04-13-2011 06:20 PM

الرقص فوق جماجم الفقراء

د. عبد الله محمد قسم السيد
[email protected]

الدمار الذي ألحقه نظام الإنقاذ بالسودان لم يقتصر على تدمير بنيته التحتية في مجالات الإنتاج الزراعية أو الصناعية أو في مجالات الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها أو في المجال الإجتماعي بإعادة الشعب إلى النعرات القبلية والجهوية لتمزق السودان على أسس إثنية، ولكن الدمار وتأثيره السلبي على الفرد والمجتمع وصل إلى تغيير المفاهيم والمواقف في ذهنية المواطن بعد ربطها بقيم الفهلوة والتدليس والشوفونية للوصول لأهداف ذاتية شخصية ومن ثم تغلغلت في المجتمع لتصبح العقلية الجمعية لديه لا تميز بين الجد والهزل واللامبالاة فيما يتعلق بالوطن والدفاع عنه وبين الوطنية وسلوك المواطن اليومي للمحافظة على موارده الإقتصادية والبشرية. الأمر الذي أدى إلى تجهيل جمعي للشعب السوداني خلال الواحد وعشرين عاما الماضية ولم يعد يفرق المواطن بين الهم الوطني والمنفعة الآنية الشخصية ولا يفرق بين التضحية حتى الموت في سبيل الهم الوطني وبين السعي خلف اللهو لساعات مع نهيق وآهات مفتعلة لبعض الفنانين الذي يتغنون بأغاني الموتى والأحياء من فناني السودان العظماء.
تؤكد لنا بعض الصور التي نراها فتزيدنا هما وغما وحزنا بأن ما زرعه نظام الإنقاذ من اللامبالاة والتمحور حول الذات فيما يتعلق بالمنفعة والمصلحة بدأ ينعكس على الشخصية السودانية فدمر المتعارف عليها من قيم التمرد على الواقع الآسن ليحل محلها قيم شخصية الخنوع والقبول بالأمر الواقع من خلال نظرة المصلحة الفردية. تبرز تلك الصور من بين قصور الرفاهية والدعة كما تبرز من ركام الفقر وجحيم الحرمان. وعلى الرغم من أن العقل يرفض مثل هذا الجمع لوحدة الرأي في حالة الفقر والغنى، في حالة العدم والوفرة وفي حالة الدعة والشقاء إلا أن هذه الصورة المتناقضة موجودة في حياتنا يجسدها الواقع الذي يعيشه أهل السودان اليوم وهم يرون أمام أعينهم كيف أن كرامة المرأة تهان وكيف تجلد فتاة دون الثامية عشر أمام أعين العالم ولا من مستجيب لصرخاتها، وكيف تغتصب النساء ويعترف بعضهن بتلك الفعلة المشينة أمام العالم ويعترف قادة نظام الإنقاذ بفساد نظامهم وتكون له هيئة خاصة ولكن مقترفيه يحاسبوا وفق \"فقه السترة\" في دولة تدعي بأنها تنفذ شرع الله. كل هذا التناقض متواجد بسبب سيادة المصلحة الفردية وغياب العدالة والعفة والنزاهة والحكم الرشيد.
الدمار الذي ألحقه نظام الإنقاذ لم يقتصر على من هم بالسودان ولكنه شمل من هم بالخارج أيضا باللامبالاة وعدم الإكتراث والنظرة الفردية في المنفى الإختياري والإجباري في تعاملهم القسري مع سفارات نظام الإنقاذ والحركة الشعبية وليس سفارات السودان وشعبه. فسفاراتنا لا تعكس واقع السودان كما أن مواقف بعض ممن هم بداخلها لا تعكس ما وقر في نفوسنا عن العمل الدبلوماسي والدبلوماسية حين أصبحت السفارات مرتعا للترضيات ومأكلة للصحاب ووضعية لتكملة الوجاهات حتى أصبح البعض المحظوظ من أهل الولاء والصحبة يظن أن ذلك المقعد الذي يجلس عليه قد أتاه تكريما لشخصه ولذاته ولس خادما للسودانيين بالخارج يفيمارس في ضوء ذلك ما يوحي إليه رأيه الشخصي وفق الحال والزمان فالقانون هو والحاكم هو وبالتالي الكل من السودانيين في محيط سفارته تحت رحمته وخدمته.
فكما عملت قيادات السودان شمالا وجنوبا على تمزيق السودان وفق مصالحهم الذاتية والحزبية كان حال حكامنا الصغار في السفارات يرون ما يريدون وينفذون ما يشاءون وفق حساباتهم الظرفية ووفق رؤآهم الشخصية فلا حال الوطن يحكمهم ولا فقر إنسانه يؤنبهم. فقد سمعنا كيف أن سفارات قامت بدفع رسوم أعضاء جالياتها لتحتكر الفوز بلجانها ومن ثم تتحكم في قراراتها كما نعرف كيف درجت سفاراتنا على القيام بما تسميه إحتفالات الجاليات وتصرف عليها ما تشاء وما تريد ويتقبلها البعض جهلا بأبعادها دون النظر في مردودها ليس على من هم جزء من تلك الجالية ولكن على من هو قابع في ذلك الركن القصي من أرض السودان. فكم صرفت سفاراتنا بالخارج لتفرح الجاليات خلال هذه الإحتفالات بلا فرح؟؟ ألم يكن أجدى وأنفع أن تصرف تلك الأموال على دافع الضرائب المهزوم والمقهور نفسيا بدلا عن صرفها لمن يستطيع الصرف على إحتفالاته؟ هذه الصورة التي يبدو أنها تهدف لإسعاد الجاليات لم يجدها أعضاء هذه الجاليات في محنهم التي فاجأتهم كما حدث في لبنان ومصر وفيما يحدث الآن في ليبيا وانكشف قناع هذه السفارات بما فيها ما يسمى ب \"وزارة المغتربين\" والتي مصت دماءهم بعد أموالهم حين عملت الخارجية السودانية ثم رئيس السودان على تبرير قتل الجالية في ليبيا حينما أشارت إلى إشتراك بعض المنتمين إليها في القتال. يجادلني أخوة أعزاء وأحباب كرام بأن الفرحة مع \"سكان\" السفارة أمر شخصي وإجتماعي ولا علاقة له بالسياسة ويطالبون بعدم الخلط بين السياسة والإجتماعيات خاصة إذا ما كان من \"سكان\" السفارة من كانت سيرته الشخصية \"حبوبة وظريفة\" ولا تنتمي إلى قبيلة نظام الإنقاذ الفاسد ولا إلى مشروعه الحضاري السياسي. وعلى الرغم من يقيني بروح الأخوة والإخاء لدى البعض من \"سكان\" السفارات إلا أن ذلك لا يعني التغاضي عما ترتكبه هذه السفارات في إطار الشمولية للنظام بإعتبارها جزء منه وحتى بعد الإتفاقية الشاملة فإن هذه السفارات مثلت ثنائية تلك الإتفاقية بعيدا عن مصالح الشعب السوداني وذلك حين إنقسم السودان وأهدرت ثرواته في بذخ وشوفونية دون مراعاة للشعب الفقير الذي تدعي هذه السفارات تمثيله.
.


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2768

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#128631 [مراقب]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2011 08:52 AM
اود ان اضيف لكلام الدكتور اضافه 0في السابق كل المؤسسات والهياكل في الدوله ونظم العمل وضعت بتراكم خبرات من اجيال شهد لها بالمعرفه والمهنيه والوطنيه والاخلاص0
ورغم الفقر الكان موجود كان اساس البنيه التحتية لكل شي موجود رغم عدم تتطوره وعدم قيام البنيات ولكن حجر الاساس كان موضوع بصوره صحيحة للمستقبل

فاتي هؤلا ولا نعلم من اي كوكب اتوا فهم لايشبهوا طباعنا السودانيه اتو ودمروا كل شي
واستعانوا بالشرائح الضعيفة والضعيفه هذه كلمة لااقصد بها الفقرا فكم من وزراء الحكومات السابقة كانوا من اسر فقيره لكن عينهم مليانه 0

فهؤولاي استاعنوا باللضعفاء اخلاقيا ومهنياً واقتصاديا
واوهم بانهم شعب الله المختار وانهم حماة الوطن وزينوا لهم الفساد بمختلف ضروبه ، واعتبروا انفسهم بمنزلة اهل بدر لايضيرهم مافعلوا بعد جهادهم في الجنوب والسعي في حصولهم على السلطه 0
انا شخصيا مستاء من اشياء في هذه الحكومه الاول سياسة التعليم العشوائية والخاليه من اي ماده عمليه وعلميه مفيده
والثاني تدميرهم للخدمة العسكريه والمدنيه والثالث تعليم الناس النفاق والانبطاح
والرابع العمل على تخلي الشعب السوداني من قيمه
والخامس الانحطاط الاخلاقي والسادس محاربة المواطن السوداني والعمل على إذلاله كانه عدو
و كثير كثير كثير لكن انا مؤمن بشي واحد ان هذه الحكومه نهايتها قربت وانا بقول الكلام ده وانا حزين لان فقدان هذا النظام سيتبعه فقدان السودان


#127673 [سودانية]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2011 12:53 AM
وليه ماشي بعيد يادكتور للسفارات اللي في الخارج هنا في السودان اصغر موظف استقبال في اصغر مركز صحي في اطراف اطراف البلاد بيتعامل معاك بدونية وعنجهية وناسي ان ماهيته اللي بياخدها دي انت اللي دافعها من حر مالك وحلالك , لو كترت الكلام معاه ممكن تتطرد شر طردة ،،، كل افضليته عليك انه من اصحاب الحظوة اللذين نالوا وظيفة في حضرة صاحبة الجلالة حكومة الانقاذ الحنينة علي اولادها ونار جهنم علي غيرهم ،،، حسبي الله ونعم الوكيل فيمن اضاع الوطن والبشر ;( ;( ;( ;( ;(


#127582 [الحقيقة المرة]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2011 07:59 PM
عارف يا دكتور إنت ضربت على الوتر الحساس كلامك زي ما بقيلو جا على الجرح \"عد اللامبالاة\" كلمة السر الكلمة المفتاحية لكل مشاكل السودان فالسودانيين تحولو لشعب غير مبالي من الطراز الرفيع لو تقول ليهم البلد الفلاني ولا البلد العلاني تلقاهم يفتو ليك بالطول والعرض لكن لما يجي الكلام جد ويصبح السودان وأهل السودان في الميذان دي من طينة ودي من عجينة منتهى عدم اللامبالاة تحس وكأنه السودان د ما بلدهم


#127551 [سروب اور]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2011 06:40 PM


لعنة الله عليكم ايها الفاشلين السارقين مال الشعب باسم الدين

لعنة الله عليكم ايها الحرامية

حكومة المؤتمر الوطنى وصمة عار فى تاريخ السودان ايها السفله


#127541 [blackberry]
0.00/5 (0 صوت)

04-13-2011 06:34 PM
هنالك.... من المواضيع والمقالات الجيدة لا يستطيع الشخص الرد عليها من فرط إعجابه بها غير أن يضغط علي زر التقييم , وهاااااااااا أنا أقيم هذه المقال عشرة علي عشرة
شكراً دكتور عبد الله .


د.عبد الله قسم السيد
مساحة اعلانية
تقييم
2.86/10 (17 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة