04-13-2011 12:48 PM

توطين الحركة

فيصل محمد صالح

كتبت من قبل عن ضرورة اهتمام الحركة الشعبية بأمر توطينها في الشمال، وهي مسألة في غاية الأهمية والتعقيد، كونها تتطلب رؤية وفكر جديدين. لا بأس أن تواصل الحركة الاعتماد على الرؤية الأساسية للسودان الجديد، بمعنى تبني الدعوة لإقامة دولة مدنية ديمقراطية قائمة على احترام التنوع والعدالة والمساواة والمشاركة الكاملة في السلطة والثروة لكل المجموعات والتيارات السياسية السودانية. هذا فهم عام وجزء من اجتهادات الفكر الإنساني التي لا تحدها حدود ولا قيود، ولا تتوقف عند بلد أو شعب معين، ومن حق الجميع أن ينهل منها .
لكن تحتاج الحركة، إذا هي قررت ان تطرح نفسها كتنظيم سودان وطني عام، أن تقوم بما اسميته \"التوطين في الشمال\"، وأعني بها أن تغوص بجذورها في تربة الشمال حتى تنبت فيه، والشمال هنا يعني كل الجزء المتبقي من السودان، فيما عدا الجنوب الذي انفصل.
معلوم أن الحركة نشأت في الجنوب، وبقاعدة عضوية من الجنوب، لكنها طرحت نفسها بأفق قومي لكل السودان، على الأقل وفق رؤية مؤسسها الدكتور جون قرنق، لكن من الأمانة أن نقول أيضا أن الحركة ظلت في صراع مستمر بين وجهها القومي وجذرها الجنوبي، وبغياب الدكتور قرنق تغلب الأصل الجنوبي على الأفق والبرنامج القومي، واستولى التيار الانفصالي على قلب وعقل ومفاصل الحركة وقاد الجنوب لانفصال.
ولأن للحركة وجود وعضوية في الشمال فقد برز سؤال ماذا سيفعل هؤلاء؟ وماذا سيحدث لهم ولتنظيمهم؟. ارتفعت أصوات هنا وهناك ترفض وجود الحركة في الشمال باعتبارها حزب أجنبي، مثلما ارتفعت أصوات أخرى تنادي بحق الحركة –قطاع الشمال بطرح نفسها كحزب سياسي والعمل أسوة بكل الأحزاب والقوى السياسة السودانية التي يمكن أن تكون قد أخذت أفكارها الأساسية من جذر غير سوداني، سواء كانت الماركسية او الليبرالية أو فكرة الاخوان المسلمين او التنظيمات القومية. واتفقت آراء كثيرة أن لقطاع الشمال حق دستوري وقانوني في العمل كحزب منفصل في الشمال، وهذا هو التحدي، لأن الشرعية الدستورية والقانونية وحدها لا تكفي، ولا بد من المشروعية السياسية.
أخطر ما تفعله الحركة الشعبية في الشمال، بنفسها وجماهيرها، هي أن تتصرف كفرع أو تابع للحركة الشعبية في الجنوب، هنا ستهزم نفسها وتلغي مشروعيتها السياسية التي هي مدخلها وبطاقة تعريفها للجماهير. ومن المخاطر ايضا ان تظل تطرح نفسها كتنظيم لمجموعات اثنية أو عرقية معينة، فهنا ستحصر نفسها في بعض مناطق جبال النوبة والنيل الازرق، ولن تتعدى هذا الموقع لاي مكان آخر.
ولان الرؤية ليست واضحة حتى الآن في ذهن قبادات الشمال، فقد كانت مشاركة جيمس واني إيقا والسيدة ريبيكا قرنق في الحملة الانتخابية في جنوب كردفان خطأ سياسيا كبيرا. أعلم أنه من ناحية دستورية وقانونية لا يزال الجنوب جزءا من السودان، لكن على الصعيد السياسي فقد تحقق الانفصال وأخذ الجنوب دولته المستقلة، وكان من الأفضل لو اعتمدت الحركة على كوادرها الشمالية التي ستكون هي قيادتها بعد التاسع من يوليو، لا على إيقا وريبيكا اللذين صارا أجانب باختيارهما. لن تنقطع علاقات الشمال والجنوب بالتأكيد، ولسنا من أنصار القطيعة، بل لم نفقد الأمل تماما في وحدة مستقبلية بأي شكل كانت، لكن هذا لايغير من الحقائق التي تقول أن الجنوب صار دولة مستقلة، تهمنا أموره واوضاعه، مثلما تهمه ظروفنا وأوضاعنا، لكن ليس لدرجة المشاركة في الحملات الانتخابية.
ثم انظر لعدم التوفيق الذي لازم السيدة ريبيكا قرنق وهي تخصص جزءا من خطابها عن هوية السودان وعروبته وأفريقيته، إنه خطاب يفتقد للحساسية واللياقة والذكاء السياسي. نعلم أن موضوع الهوية لم يحل بذهاب الجنوب، لكن من غير اللائق ان يأتي من شخص خارج دائرة ما تبقى من الوطن، إلا في المنابر البحثية والأكاديمية ربما، وليس المنابر السياسية والحملات الانتخابية.

الاخبار





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1500

خدمات المحتوى


فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة