07-25-2017 11:32 PM


العقوبات الدولية :
ليست هى رجس من عمل الشيطان , يمكن تفاديها بالبسملة والحوقلة , أو بالضغط على الكيانات الداخلية الهشة لرمى تبعاتها عليها , فكثيرون من اعضاء حكومة الوفاق الوطنى قالوا بأن العقوبات المفروضة على السودان وقع عبئها على المواطن السودانى وحده دون الشرائح الميسورة الحال , وظهر ذلك من خلال الغلاء الذى لم تحاول الحكومة أن تحاصره بسياسات تحد من غلوائه , كذلك التدنى فى الخدمات الصحية والتعليمية كذلك العقوبات اثرت بل ساهمت بشكل كبير فى تراجغ وتائر الانتاج الزاعى والصناعى لقلة القروض الرأسمالية مما اثر على مستوى الدخل القومى بالتالى انعكس ذلك سلبا على مستوى متوسط دخل الفرد فى السودان . فالعقوبات التى يصدرها مجلس الامن تؤثر على كل شرائح المجتمع كل بالقدر الذى يناسبه من العقوبة فالرأسمالى يتأثر كذلك العامل الصغير أيضا يتأثرو قد تكون هذه العقوبات سياسية أو دبلوماسية أو رياضية والعقوبة الرياضية فى العرف الدولى تختلف تماما عن تلك التى يفرضها الإتحاد الدولى لكرة القدم ( فيفا ) الأخيرة تختص باللعبة ذاتها بينما الأخيرة تتعلق بالسياسات التى تقود كرة القدم مثلما حدث مع جنوب أفريقيا عندما إستضافت البعثة الرياضية الإسرائيلية فكانت قرارات المقاطعة من قبل بعض الدول سياسية أكثر منها رياضية .. وأسواء تلك العقوبات العقوبات الافتصادية والتى تنتج عن الحصار البرى والجوى , كما يحدث الان لدولة قطر , وان كانت العقوبة الموقعة على قطر اصدرتها أربع دول عربية هى ( مصر , السعودية , البحرين والأمارات والعربية ) بإعتبارها أعضاء فى منظمة إقليمية معترف بها وبأجهزتها وهى الجامعة العربية وهذا جائز فى العرف الدولى إذا لم يتقاطع مع القوانين والمواثيق الدولية , وأن يكون هناك مبررات مقنعة للمجتمع الدولى لفرض العقوبة . تطبيقا لمبدأ إقليمية القانون , وكما قال فقهاء القانون الفرنسى " فهو من مقتضيات سيادة الدولة " .
العقوبة الدولية قبل إنهيار الإتحاد السوفيتى :
العقوبات الدولية قبل إنهيار الإتحاد السوفيتى ومن ثم الكتلة الشرقية التى كانت تلف فى فلك منظومة السوفيتات , كانت ضعيفة وتتسم بعدم تحقق المرجو منها , ويرجع ذلك إلى أن الكتلة الشرقية مثلما للغربية لها مؤسساتها
الإقتصادية والسياسية والعسكرية والإستخباراتية والتى يمكن ببساطة أن تبطل مفعول العقوية الدولية لأى من دول المنظومة إرتكازا على قوة الكتلة الإقتصادية والعسكرية وهما سلاحان كافيان لردع العقوبة الدولية أن تحقق المرجو منها . ونموذج ذلك مع حدث مع معمر القذافى الرئيس الليبى عندما كان حليفا لدول الكوميكون والإتاحد السوفيتى لم تنل منه أى عقوبة والتى طالته لم تكن كما ترجوه الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبى وعند إنهيار الإتحاد السوفيتى تضعضع نظام القذافى وأسقطوه فى نهاية المطاف عن طريق ضربات وطلعات التحالف الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة الأمريكية . كذلك إذا حاولت بالمقابل دولة أو عدة دول فى الكتلة الغربية أن تفرض عقوبة دولية ما على دولة من الدول يقف لها الإتحاد السوفيتى بالمرصاد إستغلالا لمقعده الدائم فى مجلس الأمن سياسيا وعسكريا وغالبا ما يقود الكتلتان إلى المواجهة العسكرية الساخنة , مثلما حدث عندما إقتحمت جيوش النازى الألمانى هتلر بولندا ولم تثمر جهود المفاوضات والحوارات إلا إلى حرب عالمية ثانية دفع المجتمع الدولى ثمنها غاليا . وحتى لانثق ثقة مطلقة ونؤمن بأهمية القضاء الدولى الجنائى وهو الذراع القانونية فى المنظومة الدولية فى ظل غياب الكثير من الدول المستعمرة عن صياغة مفرداته , وظهر القضاء الدولى بعد ظهور ما سمى بالقانون الدولى الجنائى , والذى هو أيضا وليد عرف دولى مرتبط به قد لانكون نحن طرف فى ذاك العرف والذى هو أيضا وليد حمم الكتلتين المتصارعتين مستمدا من ذلك مفهومه ووجوده وكذلك مضمونه . ومن هنا يتضح لنا أن الحرب الباردة بين الكتلتين أثرت فى تطبيق العقوبة الدولية , وكثيرا ما كانت تطبق على دول من ناحى سياسية لامن نواحى قانونية .
الأبعاد الدولية لرفع العقوبات عن السودان :
استحوذ الجانب الاقتصادي على كثير من الاهتمام لدى العامة وأهل الاختصاص في القرار الامريكي برفع الحظر على السودان ، ولان الاقتصاد هو عصب الحياة في مسيرة الدول نحو النهضة والتنمية ، وهنالك جوانب اخرى يمكن تكون محل اهتمام حتى في المسار الاقتصادي وهي العلاقات الاقليمية والدولية للسودان بعد رفع العقوبات ، وهذا القرار الامريكي بالحصار وفرض العقوبات كان له اثره في العلاقات السودانية الدولية والاقليمية ، وايضا قرار فك الحظرسيكون له أثر الكبير في علاقات السودان الدولية والاقليمية .
وا خوف فؤادى من السودان :
حقيقة فرض العقوبات الامريكية على السودان لم تكن أضغاث أحلام للإدارة الأمريكية تصحو من نومها لتطبق عقوبات على السودان دون سبب يذكر , بل جاءت العقوبات لقراءات امريكية لبعض التطورات التي شهدها السودان في السنوات التي سبقت قرار الحظر ومن أهم الاحداث التي شهدها السودان هو قيام المؤتمر الشعبي والعربي الاسلامي والذي دعا الى تأسيسه الدكتور حسن عبد الله الترابي إتفقنا أم إختلفنا معه فى الداخل والذي يعتبر زعيم
وعراب نظام الانقاذ وماتزامن وماسبق ذلك من احداث دولية مثل انهيار الاتحاد السوفيتي ، حيث اعتبرت بعص مراكز الدراسات الامريكية وبعض دوائر القرار الامريكي ان قيام منظمة عربية اسلامية تجمع ايدولوجيات مختلفة تحت سقف واحد قد تشكل احد معوقات المخططات الامريكية في المنطقة ابتدأءا من وضع اسرائيل وانتهاءا باكمال المخطط لوضع مشروع جديد وهومشروع الشرق الاوسط الكبير لاعادة الخريطة الجغرافية للوطن العربي وبعض الدول الاسلامية التي يمكن ان تكون ضمن المخطط الذي يضمن لاسرائيل استقرارها الامني بالاضافة الى توسعها الاستيطاني داخل الاراضي الفاسطينية وخارجها كما في الحلم الصهيوني الذى وضع حدا للدولة الصهيونية وهو من الفرات الى النيل ، ومن الاحداث التي شهدتها المنطقة فوز الاسلاميين في انتخابات الجزائر في عام 1992م قبل إجهاض حلم اسلاميي أرض المليون شهيد ، وجاء وأد اليمقراطية في الجزائر لمنع قيام حزام اسلامي محتمل القيام ينتهي بايران لتطويق المنطقة التي تستهدفها امريكا بمشروع الشرق الاوسط الكبير ، وحتى لايحدث تنسيق وتبادل خبرات للجماعات الاسلامية التي تتطلع لحكم بلادها مثل الاخوان المسلمين في مصر والاردن ،وحماس في فلسطين , إذن إتخاذ قرار العقوبة على السودان كان مخططا إستراتيجيا مستهدفا للسودان غض النظر عن النظام القائم فيه .
اسامة بن لادن فى السودان :
وكان لوصول اسامة بن لادن الى السودان ودخوله كمستثمر عربي ، بعد ان قاد جهادا ضد احتلال الاتحاد السوفيتي لافغانستان ، بمساعدات امريكية وغربية ليضع الاتحاد السوداني على حزام النفط في المنطقة التي تنتهي بالبحر الاسود، وبالتاكيد ان اسامة بن لادن في نظر الامريكان يمكن ان يكون مفيدا للسودان من الناحية المالية والتنموية ومن خلال خبرته التي اكتسبها في مقاومة الاتحاد السوفيتي في افغانستان .
تحجيم دور السودان أيديولوجيا :
ومن خلال هذا الواقع الذي اوجدته ظروف دولية واقليمية كان على امريكا ان تحد من الجهة التي قد تكون قدوة لباقي الجماعات الاسلامية والتي تتطلع الى الوصول لحكم بلادها ، فكان يجب ان تحاصر التجربة السودانية حتى لا تكون ملهمة للباقين خاصة وان السودان يمتلك موارد اقتصادية كبرى لاحسن استغلالها وكانت واحد من أسباب هذا الحصار الاقتصادي هو تحجيم السودان من الانطلاق ، والتطور الذي حدث وكان في غير صالح السودان هو انهيار الاتحاد السوفيتي والذي كان يمثل القوة الموازية لقوة الولايات المتحدة وبانهياره انتهت الحرب الباردة ، واصبحت في العالم قوة واحدة وقطبية آحادية جعلت من الكتلة الشرقية في حالة ترقب وخوف بينما انطلقت الكتلة الغربية تفرض سياستها وتفرط فى هيمنتها على العالم ، كان ذلك في غير مصالح السودان ، وما كان ليحدث ذلك لو ان الاتحاد السوقيتي كقطب مواز لامريكا . وهذا يعضد فيما ذهبت إليه من أن العقوبة الدولية فى ظل الحرب الباردة ما كان يمكن تطبيقها بالسهولة المطلوبة كما أنها لاتحقق فى كثير من الأحايين المرجو منها كعقوبة دولية وطرحت أمثلة على ذلك .
الهروب من العقوبات :
وكان هذا التحجيم الذي فرضته واشنطن على الخرطوم كان دافعا ان تبحث الخرطوم عن نوافذ جديدة تخرجها من هذا الوضع المأزووم التي وضعته فيه امريكا ، وكان الاتجاه نحو أيران ذات العلاقة المعادية لامريكا بعد انتصار الثورة الاسلامية في عام 1979 م بقيادة الامام الخميني ، ورغم الاختلاف المذهبي بين السودان وايران (سني) و(شيعي) الا ان هذا التعاون كان سياسيا اكثر منه اقتصاديا ولمصلحة ربطت الطرفين على الرغم من أن السودان لم يستفد منه إقتصاديا بشكل كبير من تقدم دولة إيران في مجالات كبيرة تعتبر ايران متقدمة فيها مثل صناعة النفط والصناعات التحويلية وغيرها إلا أنه كان يموه ويراوغ الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف ضغط العقوبات المفروضة عليه ، كذلك ايران وجدت في العلاقة مع السودان منفذا الى القارة الافريقية ، حيث كان الهدف الايدولوجي وهو نشر المذهب الشيعي متقدما على غيره من الاهداف الاخرى التي تحتاج للتعاون بين ايران وافريقيا ، ولهذا لم يكن حجم التعاون الاقتصادي بالقدر المتوقع .
الصين ولو إستطالت العقوبات :
وفى ذات الإتجاه المراوغ للعقوبات الأمريكية اتجه السودان شرقا حيث الصين وايضا رغم الاختلاف الايدولوجي بين نظامين الاول (الاسلامي) والثاني (شيوعي) ، الان هذا التعاون قد اثار حفيظة الولايات المتحدة الامريكية ، باعتبار ان الصين ستجد في السودان ومن خلاله الى افريقيا سوقا كبيرا لمنتجاتها كما تجد من الموارد التي تحتاجها بكميات كبيرة قد تفوق احتياجاتها ، وكانت هذه العلاقة بين السودان والصين ومن خلفها افريقيا كانت محل نظر واشنطن وكانت معركة استخراج البترول السوداني واحدة من أهم المعارك التي دارت بين الخرطوم وواشنطن واستطاعت الخرطوم ان تفلح باستحراج النفط بعيدا من الشركات الامريكية خاصة شركة شيفرون الامريكية التي كانت تمتلك حق الامتياز لحقول النفط في السودان منذ عهد الرئيس جعفر نميري .
ورغم ان الصراع بين الخرطوم وواشنطن في المحفلين الاقليمي والدولي الان هذا الصراع من صالح الخرطوم اذا تحدثنا بلغة الملاكمة وهو الفوز بالنقاط مقارنة بين الفوارق الكبيرة بين السودان وامريكا من الناحية الاقتصادية والعسكرية والتفوق العلمي بل في كل المجالات لا مقارنة ولكن الخرطوم استطاعت ان تحقق بعض الانجازات مع الاحتفاظ الكامل بالكرامة وحير صمود السودان لمدة عشرين عاما كل المراقبين ، مع تلك الظروف التي يعيشها السودان . إلا أنه ورغم تقديرنا لظروف العقوبات المفروضة على شعبنا وعدم عدالتها تجاه دولة نامية فى المنظومة الدولية يفترض أن تدعم من قبل الولايات المتحدة الامريكية لاتحاصر , إلا أن صمودنا أكثر من عشرين عاما جاء على ظهر الشعب السودانى وليس على كل شرائح المجتمع حتى نقول : ( نحن – نحن صامدون ) وكان من المفترض وحسب معطيات واقع العقوبات أن يتبع هذا الصمود إجراءات وتدابير تتخذها حكومة المؤتمر الوطنى لرفع المعاناة وتخفيف غلواء العقوبات على ظهورنا وضرب بيد من حديد لكل مكامن الفساد , لأن لأمريكا ( رعاياها ) من السودانيين بالداخل لذا هى ستدخل فى مراوغات حادة لأستسلام الشعب السودانى لآثار الحصار من تطبيع وفساد وتدهور اخلاقى واجتماعى ولكن هيهات , حتى نعتبر صمودنا نجاح فى وجه دولة الاستكبار الولايات المتحدة الامريكية , إلا أن صمودنا بهذه الشاكلة المتردية فى كل المجالات يشبه صمود " القشة أم روح" التى تعبث بها الرياح ميمنة وميسرة .
ويسألونك بعد رفع العقوبات :
بعد أن ترفع العقوبات الامريكية عن السودان ، والذى يعتبرها الكثيرون أنه ضرب من ضروب اللعب بالنرد مع الشيطان , إلا أن ذلك حتمية إستراتيجية تفرض نفسها على الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبى إذ أن مشروع الشرق الأوسط الكبير والمحدد من الفرات إلى النيل يمر عبر بوابة السودان , سيكون ايضا لهذا الامر ابعادا دولية واقليمية ، منها ان العلاقة مع الدول الاوربية ستكون في وضعها الطبيعي في مجالات التعاون الحقيقي بدلا من التعاون السياسي ، ويالتالي فان التعاون الاوربي ربما ياخذ شكلا جديدا خاصة في الاستثمار ونقل التكنولوجيا والتعليم العالي ومراكز البحوث والدراسات ، وربما السياحة خاصة وان البعثات التي تعمل في مجال السياحة معظمها أوربية فرنسية وسويسرية ، وربما ساعد هذا الامر في التدفق السياحي وكما معروف ان السودان غني بموارده السياحية في المناطق الاثرية في البجراوية والبركل والمحميات الطبيعية في الدندر وجبل مره في دارفور وسياحة الغطس في البحر الاحمر ، ومن الابعاد الدولية لرفع الحظر الامريكي عن السودان ربما لعبت الخرطوم دورا مهما في العلاقة بين واشنطن وموسكو خاصة بعد احاديث الرئيس الامريكي المنتخب دولاند ترامب انه يرى الرئيس فلادمير بوتين صديقا وليس عدوا ، والعلاقة بين السودان روسيا متطورة جدا وهناك اتفاق قي القضايا الدولية والاقليمية بين السودان وروسيا خاصة في المسألة السورية وقضايا مكافحة الارهاب ، وكان نائب وزير الخارحية الروسي مخائيل بوغدانوف الذي شهد ختام مؤتمر الحوار الوطني في اكتوبر الماضي قد اكد خلال لقائه عدد من المسؤولين السودانيين وعلى رأسهم المشير عمر البشير رئيس الجمهورية ، قد اكد على عمق العلاقات بين السودان وروسيا . و من المنتظر ان يلعب السودان دورا تتنسيقا بين واشنطن وموسكو فيما يتعلق ببعض القضايا المتعلقة بالمنطقة والقارة الافريقية ، خاصة وان الخرطوم اكتسبت خبرة من خلال تعاملها مع قوى اقليمية ودولية خلال فترة الحصار، وبالتعاون والتقارب بين واشنطن وموسكو في عهد ترامب ، ستجد الخرطوم حظا من هذا التقارب ربما يعوض فترة الحصار التي امتدت لاكثر من عشرين عاما .


بقلم د.فائز إبراهيم سوميت
أمين عام حزب المستقلين القومى التلقائى
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 649

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.فائز إبراهيم سوميت
د.فائز إبراهيم سوميت

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة