فنحن نحتاج إلى مرساة تُثبِّتنا بجذورٍ ضاربة في العمق من حالة التَّذبذب حتى لا يأخذنا تيَّار الحياة الجارف في طريقه، والمولى عزَّ وجلَّ يصف لنا هذه المرساة:
" يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ"، وتجيء هذه الوصفة العلاجيَّة بعد ضرب المثل بالشجرة لحالتي الحقِّ والباطل.

والإنسان لا يضُرُّه شيءٌ أكثر من الغفلة عن حقيقة نفسه، وتوهُّم حقيقة أُخرى مؤلَّفةٍ من أخلاط رغباته مع خوفه، وشكوكه، وأفكار بيئته التي نشأ فيها، وتجاربه الخاصَّة تطمر جوهر نفسه، فيؤمن بهذا الرُّكام، ويدافع عنه يطلُب يقيناً، وهو يظنُّ بنفسه خيراً وبفعله نفعاً له وللآخرين.
وهذا النَّوع من النَّفس سمَّاه العالم النَّفساني كارل روجرز: "بالنَّفس الباطلة"، مقارنة مع "بالنَّفس الحقةَّ". والحقيقة في نظر "النَّفس الباطلة" نسبيَّة وتُغلِّب رأي الأغلبيَّة وإن كانوا على خطأ، أمَّا "النَّفس الحقَّة" فالحقيقة عندها مُطلقة ولا يهمَّها وافق النَّاس أم اعترضوا عليها فهي تطلب البرهان لا الموافقة.
إذن المسألة تعتمد على درجة الوعي ولكن الإنسان في حالة غفلة طبيعيَّة: "النَّاس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا"، كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى: "اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى".
فهم يتناسون الحقيقة عندما تقف بينهم وبين ما يريدون حتى يلحقهم النِّسيان فتأتيهم الرُّسل لتذكريهم، فالإنسان عبد للعادة وللعُرف، لأنَّ بهما ارتبط مصيره ومعاشه وغريزة بقائه، ومن استعبدته العادة أو العرف فقد صار مُدمناً.

ولذلك لحدوث الوعي لا بُدَّ من تغيير جذري يبدأ بالشَّكِّ في المألوف من العادات، ولا يحدث ذلك لمن أدمن طريقة حياةٍ وصار عبداً ذليلاً لها، إذ أنَّ مثل هذا التَّغيير لا يقدر عليه إلا شجاعٍ ذو أُذُنٍ واعية لا يهاب الحياة ولا يهاب الموت، فليس تُخضعه حاجة ولا يُرهبه تهديد ولا يخاف إلا الله سبحانه وتعالى. هذه هي الحرِّيَّة الحقَّة وهي لن تُملك لمن "نفسه باطلة" ومدمنة لغير حبِّ الحقِّ:" أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ؟"
إنَّ النَّاس أكثرهم في غفلة، وسيظلُّون كذلك مهما بُذل من جهد، فقد يدخلون المدارس ويتعلَّمون ثم يصيرون أكثر غفلة وأكثر جهلاً إذا اغترُّوا بما علموا ولم يعملوا به، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إنَّ العلم والعمل قريبان، فكن عالماً بالله عاملاً له، فإنَّ أقواماً علموا ولم يعملوا فكان علمهم عليهم وبالاً".
ومن يُعلِّق الآمال على وعي ويقظة الشُّعوب؛ خاصَّة الوعي السياسيِّ، فهو سجين أوهامه فمعظم النَّاس يتبعون غريزة بقائهم ولا يثورون إلا عندما تُهدَّد هذه الغريزة بحيث يكون حاصل الجهد لا يكفي للبقاء حيَّاً، فتستوي الحياة والممات عندهم، وما يُصوِّره أصحاب السياسة والقلم من مبادئ وطبائع للشعوب الجائعة ليس إلا تصويراً لما يرونه في أذهانهم، وليس إلا استغلالاً لطبيعة الشباب الثائرة "اقتحاماً لغفلتها واستلاباً لغِرَّتِها"، لأنَّها تُريد تغيير الواقع، أكان صالحاً أم طالحاً، فهم لا يقنعون بشيءٍ ، لأنَّ ذلك جزء أصيلٌ من بناء شخصيّتهم وتفرُّدها، والمصطفى صلى الله عليه وسلَّم يقول: "والشباب شعبة من الجنون".
ولنتأمَّل فأين شباب الأمس أصحاب المبادئ الذين ثاروا إن كان فعلهم طبعٌ أصيلٌ فيهم؟ ولنعتبر بهمود همَّتهم وواقعيَّة نظرتهم المكتشفة منذ أن نضجوا ووعوا حقيقة الأشياء، حسب تعبيرهم وتبريرهم، فمعظمهم سندوا الشُّموليَّات، ووفَّروا حطب أوارها يتنافسون فيما بينهم على ترضية الحاكم، أي رضوا بالحقيقة النِّسبيَّة بدلاً عن الحقيقة المُطلقة تحت ضربات واقع غريزة البقاء بعد أن صار لهم أبناء وبنات ومسئوليَّات.
البعض يحتفل بقابليَّة شَعْبِهِ للثَّورة على الظلم وينسى أنَّ الظُّلم سبق الثورة وهناك ظالم أبعد عادلاً أو ظالماً مثله وأنَّ الفجوة بين ثورة الشَّعب وسيادة ظالم آخر لم يملأها خير وإنَّما ظلمٌ من نوعٍ آخر لهذا الشَّعب بخذلانه بالتَّنازع على السلطة أو بجهل القائمين على أمره بحقوق وحاجات من قاموا بالثَّورة، وجهلهم بالواقع، وفقرهم الفكريِّ، وانشغالهم بالشعارات، وهم أعمى يقود أعمى.
الثَّورة ليست دائماً دليل عافية إلا إذا كانت ثورة تستخدم القوَّة النَّاعمة لا القوَّة الخشنة.
فالثَّورة النَّافعة هي التي تري الأشياء كما هي وتعرف طبيعة البشر، وتعمل على توفير حاجاتهم الأساسيَّة بالعمل المؤسَّس الدَّؤوب المبني على العلم والخبرة والمهارة والحكمة تحليلاً للواقع ومعرفة لمُقدِّماته، واستنباطاً للبرامج والمشاريع لا الشِّعارات التي لا معنى لها والأحلام في تغيير طبيعة البشر من شَرَهِ نفسها الجشعة إلى ملائكيَّةٍ مُتوهَّمة، فلا يُقلِّصُ شَرَهَ النَّفس مثل إشباع بعض حاجاتها وتأمين توفُّرها.
انظر إلى هلع النَّاس في أيِّ مجتمعٍ شئت إذا أعلنت حكومتهم أنَّ بعض السِّلع الأساسيَّة ستنعدم وتأمِّل تدافعهم على المتاجر وعلوِّ أصواتهم وشجارهم وهم يكدِّسون السِّلع ويُهرعون لبيوتهم. أو انظر إليهم في وقت التَّخفيضات أو إن وزَّعت الحكومة شيئاً مجَّاناً حتى وإن لم يحتج إليه المرء.

لا اختلاف في أنَّ الوعي السياسيِّ يزداد مع ارتفاع مستوى التَّعليم، ولكن لا يظهر مثل هذا الأثر إلا بعد أن يكمل الإنسان أكثر من ثلاث سنوات في الدِّراسة الجامعيَّة. بل إنَّ نسبة الوعي السياسيِّ مثلاً في النُّرويج، التي نسبة التَّعليم فيها مائة بالمائة، والتي هي من أغنى أمم الأرض، وبها نظام عدالة اجتماعيَّة قلَّ مثيله، لم تتعدَّ فيها أكثر من عشرين بالمائة في شريحة الدِّراسات العليا ولم تتعدَّ العشرة بالمائة في باقي الشرائح.

إنَّ النَّاس المخلصين لضمائرهم والمقيمين على عهدهم قلَّة قليلة، وسيظل تقسيم النَّاس في كلِّ أرجاء العالم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: "النَّاس ثلاث: عالمٌ ربَّاني، ومُتعلِّمٌ على سبيل نجاة، والباقي همجٌ رعاع، ينعقون مع كلِّ ناعق، ويميلون مع كلِّ ريح".
ونسبة العلماء الرَّبانيُّون لا تتجاوز نصف واحد بالمائة، والمتعلِّمون على سبيل نجاة لا يزيدون عن عشرة بالمائة والبقيَّة الباقية ستظلُّ في جهلها شئنا أم أبينا، تزيد وتنقص حسب عدل حاكمهم، وتوفير فُرص التَّعليم، فإنَّ رأس الأمر إذا فسد تبعه الجسد، ولذلك فالإمام العادل أوَّل من يُظلُّه الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه فهو عماد الأمر والسُدَّ من الفساد والفوضى. ومن النَّاس حوالي الستَّة عشر إلى العشرين بالمائة مُخلَّفين لن يتغيَّروا ولن يزداد وعيهم السياسيِّ ولو جئتهم بكلِّ آية: "وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ".

وسنتناول في هذا المقال والذي يلحقه مفهوم إدمان مظاهر الحياة البيولوجيَّة، والنَّفسيَّة، والاجتماعيَّة، والرُّوحيَّة، كطبيعة أصيلة في الإنسان وكيفيَّة تأثيرها على قراراتنا وسير حياتنا. فنحن عندما نقول إنَّ فلاناً مدمنٌ تتراءى لنا صُور مُدمني الخمر والمُخدِّرات وقد يصيبنا شعور سلبي تجاههم ولكنَّنا لا نرى أرتالاً أخرى من النَّاس غارقون في إدمانهم وقد نُعجب بهم ونتقفَّى آثارهم ونتمنَّى حالهم.

ولأنَّ الإنسان بطبعه يُحبُّ أن يمتلك شيئاً أو أن يتعلَّق بشيءٍ ليوفِّر له مرساةً أمام تيار الحياة الجارف وسباقها المحموم، حتى يجد لحياته استقراراً ومعنى، وحتى يتجنَّب الألم والشَّقاء ويحوز اللَّذَّة والسعادة، فإنَّه يبحث عن أقرب الأشياء إلى قلبه بحيث لا يُثير غضب النَّاس أو يحصل على رضائهم إن أمكن. فالذي يهب نفسه كاملة مثلاً للسِّياسة مُتدثِّراً بحُبِّ الوطن، وبخدمة النَّاس سبباً ويطرق أسماعهم بتضحياته العظيمة في سبيلهم، لا يقلُّ إدماناً من الذي لا يُقاوم الخمر.
وهو قد يسعى ما وسعه السَّعي لحيازة شيء ويظنُّ أنَّه ملكه إذا حازه، ولكن الشَّيء الذي قد يملكه إذا صار غاية همِّه، أي إذا ملك قلبه، فستكون حياته موهوبة لتلبية شوقه لهذا الشيء، يذكره في كلِّ لحظةٍ، ويُسبِّح بحمده إذا وجده، وقد يغضب إذا احتاجه ولم يجده.
والإنسان يُوهِم نفسه بأنَّه في حالة تحكُّم كاملٍ لمشاعره، أو لسلوكه ولكنَّ الحقيقة غالباً ما تكون أبعد عن ذلك.
فمثلاً من يشرب الخمر يندر أن يُقرَّ بأنَّه يُسبِّب له مشكلة، ويُلقي بحُجَّته ليثبت تمام تحكُّمه في تعاطيه الخمر كلَّما تحدَّث إليه أحدٌ، وكلَّما أدمنه كلَّما علا صوته وازداد احتجاجه. ولا يُمكن للإنسان إذا أدمن شيئاً أن يُلبِّي شوقه للذي يُدمنه ولخالقه أو لأيِّ شيءٍ آخر في نفس الوقت: " مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ".
والإنسان عندما يُفكِّر في اختياره وفي قراره فإنَّه ينتقي من الدُّفوعات والحُجج ما يؤيِّدُ هواه بزيادة ثقل وزنها في ميزانه، بينما يُهوِّن من قيمة وثقل وزن الحجج المعارضة، وكما تقول والدتي، حفظها الله ورعاها، وهي تُدافع عن تقصير أخي وتُبرِّر ميلها الواضح لجانبه مع علمها بوزره: "المحبوب ليس عليه ذنوب".
هذا يُعرف بالحنف أو الميل المعرفي، أي أن تحنف أو تنحرف بتفكيرك لما تُحبُّه وتريده لا لما تحتاجه وينفعك، وهذا معنى الغواية، فمعنى كلمة غوى هو: حاد عن الحقِّ ومال إلى هواه، وهو غاية الضَّلال ولا يتبع إلا ضلالاً: "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى".
فالإنسان قد يضلُّ عن جهل والغاوي يضلُّ عن هوي بعد معرفة الحقِّ ولذلك تتبعه عمليَّة التَّشويش الفكري بواسطة تزيين فعل الشيء: "وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ"، ولا يحدث ذلك إلا لمن يغفل عن مشاهدة الله سبحانه وتعالى وتفضيل الإشباع العاجل للرَّغبة على الإشباع الآجل.
ولم تكن الآية الكريمة تتحدَّث عن وزن البضائع في الأسواق فقط ولكنَّها تُخاطب كلّ ما يمكن أن يفعله الإنسان تفكيراً، أو قولاً، أو فعلاً: " وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيم".
ويؤكِّدُ هذا المبدأ حتى في حالة الكراهية التي تُخسر الميزان: " وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئآنُ قَوْمٍ علـى ألاَّ تَعْدِلُوا".
وفي هذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلَّم بصورة علميَّة لينفي تماماً حالة التَّناقض المعرفي والسُّلوكي التي تنشأ طبيعة في نفس الإنسان الذي يدعو للعدل بلسانه ويجور بفعله:" لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ ".

فالتَّنافس بين سبب الإدمان وبين الإيمان لا يكون إلا على سلطان القلب، لأنَّه سلطان الإنسان الذي يجعله يُلبِّي دعوة سلطان المحبوب.
هذه التَّلبية التي لا يُقاومها الإنسان هي زمام الأمر بحيث تقود ناصيته إلى حيث عشق بلا مقاومةٍ تُذكر وهي روح الإدمان.

والمولى عزَّ وجلَّ عندما خاطب إبليس اللعين استخدم هذا المصطلح:
" إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ". فانظر إلى كلمتي سلطان وغاوين وترابطهما المعرفي، وكان هذا إجابة لتحدِّي إبليس اللعين؛ العارف بطبيعة الإنسان أكثر من معرفة الإنسان بنفسه: "لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ". والمُخلَصُ من العباد هو المُخْلِصُ منهم دينه لله سبحانه وتعالى بلا شركٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ وهم الذين يكون هوى أنفسهم تبعاً لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلَّم وقد وصفهم وعرَّفهم المولى عزَّ وجلَّ: " إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"، وهو ما يعني الاستسلام الكامل لأمر الله والوصول لدرجة الإسلام الحقيقي تحقيقاً لقول سيدنا موسى عليه السلام: " وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ".
فإن نزغت نفسك إلى ما تُحبُّه فهذا من فعل نفسك لا من عمل الشَّيطان، فلا تتَّهمه ظلماً، فهو يوسوس لك لتعصى الله سبحانه وتعالى كما عصاه وإن لم يجد عندك استجابة طرق باباً آخر للمعصية.

فإذا كان الله سلطانك فلا سلطان غيره يملك قلبك لتُلبِّي دعوته، أمَّا من يتولَّى شيئاً آخر فقد أشرك شركاً ظاهراً أو خفيَّاً. وفي الأثر كان سبب امتحان خليل الرَّحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام في أمره بذبح ابنه هو تعلَّقه به كثيراً وأراد المولى عزَّ وجلَّ، الذي لا يرضى الشركاء، أن يُنقِّي قلبه من ذلك، وكذلك فعل مع سيدنا يعقوب بن سيدنا اسحق عليهما السلام في أمر سيدنا يوسف عليه السلام: "إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ".
+++++
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالى
ودمتم لأبي سلمي
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1063

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د عبد المنعم عبد الباقي علي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة