المقالات
منوعات
ذكريات من مروي
ذكريات من مروي
10-10-2016 01:00 PM




في أواسط السبعينات من القرن المنصرم، كانت طريق السليم – كريمة بما يسمى (بالمِحيله) تأخذ وقتا ليس بالقصير وهي منطقة رمليه وعرة تتخللها ربوات حصوية كانت اللواري تستريح فوقها لتاخذ نفسها ثم تواصل سيرها في التراب الرملي، فكانت تقوم من السليم عصر كل يوم سبت لتسير الليل بطوله إلا من غفوة قصيرة لا تتعدى الساعتين في منتصف الطريق فما ان تقف اللواري حتى يسارع المساعديه لفتح كبوت السيارات لتسمع لديتر السيارة وهو يغلي كغلي المرجل من فرط سخانة الماكينة ثم لتواصل مسيرها وتصل مدينة كريمة وقطر (الأحد) على أهبة الإستعداد لمغادرة المحطة في طريقه الى الخرطوم ماراً بعطبرة (مدينة الحديد والنار) والتي كانت تعتبر بمثابة القلب لخطوط السكة حديد... وكان من ضمن سائقي اللواري سائق ضخم الجثة دائما ما يسير في المقدمة وخلفه السيارات الأخرى وهي تخب الأرض خباً في الليل البهيم إلا من أنوار هذه السيارات، و أسمه (محمد جمعة) من أبناء سمت على ما أظن، كما كان هنالك السائق عباس ببسي من أهالي سعدنفنتي بجانب مركبتين أو ثلاثة أخريات...
كنا طلبة آنذاك في مدرسة مروي الثانوية وللحق أقول كانت مدرسة عريقة ذات شهرة أكاديمية عالية وكانت تدخل ضمن الخمسة الأوائل على مستوى السودان أكاديمياً كل سنة... كانت ذات ثلاثة أنهر للفصول، مبنية من الطوب الأحمر بسقف من الزنك مخروطي الشكل، تقع وسط خضرة كثيفة من أشجار النيم والبان حتى ليخيل الى الرائي من بعيد وكأنها مدينة قائمة بذاتها، تتوسطها أربعة داخليات كبيرة هي نبته والبركل من جهة وترهاقا ومهيرة من الجهة الأخرى... وكان لكل داخلية أستاذان يسكنان فيها وكنا نسميهم ضباط الداخليات... وكنا نسكن في داخلية (نبته) وكان ضابطا الداخلية الأستاذ / عيسى إبراهيم عيسى من أبناء فريق (أستاذ جغرافيا) يرحمه الله والأستاذ دقرشاوي وأظن أنه كان من الجعليين أو الرباطاب (أستاذ أحياء)... كانت الأساتذة كلٌ في تخصصه على دراية وخبرة عالية بفنون التدريس في ذلك الزمن الجميل فمنهم الخواجات والمصريون بجانب السودانيين ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أستاذ الجبر الاستاذ فاروق من أبناء كادقلي والأستاذ سليمان لمادة حساب المثلثات وهو من أبناء الغابة واستاذ لمادة الهندسة التحليلية من مصر والتفاضل والتكامل وأخر لمادة اللغة الفرنسية من ذات القطر وأستاذ محمد آدم لمادة اللغة الانجليزية من اهل القرير وما أدراك ما القرير تلك المنطقة الساحرة التي كانت تفرخ الشعراء في كل حين، ولا ننسى أستاذ اللغة العربية الأستاذ عبد الكريم أبو النار وكان شاعرا ضخماً وهو من أبناء شيخ شريف بدنقلا وأستاذ الفيزياء الأستاذ (سمعريت) من أبناء تنقاسي جنوب مروي وكان من أسرة ثرية لعله إبن عمدة تنقاسي وكان يأتي ممتطيا سيارته الملاكي للمدرسة... في ذلك الوقت من الزمان كانت مدرسة مروي فوق أنها متفوقة أكاديميا، متفوقة أيضا في جميع المناشط المدرسية الأخرى ككرة القدم والسلة والباسكتبول والمناشط الثقافية وكانت المدرسة بحضور الأساتذة الأجلاء بجانب مدير (من كريمة) ووكيل المدرسة (حلفاوي) وجمع غفير من أهالي مدينة مروي دأبوا على إحياء الليالي الأدبية والترفيهية بين كل فترة وأخرى... وكان الفنان صديق أحمد في معظم هذه الليالي يشكل حضورا قويا ليشنف الآذان بصوته الرخيم القوي، وكان في بدايات عهده بالغناء وكان يعمل بمستشفى مروي ومثله الفنان محمد كرم الله يرحمه الله كان يحيي حفلات المنطقة لأنه كان يعمل في مصنع تعليب الخضر والفاكهه بكريمة وكنا حضوراً لجميع حفلاته وما كان يتعاطى الخمر قط بل كان يكتفي بكوب من الحليب لتنطلق حنجرته بأعذب الألحان بعد ذلك، وبالمناسبة كريمة على مرمى حجر من مروي وفي الأمسيات ترانا جلوساً فوق سور المدرسة من جهة البحر لنستمتع بمشهد بانورامي ساحر لجبل البركل وهو يقف شامخا يتحدى عاديات الزمن ليروي لنا مآثر أهل النوبة الذين عمروا المنطقة وحكموا منها العالم القديم، كما كنا نتجه بنظرنا صوب الشمال لنرى جنائن نوري رأي العين من المدرسة...
في ذلك الزمن الجميل، كنا نذاكر دروسنا ليلا على أنوار لمبة الجاز بعد أن تنطفئ الكهرباء الساعة العاشرة ليلا... وفي الأمسيات كنا ننزل الى سوق مروي وهي على بعد 500 متر تقريبا من المدرسة... وكانت دكاكين سوق مروي تنار بالرتائن ولا ننسى دكان عم (أقرع) الذي كان يقف مع أولاده في الدكان لتلبي متطلبات الزبائن بهمة ونشاط وكانت من أشهر الدكاكين في السوق، وما كانت توجد في مدينة مروي في ذلك الحين كهرباء إلا كهرباء مستشفى مروي والمدرستين الثانويتين للبنين ومدرسة البنات التي كانت تطل مباشرة على النيل ومشرع البنطون، ومعدية البنطون كان بقرش فقط تخيلوا!! وفي مشرع البنطون كانت تقف بصات صغيرة على الدوام لنقل ركاب البنطون الى كريمة بـ 4 قروش فقط... لا كهرباء ولا تلفزيونات ولا تلفونات في ذاك الزمان ومع ذلك أجزم أنه من أجمل السنوات التي قضيناها فوسيلة التواصل الوحيده مع الأهل كانت الرسائل (الخطابات) عن طريق البوستة... فكانت الرسالة تأخذ أكثر من شهر الى أن ترد الينا مرة أخرى من منطقة المحس....
ومدرسة مروي كانت من أنشط مدارس الشمالية سياسياً، كان الشيوعيون والإخوان المسلمين في مناوشات فكرية دائمة وكانت رئاسة الإتحاد يسيطر عليها الشيوعيون وأذكر أن الدكتور علي القراي وكان طالبا حينذاك في جامعة الخرطوم، زارنا في ذلك الحين لعمل ندوة عن الفكر الجمهوري... كما لا أنسى ذلك اليوم الذي سمعنا فيه من مذياع متهالك كان لرئيس داخلية البركل، للمقدم حسن حسين وهو يذيع بيانه العسكري للانقلاب وكانت الفرحة بادية على جماعة الاخوان المسلمين إلا ان تلك الفرحة لم تدم سوى سويعات قليلة...
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 842

خدمات المحتوى


حمدي حاج هلالي
حمدي حاج هلالي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة