07-21-2017 11:23 PM

مبارك المهدى والحاجة للوقوف عند المحطات الكبيرة

طلبت من الاخ والصديق احمد خليل مسلم ان يرشدنى إلى الأماكن التى يباع فيها كتاب السيد / مبارك عبدالله الفاضل المهدى بعنوان : (ماذا جرى ؟ اسرار الصراع السياسى فى السودان 1986-2016) الذى دشن بقاعة الشارقة يوم السبت الاول من يوليو 2017.فأحضرلى أحمد نسخة من الكتاب مهداة من الكاتب شخصياً ولكليهما جزيل الشكر.وقبل مواصلة الحديث أرجو ان أوضح للقارئ الكريم أننى كنت عضواً ناشطاً فى الحزب الشيوعى السودانى منذ كنت طالبا بالصف الثانى فى مدرسة خورطكت الثانوية فى العام الدراسى1965/64 .ولكننى غادرت الحزب الشيوعى فى هدوء عند التوصل لقناعات قوية بأن دكتاتورية البروليتاريا وتملك الدولة لوسائل الانتاج (الاشتراكية) لا تجلب خيراً بل تجلب الاستبداد والظلم والفساء والبؤس.ودخلت بعد ثورة ابريل 1985 حزب الامة الذى كنت ولازلت اعتقد انه امتداد للثورة المهدية التى قامت من اجل استقلال السودان والتحرر من الظلم وإقامة الدين (توحيد الله وعبادته وطاعته واقامة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على قواعد الحرية والشورى والامر بالمعروف والنهى عن المنكر والمساواة والعدل والرحمة والتسامح والامانة والصدق وعمارة الارض واطعام الناس من الجوع وتأمينهم من الخوف واحترام خصوصية اصحاب الديانات والثقافات الاخرى والتعاون معهم فى البر والتقوى.....الخ)أى اقامة دين الله الحق وليس دين التمكين والاستبداد والظلم والفساد. ولا تربطنى بالسيد مبارك علاقة حزب سياسى أو قرابة أو مصاهرة أو صداقة أو معرفة مباشرة وقد قابلته وجهاً لوجه وصافحته مرة واحدة فى حياتى عندما ذهبت الى اداء واجب العزاء فى وفاة المرحوم مادبو ابن الدكتور ادم موسى مادبو قبل حوالى سنة ونصف بالتقريب.
وقد صدمت عند انضمامى لحزب الامة بالتنافر والتناوش بين قادة الحزب ورموزه.وكان مبارك عبدالله الفاضل المهدى هدفاً لرماح بعض اصدقائى وأخوانى من ابناء غرب السودان.وقد دفعنى ذلك الى البحث ومعرفة حقيقة ما يقال عن الرجل.وقد وجدت شبه إجماع من الذين يعرفون مبارك عبدالله الفاضل المهدى جيدا من داخل حزب الامة ومن خارجه على ان الرجل يتمتع بثلاثة فضائل يندر ان تجتمع فى شخص واحد. يقولون هو أولاً رجل كريم وثانياً رجل شجاع ولا يهاب المخاطر ولذلك يحسم ويحزم فى اتخاذ وانفاذ القرارات وثالثا يتمتع بقدرات ادارية عالية جدا فى حشد الموارد وفى التخطيط والتنظيم والتنسيق والإشراف ومتابعة التنفيذ.وتلك الصفات تؤهل السيد مبارك عبدالله الفاضل المهدى لتحقيق النجاح فى مجالات السياسة والتجارة بدون انتماء لهذه الاسرة أو تلك.وللرجل عيوب مثل كل خلق الله ولكن لا اريد التطرق إليها فى هذا المقال.
كتاب غنى بالمعلومات:
يقول السيد مبارك المهدى فى كتابه ان ذلك العمل الكبير ويعنى الكتاب قام به ومعه رجال مخلصون لوطنهم وحزبهم وكيانهم.وهذا اعتراف بأفضال الاخرين.وكان الأصوب أن يكون عنوان الكتاب : بعض أو من أسرار الصراع السياسى فى السودان كما أشار الى ذلك الصحفى خالد التجانى النور فى جلسة تدشين الكتاب. وعلى الرغم من ذلك؛ الكتاب غنى بالافادات والمعلومات وقد ورد فيه ذكر اسماء كثير من الاشخاص الذين كانوا طرفا فى الاحداث التى تحدث عنها الكاتب. ونتمنى ان يدفعهم ذلك لالقاء المزيد من الضوء على تلك الاحداث.ويتناول الكاتب موضوعين كبيرين الأول حول الشأن السياسى العام او ادارة الدولة السودانية فى الفترة من 1986 الى 2016 والثانى حول الصراع داخل حزب الامة وخاصة بين فريق السيد الصادق الصديق عبدالرحمن المهدى وفريق الكاتب (مبارك عبدالله الفاضل المهدى).وقد تحدث الكاتب فيما يتعلق بالشأن العام عن أمور كثيرة منها اتفاقية كوكادام فى مارس 1986 ؛ والغاء قوانين سبتمبر التى اصدرها الرئيس جعفر محمد نميرى ؛ ولقاء المرغنى وقرنق؛ والغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر؛وتوتر العلاقة بين الحزب الاتحادى الديمقراطى وحزب الجبهة القومية الاسلامية؛ ومذكرة الجيش فى فبراير 1989؛ وانسحاب الحزب الاتحادى الديمقراطى من حكومة الوفاق الوطنى؛ ورفض الجبهة القومية الاسلامية المشاركة فى حكومة الميثاق الوطنى ؛ وقرار تعويض آل المهدى؛وملابسات انقلاب الانقاذ؛ وتكوين العمل المعارض فى الخارج؛ والعرض الذى قدمه الدكتور على الحاج للحركة الشعبية لتحرير السودان لإقامة تحالف استراتيجى مع نظام الانقاذ وتقاسم السلطة؛ والصراع بين الانقاذ والمعارضة لكسب تأييد حكومة ليبيا؛ وعلاقة الحكومة المصرية بنظام الانقاذ؛ وموقف المعارضة من غزو العراق لدولة الكويت؛ واعتراف نظام الانقاذ بحق تقرير المصير للمعارضة الجنوبية .ومواضيع اخرى مهمة منها تجربة انشقاق مبارك عبدالله الفاضل المهدى وانصاره من حزب الامة فى السابع من يوليو 2007 وتكوين حزب الامة والاصلاح والتجديد الذى شارك فى حكومة الانقاذ لمدة (28) شهرا من اغسطس 2002 الى نوفمبر 2004.وقد أورد الكاتب تقييماً لتجربة المشاركة (صفحات 175 الى 179).ونسبة لان الصراع داخل حزب الامة شأن حزبى خاص فأننى لن اتحدث عنه فى هذا المقال. وقد كتبت سابقا عن العلل التى يعانى منها حزب الامة وكيف يمكن علاجها ولكننى أشك جداً فى معالجتها لأنه يأتى فى مقدمة تلك العلل تركيز كل السلطة عن ادارة الحزب فى يدى رئيسه السيد الصادق المهدى الذى لا يخضع للمساءلة والمحاسبة عن قصور الأداء أوالفساد.و أكثر ما يهمنى فيما يتعلق بالكتاب هو الدروس التى خرج بها السيد مبارك من تجربته فى العمل السياسى من 1986 الى 2016.

ما هى الدروس ؟
قام الكاتب بتلخيص تجربته فى صفحة وربع الصفحة (214215/) وذكر تدنى الممارسة السياسية وتعطيل النظم الشمولية التطور الطبيعى للاحزاب واعطاء المتعلمين والمثقفين لنفسهم حق الوصاية على بقية الشعب السودانى واضعاف الشمولية للبناء القومى وقال إن شعارات التهميش شعارات انتهازية.واصدر أحكاماً قاسية وغير منصفة على ابناء الهامش.ولم يقترح وصفات لمعالجة العلل التى ذكرها فى الملخص كما تجاهل محطات اساسية ولم يعلق عليها على الاطلاق وأهم تلك المحطات فى تقديرى هى اولاً مخاطر و جدوى معارضة النظام من الخارج وثانياً حمل السلاح ضد الدولة السودانية وثالثاً تغيير نظام حكم شمولى عن طريق المشاركة فيه.
معارضة الحكم من الخارج :
شارك الكاتب مشاركة كبيرة فى تنظيم وتنشيط معارضة حكم الانقاذ من خارج حدود الوطن ولكنه لم يتحدث عن مخاطر وجدوى تلك المعارضة. فعندما يعارض اى شخص حكومة بلده من خارج الحدود فانه يقع تحت تأثير الدولة أو الدول التى توفر له الارض التى يتحرك عليها وربما تقدم له الدعم المالى والمعنوى.وتفعل الدول التى تستضيف المعارضة ذلك لخدمة اجندة الدول المضيفة.ونتوقع من السيد مبارك ان يقف وقفة صادقة وموضوعية عند هذه المحطة عند اصدار الطبعة الثانية للكتاب.
حمل السلاح ضد الدولة :
هل حمل السلاح ضد الدولة مشروع من المنظورين الاخلاقى والسياسى ؟ وهل هو مجدى ويتوقع ان يؤدى الى اسقاط نظام الحكم الشمولى واستبداله بنظام ديمقراطى ؟
لا يوجد فى تقديرى منطق اخلاقى او سياسى يبرر حمل السلاح ضد الدولة حتى فى الحالات التى تكون فيها الحكومة مفرطة فى الاستبداد لان الذى يموت من جانب الحكومة ومن جانب المعارضة هم الجنود أبناء البسطاء ولا يموت الحكام وقادة المعارضة.والموارد التى تهدر فى الاحتراب ملك لكل الشعب ولا تخرج من جيوب الحكام.ويحتاج حمل السلاح لموارد مالية وبشرية كبيرة من الصعب تدبيرها .وسوف تؤدى المعارضة المسلحة فى حالة انتصارها واسقاط النظام الى استبدال مستبد بمستبد آخر لان الذى يحمل السلاح لن يسلم السلطة لشخص آخر. وربما لهذا السبب بالضبط كان السيد الصادق المهدى يصر على أن يتولى ابنه عبدالرحمن قيادة جيش الأمة كما يقول الكاتب.وتؤدى المعارضة المسلحة إلى تخدير جماهير الشعب وتقاعسها عن المعارضة المدنية لإنتزاع و إسترداد حقوقها التى يغتصبها نظام الحكم الشمولى.ونود أن نعرف ماذا يقول السيد مبارك المهدى حول هذه المحطة المهمة.
تغيير نظام الحكم الشمولى من داخله ؟
تقوم كل نظم الحكم الشمولية على مصادرة حقوق الناس السياسية واحتكار ادارة الدولة بواسطة مجموعة صغير الحجم.واعنى بالحقوق السياسية حق التعبير عن الهموم والتطلعات والاراء حول ادارة الدولة وحق تكوين الاحزاب وحق تولى المناصب السياسية و المشاركة فى الانتخابات الحرة والنزيهة وحق الحصول على المعلومات الخاصة بأدارة الدولة وحق مساءلة ومحاسبة المسوؤلين عن قصور الأداء والفساد.ويعرف الناس ان تغيير اى نظام حكم شمولى يقابل بمعارضة قوية من ثلاث فئات الاولى هى الفئة المستفيدة وتخشى زوال المنافع التى تجنيها من بقاء النظام او تخشى تقاسم المنافع مع القادمين الجدد والفئة الثانية هى الذين ارتكبوا جرائم بالتعدى على دماء وأعراض وأموال الناس ويخشون المحاسبة فى حالة زوال النظام او حدوث تغييرات تعرضهم للمحاسبة و الفئة الثالثة هى الذين يؤمنون بأن الحكم الشمولى أفضل من الحكم الديمقراطى.وعادة لا يتم اسقاط نظام الحكم الشمولى واستبداله بحكم ديمقراطى الا عبر الانتفاضة الشعبية أو الانتخابات الحرة والنزيهة التى تأتى بعد إنتزاع حقوق التعبير والتنظيم كاملة.وفى حالات نادرة جداً قد يسقط الحكم الشمولى نتيجة ثورة داخله مثلما فعل قورباشوف فى الإتحاد السوفييتى أو إنقلاب عسكرى يعيد الديمقراطية. وأيه مشاركة فى نظام حكم شمولى تكون دائما مجرد ردف أو ارتداف (من ردف).ولكن يقول السيد مبارك المهدى (ص 175) ان مشاركتهم فى الحكومة كانت (لدفع عملية السلام والتحول الديمقراطى) الامر الذى يعنى انهم كانوا يتوقعون ان يكون لهم دور حقيقى فى صناعة واتخاذ القرارات وهو ما لم يحدث حسب افادة السيد مبارك نفسه.ولم يكن ذلك بالامر المستغرب لان مشاركة السيد مبارك فى اغسطس 2002 جاءت بعد ابعاد صاحب مشروع المصالحة بين نظام حكم الانقاذ والمعارضة (د.حسن الترابى) وتمكن العناصر التى كانت تؤمن ببقاء نظام الحكم شمولياً كامل الدسم ولا تقبل مجرد وجود ارداف أو مراديف .ولا أتفق مع السيد مبارك فى قوله انه من سلبيات مشاركتهم فى حكم الانقاذ (ص 166) (عدم التحليل الدقيق والقراءة السليمة وادراكنا لواقع الانقاذ).فقد كان واقع الانقاذ واضحاً وضوح الشمس. ولكن يبدو أن الكثيرين قد تعبوا من المعارضة وكانوا يرغبون فى المشاركة فى الحكم وبدون اعطاء اهمية كبيرة لاسترداد حقوق السودانيين التى اغتصبتها الانقاذ.ولأن السيد مبارك عبدالله الفاضل المهدى كان يتوقع الشراكة الحقيقية والندية انتهت مغامرته بالمشاركة نهاية مؤسفة. واعود واقول أشكره على ايراد الافادات التى تضمنها الكتاب الذى يتوقع ان يكون أحد المراجع التاريخية الاساسية عن فترة حكم السودان من 1986 الى 2016 وأرجو منه أن يعيد طباعة الكتاب بعد الوقوف وقفات صادقة وجريئة عند المحطات الثلاث التى ذكرتها اعلاه.

سعيد أبو كمبال
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1720

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1673641 [عمر التجاني]
2.63/5 (5 صوت)

07-22-2017 01:56 AM
ابو كمبال لك خالص تحياتي.
توصلت بمجهودك الفكري ولك مطلق الحق ان ديكتاتورية الطبقة العاملة تجلب الفساد ومسميات اخرى ذكرتها في موضوعك. الا ترى ان الحزب الذي انضممت له هو حزب يمارس الدكتاتورية في ابشع الصور الم تر كيف فعل ال المتمهدي بانصارهم فباعوهم الوهم واغرقوهم في بحور ل الجهل والتخلف هل سمعت بعنبر جودة؟

[عمر التجاني]

سعيد أبو كمبال
سعيد أبو كمبال

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة