07-22-2017 12:33 PM

انقضت الإجازة سريعاً جداً ، شهر في السودان مر و كأنه يوم واحد ، الإجتماعيات كانت هماً ثقيلاً ومرهقاً لا تستطيع ان تتركها ولا تستطيع ان تستوفيها حقها ، وصدق جبران حين قال ما أسعد النباتات لأنها لا تعاني من الضغوط الاجتماعية ، ولذلك عذراً للذين كانوا في البال ولم نلتقيهم ، عذراً للذين وعدناهم بالزيارة واللقاء ولم نوفي الوعد ، عذراً للذين أصابتهم نائبات الحياة بفقد عزيز ولم نعزيهم في فقدهم .

من أكثر الأشياء التي أثارت استغرابي في الإجازة القصيرة ، كيف لهذا الوطن ان يتماسك ويستقر والأحداث فيه عبارة عن طاحونة لا تهدأ ابداً ، وهذه الاحداث لا يمكن تصنيفها في خانة الأشياء التافهة او المملة ، في شهر واحد زخم من الأحداث المؤثرة تصيب الانسان العادي بالشلل التام ، لكن يبدو ان العقل السوداني والبنية النفسية للإنسان السوداني لهما قدرة علي التحمل والتعايش والعمل تحت الضغوط اياً كانت بشكل مذهل .

في الاسبوع الأول من إجازتي وجدت الهوس والهيجان في قمته لا تدخل في مجلس من المجالس إلا والهم الأكبر والنقاش الأعظم مرض الكوليرا او ان شئت تلطفاً الإسهالات المائية ، تنوم وتصحو علي هاجس المرض والخوف منه والمرض كما يقول البير كامو يغرس فيك الجبن ويكسر الكبرياء ، يلاحقك الرعب حتي في شرب الماء تتحسسها وتطيل النظر اليها كثيراً وتتذوقها بتوتر ظاهر ، يلاحقك الخوف في وجبات الطعام أي الاطعمة مطهو بشكل جيد واي الاطعمة عليه الشك المريب ، و الحق ان هذا الخوف والرعب أفسد علينا متعة معانقة الأشياء الجميلة التي غابت عنا وكنا نشتهيها في هذه الإجازة القصيرة ، جلسات السوق العربي تحت الاشجار مع شاي الفحم ، ومطاعم الفول رغم سخونة الاجواء والعرق السائل كل هذا ينسيك له زيت السمسم وهو يطفو علي أعلي الصحن ، وصحون البوش في مطاعم العيلفون .

في الاسبوع الثاني كان التوتر هذه المرة مختلف جداً ، الدولة السودانية كلها كانت تحت الضغط العنيف وعلي صفيح ساخن ، الأزمات الإقليمية وتطوراتها والضغوط الدولية وفوبيا العقوبات الامريكية ، كل هذا انعكس ارتفاعاً في الأسعار والاحتياجات ، تنوم علي سعر وتصحو علي سعر جديد ، تخيل ان سعر الدولار يزيد في أقل من اسبوع ما يقارب الخمسة جنيهات ، لا أعرف اقتصاداَ في الدنيا يتحمل ذلك ولا يصاب بالإنهيار إلا اذا كانت لا تنطبق عليه معايير الاقتصاد الموضوعية وأظن ان هذا سبب موضوعي يفسر لماذا اقتصادنا لا يتأثر بهذه التقلبات الدرامية ، وهذه الأشياء كانت مصدر قلق للقادمين الي السودان في الاجازات السنوية ، ترهق بالتفكير في ما تحمله من قليل من العملات الأجنبية ماذا تفعل بها و متي تبيع ومتي تنتظر وماذا تشتري .

الاسبوع الثالث كان كارثياً بإمتياز ، السودان في السنوات الماضيات فقد كثيراً من أسباب الحياة المطمئنة والهادئة و لم يتبقي سوي القليل ، أبرز هذا القليل هو الأمن ، قديماً تستطيع ان تسير مطمئناً في كل الحواري والازقة والشوارع في أي الأوقات ليلاً او نهار ، لا يصيبك القلق علي أولادك وهم يلعبون في الشوارع والازقة في أي الأوقات ، هذه النعمة كانت تحت الإختبار الشديد والخرطوم تنوم وتصحو علي أخبار الخطف والقتل وبيع الأعضاء البشرية ، والحق هذه الأحداث كانت مصدر قلق كبير ، واحدة من أهداف الاجازات السنوية للقادمين من الخارج ان يتعود أبنائهم علي الحياة الحرة بلا قيود وبلا حبس ، اذا كان الحبس ملازماً لهم حتي في أوطانهم فما قيمة الوطن عندهم .

الاسبوع الرابع انقضي سريعاً لكنه كان قاسياً والسودان تتفجر فيه أزمة غريبة في كل تفاصيلها ، طلاب جامعة بخت الرضا من أبناء دارفور يقدمون إستقالة جماعية ويسيرون علي الأقدام من مقر الجامعة الي الخرطوم ، هذا المشهد لم يعهده الناس سوي في طوابير السير للقوات المسلحة ، او قوافل النازحين من مناطق الصراع والحرب في الأخبار العالمية ، هذه القضية بكل تفاصيلها تمثل تطوراً جديداً في الصراع السياسي يجب عدم التعامل معها بعقلية تسجيل النقاط في مرمي الخصم الاخر ، هذه القضية اكثر كارثية مما يتخيل الساسة ولها أثار عميقة علي مستقبل وطن مثقل بالمواجع .

هذه صورة كلية لاجازة قصيرة الي وطن مثقل بالجراحات ولا يريد أبنائه بعد كل هذه المواجع سوي إرهاقه بمزيد من الجراحات ، رسائل التشاؤم في هذه الاوقات تمثل سقطة اخلاقية لكن مع ذلك يجب تجلية الحقائق كما تحدث ، دستوفيسكي يقول اذا غاب الهدف وزال الأمل فان القلق يجعل من الانسان عندئذ مخلوقاً غريباً وشاذاً ، اذا سارت الاشياء علي هذا النمط الغريب أخشي علي الانسان السوداني من هذا المصير الذي رسمه دستوفيسكي .

علي عثمان علي سليمان
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 881

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




علي عثمان علي سليمان
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة