07-21-2017 03:02 PM

لم نكن نخفي فرحتنا ونحن أطفال حينما نرافق أهلنا المزارعين الى مكاتب التفتيش التي تتحول الى أسواق عامرة في أيام صرف أرباح القطن أو سلفيات تمويل الموسم الزراعي في زمان ٍ كان مشروع الجزيرة يحمل على كتفيه الوطن كله !
في ذلك اليوم المشهود تركني جدي أجلس بالقرب من أحد باعة الخضروات ريثما يقوم بجولة لشراء حاجة الأسرة من التجار الذين يفترشون الأرض في كل جنبات السوق ..وفجأة سمعت جملة تطرق أذني للمرةالأولى في حياتي ..ياهو ياهو الحرامي و أناس بالعشرات يرددونها وهم يتجهون بسرعة فائقة ناحية زاوية الجزارة .. فانتابني الخوف و قمت أركض مع الراكضين ..ويا ليتني ما فعلت إذ رايت مشهدا مؤلما لا زال عالقا في شاشة تلك الذاكرةالتي كانت غضة ورغم مرور ما يزيد عن نصف القرن .. عشرات الرجال تحلقوا حول شاب مفتل العضلات والكل يوسعه ضربا بما حمل في يده من طوب وعصي و أحذية والفتى صامد يقاوم في جسارة ويحاول تبرئة نفسه بأنه ليس الحرامي ولم يسرق شيئا حسب زعم أحد الذين نشلت من جيبه حصيلة موسمه الزراعي !
ظلت كلمة ياهو ياهو تتردد في أصداء أعماقى والمشهد المرعب يتراقص أمام ناظري دون أن يمحوه غبار الزمن وتتالي الأحداث اللاحقة !
الان في غمرة هلع الناس الذين استسلموا لفرضية وجود خاطفين للبشر بغرض المتاجرة بقطع غيارهم الثمينة ..ومن أين .. !
من قلب وأطراف العاصمة .. فمن السهل جداً أن يعلق أحد الأبرياء بين أياد الغضب والهلع وهو يحمل اطفالا أونساءا في سيارته لمجرد أن يهتف بعض السابلة .. ياهو ياهو الخاطف .. فيتجمع حوله الناس ويوسعوه ضربا و يحرقوا سيارته قبل مجي الشرطة ..ولعل حادثة فتاة شارع البلدية شاهداًعلى ما لقيه الرجل الذي ظن الناس أنه خاطفها ..واتضح لاحقا أن لبسا ما شاب الموقف !
وجاءت المشاهد المصورة اليوم من منطقة عد حسين بالأزهري لتضيف مأساةجديدة تعكس تلك الهستريا التي تملكت الشارع .. فتم الإعتداء على أناس لم تتأكد واقعة ضلوعهم بعد في تلك الحوادث المزعومة ..ولكن الجماهير المحبطة طبقت فيهم قانونها الخاص إدانة وضربا وحرقا لمركباتهم قبل أن تحضر الشرطة لإنقاذهم وأخذهم للتحقيق بعد أن تمت محكمتهم قبله وطبقت عليهم العقوبة سلفاً!
سابقة موت السيدة أدبية عليها الرحمة صارت ماثلة في مخيلة الناس مثلما علقت حادثة المتهم التي تبعتني منذ الطفولة ..و السيدة فاطمة الشفيع التي حكت بالصورة والصوت طريقة إختطافها من ضواحي الخرطوم حتى تخلصت من خاطفيها لحسن حظها عند تخوم الدويم البعيدة .. لازالت الشرطة تصف ما حكته بأنه محض مزاعم ولم تفصح عن حقيقة أوعدم صحة الواقعة وفقا لما خلصت اليه تحقيقاتها في الأمر .. مما زاد الصورة قتامة و غموضاً ..!
فعدم شفافية بيانات الجهات المختصة بتنوير الرأي العام في دوائر الشرطة والأمن العام يزيد من تعقيدات المشهد ويفاقم من حالة الإحتقان والرعب في نفوس الناس الذين ينتابهم الخوف كلما سرت الشائعات التي بات من السهل فبركة توثيقها ونشرها بسرعة البرق ..وهوأمر سيظل يشكل نوعاً من الإرتباك ..وستصبح عبارة .. ياهوياهو الخاطف ..هي صحيفة الإتهام التي قد يجرّم نتيجة سماعها في أي ملمة قريبة إنسان بريء ربما يفقد حياته أو مركبته على أقل تقدير قبل وصول الجهات المختصة لتنقذ ما تبقى فيه إن هو ظل صامداً حياً .. ولن يفيده كثيراً بعد ذلك إعلان تلك الجهات.. إنه مظلوم و لم يكن ياهو الخاطف !

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2209

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية
تقييم
5.17/10 (9 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة