المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
أحمد الملك
لا أريد أن أرهقك بحملى وإعادتى إلى ظهر الحمار!
لا أريد أن أرهقك بحملى وإعادتى إلى ظهر الحمار!
04-15-2011 02:24 PM

لا أريد أن أرهقك بحملى وإعادتى إلى ظهر الحمار!

أحمد الملك

سمل لم ينتبه فى البداية لطاقة الحنين التى انفتحت فجأة على فضاء دواخله وبرنامج حياته اليومى الثابت، يستيقظ مبكرا كل يوم حتى فى موسم الصيف حين لا يكون هناك عمل كثير يجب القيام به، يحمل طنبوره ويغادر البيت حتى لا يزعج زوجته وجدتها، ينشغل أحيانا بتقليم جريد شتوله، بفضل جهوده أمكن تأهيل جزء من مزرعة النخيل رغم أن الجزء الأكبر من النخيل القديمة سقط بفعل العطش والرياح. يستيقظ مبكرا رغم أنه يخلد للنوم متأخرا خاصة فى ليالى الصيف حين يذهب للغناء فى الإنداية التى يسميها بعض تلاميذ المدرسة :سوق الحب، لم يفكر فى التوقف عن الذهاب إلى هناك، رغم أنه كان يشعر أحيانا بالملل من تكرار نفس الأغانى وسماع نفس ردود الأفعال المبتهجة فى اللاوعى. حتى إنه كان يتوقف أحيانا فى منتصف الأغنية، يسحب ألحانه من الجو ومن آذان السكارى ويغادر المكان، لا يحاول أحد أن يثنيه عن الرحيل، كلهم بمن فيهم سيدة البيت تعرف نوبات مزاجه، لا يعطى أبدا انطباعا أنه يغنى لشخص ما، ينكفئ فى قاع روحه حتى وهو فى أوج ذوبانه فى العالم الذى يعيد تشييده من خلال ألحانه.

ذات مرة توقف أحد السكارى فوقه، وبسبب إرهاق البهجة، انهار بجسده الضخم فوقه، واختلط اللحن بسيل من الدموع واللعاب، لم يحدث شىء، استمر الفتى يغنى وكأن شيئا لم يحدث، حتى جاءت فتيات البيت وسحبن الجسد الضخم من فوقه. بالعكس لم يبد عليه ولا حتى أنه استاء من تصرف السكير، الذى اشتهر بالوقاحة مجرد أن يشرب كأسا واحدا من عرق النخيل حتى يبدأ فى توزيع شتائمه على الجميع، يعرف كل شىء عن كل الناس فطوال أعوام لم يقم بأى عمل نافع سوى بقائه طوال اليوم أمام بيته فى الشارع العام، متسترا خلف لافتة السأم وقرض الشعر لمواجهة العالم، يعيش من فتات معاش ضئيل ومساعدات قليلة يرسلها شقيقه المسافر. كان يرأس كل اللجان التى تتكون فى القرية والتى لم تحل طوال عقود ولا حتى مشكلة واحدة. وبسبب غرامه بأخبار العالم، كان يجلس سحابة نهاره تحت ظلال شجرة النيم أمام بيته، وبسبب كبر سنه، يتوقف الجميع للسلام عليه، ينزل الصبية من على ظهور حميرهم حين يعبرون من أمامه حسب العادة المحلية فى توقير كبار السن. بإمكانه بالطبع إيقاف ذلك إن أراد، لأن بعض الصبية يكونون فى عجلة من أمرهم للحاق بالمدرسة أو العمل، لكنه لم يجد فى ذلك مبررا ليتنازل عن الاحترام الذى يستحقه بسبب السن، لم تكن له من أمنية سوى أن يقود انقلابا عسكريا يغرق العالم فى البهجة. ذات مرة ارتكب أحد الصبية تلك الجريمة التى لا تغتفر، عبر من أمامه وهو على ظهر حماره، فيما صوت غنائه غير المتسق مع مظهره يغرق العالم فى دوامات من الغبار والحنين.

أوقفه العوض بصرخة مزقت دوائر الغبار والحنين وأرعبت الحمار فألقى بالصبى أرضا، لم يأبه العوض إلى أن الصبى كان يبدو غريبا وبالتالى ربما لا يعرف العادات المحلية.

لماذا لم تنزل من الحمار حين مررت من أمامي؟ ألا تحترم من هم أكبر منك سنا؟

قال الصبي: إننى أحترم كبار السن دون الحاجة لمغادرة حمارى.

صعق العوض من الرد، كان يتوقع أن يعتذر الصبى بسرعة وينتهى الموضوع خاصة أنه كان على وشك الدخول إلى البيت لأن وقت القيلولة اقترب حتى يستعد مساء للذهاب إلى الأنداية، قال بغضب: هل جننت يا فتى ألا تعرف عادات هذه البلدة، كيف تمر أمام الناس وأنت تركب حمارا؟!

قال الصبى: فى هذه الحالة أنت المخطئ يا سيدي!

كانت المرة الأولى تقريبا فى حياة العوض التى يقول له فيها شخص ما أنه مخطئ، رغم أنه فى الحقيقة ارتكب عددا من الأخطاء كفيلة برفعه لمصاف شيطان صغير، والمرة الأولى التى يناديه فيها شخص ما: يا سيدى. تذكر أن والده الراحل هو الذى كان يقول له دائما: أنت مخطئ، حتى حين يبذل جهدا فى إنجاز شىء ما على أفضل وجه، كان والده دائما يجد خطأ صغيرا يضيع به كل إنجازه.

عرف العوض أن الفتى غريب عن البلدة، فآثر أن يستخدم الصبر، خاصة أن الفكرة بدت له مسلية مع سأم القيلولة. سحب نفسا من سيجارته وقال:

هل يمكنك توضيح الخطأ الذى ارتكبته؟

قال الصبى: مفروض أن تضع لافته فى مدخل الشارع تكتب عليها: ممنوع ركوب الحمار بين اللافتتين!

بدت الفكرة جيدة ومسلية حتى إن العوض كبح بصعوبة ضحكة كادت تفلت منه، قطب وجهه وقال: وما الداعى للافتة إن كان الجميع هنا ومنذ مولدهم يعرفون أن احترام الكبير له قوانين وأصول.

قال الصبى: لم أكن أعرف أن مجرد التقدم فى السن يصبح إنجازا، فى جوارنا يوجد رجل رأيته منذ أن وعيت على الدنيا وأنا أراه يجلس أمام بيته لا يقوم بأى عمل سوى الشجار مع بعض العابرين أو التحادث مع بعضهم، لقد مرت أكثر من عشر سنوات الآن وهو لا يزال فى مكانه ولابد أن احترامه قد تضاعف حسب ما تقول!.

ارتبك العوض قليلا وقال: قد يسىء البعض مزية السن لكن ذلك لن يغير من الأمر شيئا، يجب احترام من رأى الشمس قبلك.

ضحك الصبى وقال: ثمة بلدان كما درسنا فى الجغرافيا لا يرى فيها الناس الشمس منذ مولدهم وحتى مماتهم، هل يعنى ذلك أنه لا يوجد احترام هناك بين الناس؟

وجد العوض وقاحة الصبى مسلية لكنه لم يجازف بالضحك خوف أن يفهم الصبى ذلك أنه اعتراف بالهزيمة. قال بهدوء: حتى إن لم تكن هناك شمس لابد أنه توجد وقائع يمكن الاستدلال بها على أن شخصا ما يملك خبرة بالعالم أكثر من شخص آخر.

قال الصبى: كلامك صحيح، الخبرة والمعرفة وليس السن، فى كل الأحوال بودى أن أحافظ على طرق الاحترام القديمة، لكن المشكلة لا توجد فى المدينة التى أعيش فيها حمير، هل أطلب من السائق مثلا كلما مر شخص كبير السن إيقاف الحافلة، وأنزل منها حتى يمر الشخص المسن، ثم أطلب من السائق مواصلة الرحلة بعد ذلك؟ وفى الحافلة يوجد أناس كثيرون إذا رغب كل منهم إظهار احترامه لأحد المارة فكم شهرا ستستغرق رحلة الذهاب إلى المدرسة؟

كان ردا منطقيا، لكن العوض لم يرغب فى الاستسلام.

قال: لقد كنت فى العاصمة، عشت فيها سنوات، هناك مناطق فى العاصمة ستجد فيها نفس عاداتنا، ربما لا توجد حمير يستخدمها الناس للذهاب من مكان لآخر، رغم أنه توجد تلك التى تستخدم لجلب الماء من نهر النيل، أو تلك التى يستخدمها باعة اللبن. نعم الناس هنالك متعجلون، كأنهم يطاردون قطارا يأتى دائما قبل موعده، ربما هو هلع لأن أعدادا كبيرة تعيش فى مكان واحد وتطارد الرزق نفسه، أشبه بلعبة الكراسى.

ولماذا تركت المدينة لتعود إلى القرية؟

لا فرق، قال العوض، فى المدينة كنا نطارد الرزق ليلا ونهارا، نعمل كالثيران فى كل شىء وحين يحين وقت الإفطار لا نجد فى جيوبنا شيئا ندفعه ثمنا للخبز، هنا نعمل أقل لأنه لا يوجد شىء كثير لعمله، وأيضا حين يحين وقت الإفطار لا نجد فى جيوبنا مالا لندفعه، إذن ما الداعى لنترك بيوت أجدادنا؟

قال الصبى: لكنك هناك تتعلم أشياء تغيب عنك هنا.

قال العوض: بسبب سباق الرزق لا يوجد للناس هناك وقت كثير لكى تتعلم منهم شيئا. يمارسون الحياة بضراوة كأنهم يتعجلون الموت باستهلاك الحياة حتى آخر قطرة.

لكن للحياة هناك طعم مع المعاناة بعكس إيقاعها البطىء هنا؟

الفكرة واحدة قال العوض، هناك يستهلكون الحياة، ربما الناس هناك عمليون أكثر، يعرفون أنها مهزلة، يجب الخلاص منها بسرعة. هنا ربما الاستيقاظ المبكر والعالم لا يزال غارقا فى ظلامه، الاستماع لأصوات الطبيعة، الطبيعة التى هى جزء من حياة الناس، إذا غنى طائر فى وقت ما ستجد لذلك دلالة ما، الحر الشديد الذى يجب أن تتعايش معه دون أن تفكر فى هزيمته بالكهرباء، كأن الطبيعة تحفظ لك جميل عدم منازلتها، فتوعز للموت أن ينساك أو أن القصة ببساطة أن لا فرق بسبب عدم مرور الزمن، بين الحياة والموت هنا. حين يحضر الموت شخص ما لا يشعر بالفرق أو بأنه يخسر شيئا. يتم الانتقال بسهولة، نعيد غرسه كأننا نغرس شتلة نخيل تخضع لدورة النمو الطبيعية. تخرج من الأرض ثم تعود إليها ثم تخرج مرة أخرى، إنه الحنين إلى الضوء يدفعنا للحياة أكثر من الحنين إلى الماء. وحين يموت شخص ما، يمكن لأى شخص أن يجلس فى مقعده أمام البيت ليخلفه فى انتظار الموت!

قال الصبى، تبدو صاحب تجارب كثيرة، أين كنت تعمل فى المدينة؟

ضحك العوض وقال: أنا مجرد مزارع مسكين، حين كنت مثلك كنت أحلم أن أقوم بانقلاب، كنت أحلم بعالم تسوده العدالة، يتشارك فيه الناس فى كل شىء، ضللت طريقى لأصبح مدرسا، ثم صرت نقابيا، ثم طردت من كل شىء وسجنت بدعوى انتمائى لليسار، والآن لا طموح لى إن قمت بانقلاب سوى أن أمدد ساعات الليل ليصبح أطول قليلا، وأبحث إمكان زيادة الليالى المقمرة أيضا. لأننى أحب النوم فى ضوء القمر، حين تخلد لنوم خفيف فى ضوء القمر، نوم خفيف لا يستغرقك بالكامل، تتأرجح فيه على مركب يعبر فوق أمواج ضوء القمر ويتصاعد من داخل الضوء صوت غناء وعزف على الطنبور يترقرق فى الأثير المشحون برائحة موسم الدميرة، لا تصبح محتاجا للجنة. يصبح الكلام عن الحساب والعقاب دون معنى.

أصبحا صديقين، رغم أن الصبى لن يبقى طويلا فى القرية، فقد جاء لقضاء بضعة أيام، أرسلته والدته ليزور القرية ويتعرف على أقاربه وأيضا ليجمع نصيبها من التمور من مزرعة نخيل صغيرة تركها المرحوم والدها، وكان أحد أشقائها يقوم باسثمارها ولا يحصلون منه على شىء من نصيبهم. أصدر العوض قرارا باستثنائه من مشاق احترام الناس، لن يحتاج للنزول من على ظهر حماره حين يعبر أمام كبار السن فى القرية. لكن الصبى اقترح حلا آخر، سيحمل فى المرة القادمة لافتة مكتوبًا عليها: إننى أحترمك كثيرا لكننى ركبت على ظهر هذا الحمار بصعوبة بسبب قلة خبرتى فى استخدام وسائل المواصلات التى تتنفس! اقترح العوض صياغة أخرى مختصرة لأنه يوجد من لا يجيد القراءة هنا سترهقه قراءة لافتة طويلة، وقد يضطر لإحضار من يقرأ ويكتب له رسائله لقراءة اللافتة مما يعنى عبئا ماليا إضافيا!: هل سترغب فى حملى وإعادتى مرة أخرى إلى ظهر الحمار بعد أن أظهر احترامى لك؟ أو يمكنك القول: يكفيك النقرس! لا أريد أن أرهقك بحملى وإعادتى إلى ظهر الحمار!

من رواية بيت في جوبا

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1989

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#128609 [adil]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2011 08:08 AM
خلي مني سليمان تتعلم منك شوية بدل كتاباتها التي لا تقنع الاطفال


#128550 [ابو يمني]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2011 11:37 PM
لأول مرة أقرأ لهذا الكاتب ، وأسرتني جداً طريقته في الحكي وجعل الحوار مليئاً بالتفكر
لك إعجابي وتقديري أحمد المك


أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية
تقييم
6.50/10 (9 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة