02-01-2016 12:24 PM


المقدمة :
في مارس 2014م رشح دكتور لوكا بيونق المدير السابق لمعهد دراسات السلام بجامعة جوبا البلاد لتكون حلقة صراع اقليمي ودولي ، خاصة و أن التدخل اليوغندي القوي في صراع جنوب السودان بعد يوم فقط من اندلاع الحرب في ليلة الخامس عشر من ديسمبر قرعت صفارات الانذار لدى دول جوار جنوب السودان و اصبح كل دولة من دول الاقليم تفكر بصورة جدية حول كيفية حماية مصالحها الانية والمستقبلية و تأكيد حضورها على المشهد الجنوبي لكن طبيعة تلك المصالح ما زالت غامضة بعض الشيء ، فلقد شاركت تقريباً كافة دول الجوار في مفاوضات جنوب السودان تحت مظلة دول الايقاد والقوى الغربية تحت مظلة دول الترويكا وكذلك الاتحاد الافريقي وغيرها ، ولقد شارك بعض تلك الدول عبر الدعم العسكري للحكومة او التمرد .
مصالح القوى الاقليمية : -
يوغندا : -
عقب انفجار الاوضاع قبل عامين من الان طلب الامين العام للامم المتحدة بانكي مون من الرئيس اليوغندي يوري موسفيني التدخل كوسيط بين اطراف الصراع حتى لا تستفحل الى حرب شاملة في البلاد ، لكن ما لم يكن يعرفه مون هو أن موسفيني كان له يخطط لنوعية اخرى من الوساطة وهي الوقوف مع الحكومة في حربها ضد التمرد ، فالمهمة الاساسية في بادئ الامر للقوات اليوغندية كانت تامين المطار والمؤسسات المهمة وتامين العاصمة جوبا نفسها من أي اختراق للمتمردين باعتبارها قلب البلاد .
الحكومة اليوغندية في ردها على الانتقادات التي وجهت لها بسبب التدخل في صراع داخلي ، قالت أنها منعت وقوع مجازر بشعة كتلك التي حدثت في رواندا ، ويقدر تلك القوات بما يقارب الف جندي الى 4500 عسكري ، و ليوغندا مخاوف من إمكانية إيجاد جيش الرب ارضية خصبة للانطلاق منها لمهاجمة المدن اليوغندية الحدودية او مهاجمة الجيش ، وفيما بعد يعتقد أن تلك القوات توغلت في مناطق حدودية قريبة من الحدود السودانية في حربها ضد المتمردين ، وذلك اثارت حفيظة الحكومة السودانية وتوجست كثيراً مما يمكن أن ينجم من تلك التدخل والتوغل في مناطق قريبة من حدودها ، ووفقاً لمحلل سياسي مهتم بشؤون المنطقة فلو لا التدخل اليوغندي في الصراع وبعث قواتها لكانت الوضع صعب بالنسبة للحكومة في جوبا .
وظلت الحكومة اليوغندية تتهم السودان مراراً وتكراراً بدعم جيش الرب ويبدوا أن السودان كانت تفعل ذلك رداً على دعم يوغندا للجيش الشعبي والحركة الشعبية ، و لقد شكلت جوبا و كمبالا قبل الاستقلال وبعدها تحالفاً لمحاربة جيش الرب بدعم امريكي ، ويتحرك قوات جيش الرب على طول حدود جمهورية افريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ويقول وزير الخارجية سام كوتيسا : " أن اوغندا كانت بحاجة الى سد الفراغ الامني الناجم عن الازمة ، والذي كان من المحتمل أن يسهل انشطة جيش الرب للمقاومة و التسلل الى اوغندا مرة اخرى " .
يوغندا تهتم بالاستقرار الامني في جنوب السودان لان الاستقرار في جوبا يعني أن حدودها الشمالية ستكون مستقرة وسيصعب على أي حركة متمردة ضدها أن تتسلل عبرها او جيش الرب ، و بجانب اهتماماتها الامنية فكمبالا حققت فوائد كبيرة من استقلال جنوب السودان حيث وفرت جنوب السودان العديد من فرص العمل لمواطنيها وهذا خفف الضغط الكبير وقلل من نسبة العطالة بالاضافة الى التجارة بين البلدين وكمبالا لها النصيب الاكبر من بين دول الجوار في حجم التبادلات التجارية بين دول جوار جنوب السودان .



السودان :
للسودان علاقات وثيقة جداً مع جنوب السودان اقوى من علاقات يوغندا والجنوب رغم ما تتسم بها علاقات البلدين من صراع وحرب ظلت مستعرة منذ 1955م أي قبل الاستقلال ، وعندما اعلن استقلال جنوب السودان رسمياً من السودان فقد السودان اكثر من 75% من انتاجها النفطي حيث توجد اغلب مناطق انتاج النفط في جنوب السودان ، وهذا ما ادخل السودان في وضع اقتصادي سيء جداً ، وطبقت الحكومة السودانية اجراءات اقتصادية تقشفية قاسية لسد الفجوة التي خلقها استقلال جنوب السودان ، بالمقابل كانت الحكومة السودانية او الحكومات السودانية التي تعاقبت على الحكم في البلاد محتسبة جيداً لاستقلال جنوب السودان لذلك قامت بإنشاء اغلب المنشات النفطية من انابيب تصدير النفط الى منشات التكرير في داخل الحدود الشمالية .
وتمر تلك الانابيب لتصل البحر الاحمر وبما أن جنوب السودان لا تطل على البحر فلقد دخل الدولتين في العديد من الحروب في مناطق حدودية و اشهرها حرب فانطاو ، حيث يدعي السودان أن المنطقة النفطية تتبع لها ، لكن جوبا تعتبرها منطقة محتلة من قبل السودان ، وانتهت تلك الحرب بوساطات دولية ودخل الدولتين ايضاً في صراعات حول تصدير النفط حيث إضطرت جوبا في وقت من الاوقات في العام 2012م أن توقف انتاج النفط لانها تعتقد أن الخرطوم تقوم بسرقة النفط و اقرت الخرطوم بذلك وبررت ذلك بأن جوبا لا تدفع رسوم العبور و رسوم استخدام منشاتها النفطية .
من جانب حكومة جنوب السودان فلقد قامت بالعديد من المبادرات لتشجيع العلاقات بين الدولتين ، حتى ان جوبا إضطرت الى استبدال وزراء يعتقد الخرطوم بانهم السبب في سوء علاقات الدولتين مثل الامين العام للحركة الشعبية باقان اموم و دينق الور كوال وزير شئون مجلس الوزراء ووزير الخارجية في الحكومة الانتقالية القادمة ، كما أن جوبا غضت النظر عن استفتاء احادي اجرتها مواطني منطقة ابيي ، بعد مماطلات سودانية ورفض القبول بنتائج الاستفتاء و رغم أن كل المؤشرات كانت تشير بأن جوبا ستوافق على نتائج الاستفتاء لكنها فيما بعد رفضت نتيجة الاستفتاء وزار الرئيس كير السودان لاكثر من مرة ، ومع ذلك لم يشجع كل تلك المبادرات من جوبا الحكومة السودانية لرفع مستوى العلاقات .
وفي اكثر من مرة اتهم جوبا الخرطوم بدعم المتمردين الذين يقودهم النائب الاول للرئيس المرتقب دكتور رياك مشار ، ويفعل الحكومة السودانية العكس حيث تتهم جوبا بتقديم الدعم للحركات الدارفورية المتمردة والحركة الشعبية قطاع الشمال . رغم أن الحكومة السودانية في بادئ الامر سارعت بتأكيد وقوفها مع الحكومة الشرعية في جوبا عقب احداث الخامس عشر من ديسمبر ، وربما حثت جامعة الدول العربية لإصدار بيان يدين ( الانقلاب ) حسب رواية الحكومة و اكدت الجامعة العربية وقوفها مع الحكومة برئاسة كير ، ففي بادئ الامر ربما لم يكن الامور واضحة بالنسبة للحكومة السودانية ، فربما كانت تعتقد بأنها بتلك الاحداث تمكنت من الإطاحة باعداءها وهم اولئك الذين يسمون باولاد قرنق .
و كشف نافع في احد اللقاءات التي اجرتها معه قناة CCTV الصينية في زيارة له للصين عندما كان يشغل منصب نائب رئيس الحزب للشئون التنظيمية ، ولقد عبر نافع صراحة عن سعادتهم بالإطاحة بابناء قرنق من سدة السلطة ، لكن قيادة رياك للتمرد ادت بالحكومة السودانية بإجراء تغييرات في سياستها تجاه جنوب السودان ، ووفقاً لاحد المحللين السياسيين قال بأن السودان لا يمكنها أن تقف ضد النوير ( التمرد ) في حربها ضد الدينكا ( الحكومة ) وهي نفس المواقف التي ظل يطرحها الطيب مصطفى خال الرئيس السوداني عمر البشير ، ووفقاً لصفوت فانوس استاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم يقول أن الخرطوم دعمت الرئيس كير على أمل أن يتمكن من اعادة السيطرة على الحدود والحفاظ على تدفق النفط ، لكن الشكوك مازالت تساور الدولتين حول مدى صدقية الاخر لذلك يبدوا صعباً حسم ملف دعم دولة للحركات المتمردة للدولة الاخرى .



اثيوبيا :

رغم أن جنوب السودان جارة اثيوبيا على حدودها الغريبة فأن اثيوبيا تبدوا اقل اهتماماً بجنوب السودان و لا تبدي لها اهتماماً كتلك التي تبديها كينيا و يوغندا والسودان ومع ذلك يبدوا من الصعب على اثيوبيا أن تنكر وجود دولة في حدودها الغربية يمكن أن تتسرب لها المشاكل من عبرها كما تتسرب من الصومال إن لم تنظر بعين الجدية على الوضع في جنوب السودان بالاضافة الى كل ذلك يبدوا أن هنالك حقيقة مهمة جداً هو أن اثيوبيا بها قبائل ذات اصول جنوبية مثل النوير و الانيواك ومثل هذا الوضع ربما يضع الحكومة وراسمي سياستها الخارجية في مازق حقيقي ، فوفقاً للتصورات التي وضعت للحرب او قل حقيقة الحرب بين الدينكا والنوير .
وتناقلت وسائل اعلام عالمية و اقليمية ومنظمات دولية اخباراً أن قبيلة النوير تتعرض لاستهداف ممنهج في جوبا كما جاء في تقرير لجنة التحقيق الافريقية و نقلتها تقارير المنظمات الدولية ، وفي نفس الوقت الاغلبية في حركة التمرد الثائرة ضد الحكومة هم من النوير لذا صعب على وزارة الخارجية والحكومة الاثيوبية أن تبعد نفسها من هذا الصراع ، لذلك يشكك اكثر من مسئول حكومي في مدى حيادية اثيوبيا في التوسط بين طرفي الصراع وطالبوا بنقلها الى دولة محايدة مثل كينيا ، ورغم أن اثيوبيا كانت تبدوا اكثر حياداً في توسطها لدى الطرفين لكن لا يمكن انكار أن اثيوبيا اقرب للتمرد من الحكومة في هذه الصراع .
وصول رياك مشار الى السلطة سيوفر امتيازات عديدة بالنسبة لاثيوبيا كشعب وحكومة او وجود رياك مشار في سدة السلطة كنائب اول للرئيس سيجعل المصالح الاثيوبية في امان وسهلة التحقيق ، إضافة الى ذلك فأن اثيوبيا تحتضن عدد كبير من اللاجئين الفارين من مناطق القتال بالقرب من حدودها وهذا ما يمكن أن يؤثر في اقتصادها ووجود عدد كبير من اللاجئين على اراضيها يتطلب منه توفير ميزانية لهولاء اللاجئين وذيادة مناشداته الدولية لتوفير الدعم لهم ، من المؤكد أن تقديم اثيوبيا الدعم للتمرد بقيادة رياك مشار سيعود لها بالنفع الكبير اقتصادياً وعلى المستوى الدبلوماسي وخاصة أنها مقر للاتحاد الافريقي وقلب افريقيا النابض فهذا سيوفر لها نفوذاً اكبر على جنوب السودان في حال صمدت الاتفاقية او حتى انهارت فالدور الاثيوبي لن يكون بالإمكان تجاهلها .
كما أن اثيوبيا في حال صدقت كافة المؤشرات التي تشير أن جنوب السودان ستكون دولة فاشلة او اصبحت دولة فاشلة فهي لا بد تريد أن تكون ممسكة بكافة قيود اللعبة او ربما الإمساك باكبر قدر ممكن من النفوذ و التأثير فوجود دولة على حدودها خارج سيطرتها سيؤثر لها بشكل كبير امنياً واقتصادياً إذا اخذنا في الاعتبار أن النوير و الانيواك مواطنين جنوبيين و اثيوبيين ، فأن أي فوضى امنية ستنتقل سريعاً اليها ، وللاستدلال على اهمية التورط الاثيوبي في صراع جنوب السودان فلقد كانت وفقاً لبعض التقارير توفر مستندات رسمية لأغراض السفر لمنسوبي التمرد وربما يتم ذلك بعلم الحكومة الاثيوبية او من دون علمها لكن من الصعب الجزم أن الحكومة الاثيوبية ليست لها علم بذلك .
في مارس 2015م وجه رئيس الوزراء الاثيوبي رسالة مفتوحة موجهة الى شعب جنوب السودان مشيراً فيها على أن عواقب فشل المحادثات بين الحكومة والتمرد ستكون بعيدة المدى وستؤدي الى مزيد من الاقتتال وكان رئيس الوزراء الاثيوبي هايلي مريام ديسالين قد وصل الى العاصمة جوبا بعد ايام فقط من الحرب في 15 ديسمبر أي في 26 ديسمبر 2013م برفقة الرئيس الكيني اوهورو كينياتا ، ولقد تقدموا بمبادرة للحكومة لوقف اطلاق النار وبدء التفاوض ، و اصروا على اهمية اطلاق سراح المعتقلين السياسيين وكان يضم كبار قادة الحركة الشعبية وعلى رأسهم باقان اموم الامين العام للحركة الشعبية و دينق الور كوال وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية المزمع تشكيله قريباً بالاضافة الى وزير العدل ووزير المواصلات جون لوك ووزير التعليم العالي السابق والمرتقب د. بيتر ادوك ونائب وزير الدفاع د. مجاك اقوت وغيرهم من كبار المسئولين في الدولة قبل الاحداث .
وفي السادس والعشرون من اغسطس 2014م اعلن الهيئة الحكومية للتنمية الايقاد عن توصل طرفي الصراع الى اتفاق لوقف الحرب وقال ديسالين في قمة زعماء دول شرق افريقيا علينا أن نظهر لأي طرف ينتهك الاتفاقات سيتحمل عواقب سوء سلوكه و اضاف نحن نبعث برسالة واضحة الى قادة جنوب السودان ، ولذلك فأن تاخير العملية لن يكون مقبولاً ، و اذا حدث فأن المنطقة ستتحرك وفي اغسطس 2015 انهارت قمة قادة الهيئة الحكومية للتنمية لحل ازمة جنوب السودان وفي جلسة مغلقة شارك فيها رؤساء اثيوبيا والسودان و اوغندا وجيبوتي وكينيا والصومال .
لكن بعد وقت قليل من انطلاق الجلسة المغلقة شوهد الرئيس السوداني عمر البشير يغادر قاعة الجلسة ولحق به الجيبوتي اسماعيل عمر جيلة والكيني اوهورو كينياتا ورئيس الوزراء الاثيوبي هيلي ماريام ديسالين قاعة المؤتمرات ، وذلك لانسحاب الرئيس اليوغندي و رفض الرئيس كير العودة الى قاعة المؤتمرات لمواصلة المشاورات بعد أن طلب مهلة للتشاور ، ولقد رفض الرئيس الاوغندي موسفيني الرد على اسئلة الصحفيين عن سبب مغادرته للقاعة بصورة غاضبة و وجههم بتوجيه اسئلتهم لرئيس الوزراء الاثيوبي ، ويعتقد وفقاً لبعض الذين كانوا في مقر القمة فأن الرئيس الاثيوبي دخل في مشادة حادة مع الرئيس موسفيني متهماً اياه بانه السبب في تشدد حكومة جنوب السودان في مواقفه التفاوضية .
وكان يوغندا في اللحظات الاخيرة بعد تقديم الايقاد مقترح حل للاطراف قد قدمت وثيقة اخرى تتضمن بنود رفضتها التمرد واعتبرتها غير عادلة وخاصة فيما يتعلق بتقسيم السلطة ، وكان رئيس الوزراء الاثيوبي ديسالين طالب يوغندا باهمية سحب قواتها من جنوب السودان حتى تتيح الفرصة لتحقيق السلام ولقد ظل انسحاب القوات اليوغندية واحد من اكثر مطالب التمرد الحاحاً ويبدوا أن يوغندا و اثيوبيا لهم اختلافات كبيرة وجوهرية في ملف جنوب السودان إن لم يكن في قضايا اخرى في المنطقة لذلك يبدوا أن علاقات موسفيني وديسالين متوترة دوماً و ربما يرجع ذلك للدور الذي لعبه موسفيني في جنوب السودان والتي تبدوا أنها احبطت التحركات العسكرية للتمرد التي كانت نشطة جداً .
ولو كان صحيحاً ان اثيوبيا توفر دعم عسكري خفي للتمرد فلا بد أنها تشعر بالقلق من الدور اليوغندي في جنوب السودان التي تتعارض مع سياستها الخارجية في جنوب السودان ، ويذكر أن عدد كبير من المواطنين الاثيوبيين يعلمون في جنوب السودان خاصة في قطاعات الانشاءت و الفنادق وعربات نقل المياه و الانشطة التجارية الصغيرة لكنها توفر عائد كبير من العملة الصعبة لاثيوبيا ولا بد أنها تفكر بصورة جدية بزيادة استثماراتها خلال الفترة القادمة في جنوب السودان .

كينيا :

تعتبر كينيا دولة قيادية في منطقة شرق افريقيا لما تتمتع بها من صناعة وبنى تحتية متطورة ، وتتمتع كينيا بدبلوماسية هادئة تكاد لا ترى كتلك التي كانت تنتهجها المملكة العربية السعودية قبل أن يؤثر فيها النجاح الايراني في المنطقة بينما السعودية تلاحقها فشل في كل من سوريا ولبنان وفي العراق وفي حديقتها الخلفية اليمن ؛ وفقاً لدكتور لوك اوبالا كاتب ومحلل سياسي كيني في ورقة له بعنوان ( فرص العلاقات بين كينيا وجنوب السودان ليست على حساب الخرطوم ) يقول في ورقته تبقى دولة جنوب السودان على علاقة خاصة بكينيا استناداً الى عوامل تختلف من عوامل ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية من بين عوامل استراتيجية اخرى .
ثقافياً : يرتبط الكثير من الجنوب سودانيين بصلات قرابة مع العديد من المجتمعات المحلية الكينية حيث تجمعهم اللغة والثقافة والتاريخ المشترك الطويل وتعززت هذه العلاقات من خلال الدعم الذي قدمته كينيا للاجئين من جنوب السودان الذين فروا اليها ، وهذا ما جعل من السهل على البلدين إقامة علاقات اخرى على المستويين الرسمي والفردي .
تربط كينيا وجنوب السودان علاقات ممتدة تعود جذورها الى فترات الحرب وتعزز تلك العلاقة في فترة الثورة التي كان يقودها د. جون قرنق دي مبيور ، ولقد كانت كينيا مقراً للعديد من المبادرات التي حاولت حل الصراع بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان ، ورغم أنها لعبت دور الوسيط غير أن ذلك لم يؤثر في علاقتها المميزة مع الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان وزعيمها دكتور جون قرنق الذي كان له علاقات دبلوماسية مع العديد من القادة الافارقة على مستوى القارة الافريقية ويحظى بالاحترام ، فبجانب أنه رجل ظل يحارب لعقود فهو في نفس الوقت كان يحمل مشروع قاري كبير ورجل مفكر وهذا ما كان يعطيه الاحترام من قبل قادة افريقيا .
تلك العلاقة بين الجانبين هي التي منحت كينيا حق إجراء محادثات السلام السودانية في اراضيها ، فبينما كان لها علاقة قوية مع الحركة الشعبية لكنها في نفس الوقت حافظت على علاقة جيدة مع الحكومة السودانية مكنتها من استضافة محادثات تاريخية توجت باتفاق تاريخي ، وبعد الاستقلال اصبحت كينيا واحد من اكثر الدول المستفيدة من استقلال جنوب السودان و اصبحت مصدراً مهماً لاستيراد احيتاجات جنوب السودان و استفادت كينيا من تلك العلاقة ايما استفادة و اصبح العلاقات التجارية بينها وجنوب السودان توفر لها ملايين الدولارات سنوياً ، ووفقاً لدكتور لوك فبعيد استقلال جنوب السودان دخلت حكومة كينيا وجنوب السودان في مجال تعاون تقني يهدف الى مساعدة جنوب السودان في تطوير قدراته التقنية من اجل إدارة حكومته .
وعليه التزمت الحكومة الكينية بدعم وتدريب حكومة جنوب السودان ومسئوليها من خلال المعهد الكيني للخدمات الخارجية الذي قام بدورات تدريبية لمسئولين في وزارة الخارجية ومن المتوقع أن يركز برنامج التدريب على تطوير قدرات المسئولين من اجل تحقيق التنمية المستدامة في جنوب السودان وتقدم كينيا دعماً لجنوب السودان في القضايا المتعلقة بالسلام وانعدام الامن وقضايا اعادة الاعمار ما بعد الصراع ووفقاً لمراقبين تتمحور العلاقات الجنوبية - الكينية حول ثلاثة مجالات رئيسية تتمثل في تعزيز التجارة عبر الحدود ، وتعزيز القدرة التصنيعية للجنوب وتنفيذ البنى التحتية التي تربط بين البلدين وتم تعزيز الجهد من خلال الاعتراف الكيني باحتمالية كون جنوب السودان شريكاً اساسياً له وعليه كانت المساهمة الكينية في الاستثمارات في البنى التحتية في .
ويشمل ذلك بالطبع خط السكة الحديد المقترح واتفاقية خط انابيب النفط ، ويعد ميناء لامو وممر النقل بين جنوب السودان و اثيوبيا المعروف اختصاراً بـــ ( لابست ) مشروعاً ضخماً سيفضي الى تطوير مطارات و انشاء سكك حديدية وشق الطرق ، وخط انابيب نفطية بين لامو وجنوب السودان ومصفى تكرير النفط وتهدف الفكرة من وسائل المواصلات الى ربط المدن في كينا و اثيوبيا وجنوب السودان ؛ ويهدف ممر نقل الوادي المتصدع لربط مومباسا و اوغندا بجنوب السودان ، ولكينيا مصلحة كبيرة في تحقيق تلك المشاريع لما لها من فائدة كبيرة لاقتصادها العملاق في المنطقة وتستفيد كينيا من نمو سوق كبير جديد وبنى تحتية في الجنوب .
لكينيا اسثتمارات في مختلف القطاعات بجنوب السودان مثل المصارف حيث أن اكبر المصارف الخاصة في جنوب السودان مملوكة لكينيا مثل بنك KCB ولها فروع عديدة في انحاء جنوب السودان بالاضافة الى الطيران والفنادق و الانشاءات وقطاع الاتصالات والنقل وتجارة الجملة والتجزئة ، وكانت جوبا في الفترة التي كانت في ازمة تصدير النفط بعد أن اوقفت انتاج النفط اثر خلافات مع السودان حول رسوم العبور واستخدام المشات النفطية السودانية أن طرحت مقترح انشاء خط انبوب نفطي تمر عبر كينيا كخط تصدير نفطي بديل وتلك الفكرة ظلت متبادلة حتى قبل استقلال جنوب السودان وفي فترات الحرب بين الجيش الشعبي وحكومة السودان .
وبالفعل كانت الحكومة كلفت شركت تويوتا اليابانية لأجراء دراسة جدوى وتقييم إمكانية نجاح المشروع من الناحية العملية والعلمية ، ولكينيا مشاريع اقتصادية طموحة لها ارتباط كبير بجنوب السودان مثل مشروع بناء السكك الحديدية والطرق وخطوط انابيب لتغذية ميناء لامو على المحيط الهندي وهي مشاريع تشارك فيها كل من اثيوبيا و يوغندا وكينيا وجنوب السودان ، و كان مشروع بناء ميناء لامو في بدايات العام 2012م وتم اقامة حفل وضع حجر اساس وسيوفر المشروع منفذاً بحرياً لكل من جنوب السودان واثيوبيا .
سياسياً رغم تأكيد كينياتا وقوفه مع الرئيس كير وحكومته في الازمة غير أن تعامله مع الازمة يكشف أن كينيا كانت تتعامل مع الحكومة باعتبارها حكومة امر واقع ولا بد من التعامل معها طالما أنه ليس هناك ما يشير لتغير كبير في دفة السلطة وبالفعل استطاعت أن تحافظ على علاقاتها مع الحكومة في جوبا لكن ثقة جوبا اهتزت وبدأت تتشكك في كينيا وخاصة أن الرئيس الكيني قام بتصرف احرج كثيراً حكومة الرئيس كير مثل زيارته لمعتقلين متهمين بالخيانة العظمى وتدبير انقلاب عسكري ، وذلك بعد عدة ايام فقط من تلك الاحداث وتلك الزيارة ربما قللت كثيراً من موقف الحكومة في قضية المعتقلين السياسيين وقللت من مصداقية الرواية الحكومية خاصة حول الانقلاب .
ولم يتوقف دور كينيا في ذلك فقط بل استمر دور كينيا و اثيوبيا في الضغط على الحكومة والرئيس كير من اجل اطلاق سراح المعتقلين السياسيين وبالفعل تم لهم ذلك وتم اطلاق سراحهم ، وتكفلت بإقامتهم في نيروبي و اقاموا في فلل رئاسية طيلة فترة الحرب حتى عادوا للبلاد قريباً ولقد كانوا يلتقون كثيراً بالرئيس اوهورو ، وللوقوف القوي لكينيا خلفهم تمكن مجموعة المعتقلين السياسيين لعب دور حيوي وكبير في المفاوضات ولقد كان اغلب مقترحات الحل من قبلهم ، وذلك لان الوساطة كانت ترى في الحكومة والتمرد اشخاص غير حريصين لإصلاح الوضع في البلاد ، ونتيجة للجهود الكينية اصبح وزير الخارجية من مجموعة عشرة وهذا بالتأكيد انجاز كبير ينتظر كينيا منها العائد .
لم تتوقف علاقات كينيا فقط مع مجموعة عشرة بل كانت لها علاقة ايضاً علاقات جيدة مع التمرد بقيادة دكتور رياك مشار وزار كينيا اكثر من مرة وتم استقباله استقبال اثار غضباً لدى جوبا حيث فرش له البساط الاحمر وفي ختام مباحثاتهم عقد الرئيس كينياتا مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع د. رياك كان هذا تصرفاً غير مقبولاً بالنسبة لحكومة جنوب السودان ، لكن يرجع كل ذلك للدور الدبلوماسي الضعيف الذي لعبه وزير الخارجية برنابا مريال بنجامين ، فلقد شهدت فترته تراجعاً دبلوماسياً كبيراً وكافة الدبلوماسيين في الوزارة يشيرون لهذا الضعف في اكثر من ملف خارجي في عهد مريال بنجامين .
وفي احد اللقاءات التفاوضية وفي 27 يناير 2015م تم تاجيل جلسة كان منتظر انعقادها في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا ووفقاً لوزير الاعلام والناطق الرسمي لحكومة جنوب السودان مايكل مكوي فأنه تم تاجيل الجلسة المرتقبة بين الرئيس كير وزعيم التمرد د. رياك مشار بسبب تاخر مشار ، مشيراً أن الاجتماع الذي كان منتظر انعقادها في يوم الثلاثاء التاسعة صباحاً لم تلتئم نسبة لعدم حضور مشار والتي كانت ستناقش فيها قضايا توزيع الثروة والسلطة ونظام الحكم في الفترة الانتقالية و اجندة اخرى ، اما مسئول العلاقات الخارجية في الحركة الشعبية وقتذاك د. ضيو مطوك فلقد برر تاخر رياك لانه لا يملك طائرة خاصة ولعدم وجود حجز لتسهيل تحركه من نيروبي الى اديس ابابا و انهم لا يملكون المقدرة المالية لإيجار طائرة خاصة ولقد اشار مطوك بأن رياك كان ملتزماً باجتماعات اخرى لم يكشف عن طبيعة تلك الاجتماعات ؟ .
ووفقاً لمصادر فأن رياك تأخر لانه كان في اجتماع حتى ساعات متأخرة مع الرئيس كينياتا ونائبه ويليام روتو و تاخرت محادثات السلام لان رياك كان في اجتماع مع مسئولين كينيين ، و تم عقد الاجتماع في الليلة التي يفترض بمشار أن يكون في اديس للقاء الرئيس كير ، وذلك لاجتماع لم يتم الكشف عنه وظل الرئيس كير ينتظر ، ووفقاً لجدول الرئاسة الكينية فلم يكن مدرج في ذلك اليوم 27 يناير أي اجتماع مع زعيم التمرد د. رياك مشار ، لكن مسئولاً كبيراً في الحركة كشف بأنه كان في اجتماع مع مسئولين كبار ، و كان الرئيس الكيني ونائبه مهتمين بإبلاغ وتحذيره ( رياك ) بأن لا يقبل باي اتفاق يسمح بالتدخل الاجنبي في جنوب السودان وفي نظامه القضائي مستدلين بتجربتهم مع المحكمة الجنائية الدولية الذي مثل امامه الرئيس كينياتا .
ووفقاً لمكوي فأن رياك الذي كان يفترض وصوله في الساعة التاسعة صباحاً لم يصل الى اديس حتى الرابعة من مساء ذلك اليوم بينما هم في انتظاره ، و ربما تلك الموقف من قبل التمرد وزعيمها اغضبت الحكومة وفي اليوم التالي بدأت المحادثات في وقت متاخر لان الرئيس كير في ذلك اليوم لم يخرج من مقر اقامته سوى في وقت متاخر أي عصر ذلك اليوم وهو ما اثر بشدة في جدول الايقاد التي كانت تنتظر أن تختم مباحثات الرجلين بعقد قمة في التاسع والعشرين من نفس الشهر وتم تاجيلها الى شهر مارس ، ولقد اكد المتحدث الرسمي باسم الرئيس الكيني اوهورو كينياتا في وقت لاحق أن رئيسه التقى بمشار دون ان يحدد وقت الاجتماع بالتحديد .
رغم أن المتحدث باسم كينياتا لم يوضح القضايا محل النقاش بينهم ورياك غير أن مسئولين كبار اكدوا أن العدالة كانت واحد من القضايا الرئيسية في صلب نقاشاتهم ويقول مبيور قرنق دي مبيور نجل الزعيم الراحل د. جون قرنق و ام الشعب الجنوبي ماما ربيكا نياندينق أن المحاسبة وتقرير لجنة التحقيق الافريقية برئاسة الرئيس النيجيري السابق اوباسانجو ، ويقول مناوا بيتر ايضاً حول نفس الموضوع " في الحقيقة د. مشار التقى مسئولين كينيين كبار ومن ضمنهم نائب الرئيس ويليام روتو الذي حكى لمشار التجربة الكينية مع المحكمة الجنائية الدولية طالباً من مشار و الحركة الشعبية في المعارضة أن يكونوا راشدين وعدم السماح للمجتمع الدولي بتولي المسئولية في جنوب السودان .
و كشف روتو لمشار نماذج للدول التي تدخل فيها المجتمع الدولي وتركوا فيها مشاكل جمة ، ومن جانبه حذر الرئيس كينياتا مشار وطلب منه أن يكون يقظاً وحذراً من الاجندة الخفية للمجتمع الدولي الذي يريد تدويل قضية جنوب السودان وفي حالة حدوث ذلك سيضر بجنوب السودان والقارة بكاملها . في النهاية يبقى صعباً القول بأن الحكومة لم تكن على علم بالاجتماع بين رياك والرئيس الكيني ونائبه وطالما أن القضايا محل النقاش كانت المحكمة الجنائية الدولية والتدخل الدولي في جنوب السودان حيث سبق وطرح قضية وضع جنوب السودان تحت الوصاية الدولية لذلك اعتقد أن الحكومة لها علم تام بتلك الاجتماع وتفاصيلها او ربما هي من اوعزت على الحكومة الكينية بالتحدث مع مشار حول التدخل الدولي في جنوب السودان .

حكومة متعددة الاطراف و الحكومات :

في 14 يناير 2015م مؤسسة فرونتير اكونوميكس الاستشارية ( Frontier Economics ) ومقرها لندن نشرت المؤسسة تقريراً اعدتها بالتعاون مع مركز دراسات السلام والتنمية بجامعة جوبا ومركز حل الصراعات في اوغندا وقدرت أن اقتصاد جنوب السودان انكمش بنسبة 15% نتيجة للحرب ، ويقول التقرير أن الصراع في جنوب السودان قد يكلف دول الاقليم ( اثيوبيا وكينيا والسودان و اوغندا وتنزانيا ) 53 مليار دولار إذا استمرت الحرب خمس سنوات اخرى مع تعاملها مع ازمة اللاجئين والاحتياجات الامنية وغيرها من الاثار التي تخلفها الحرب والتي تحتاج تداركها والتعامل معها الى اموال اضافية .
وقال التقرير أن التكاليف البشرية والاقتصادية للصراع تسلط الضوء على الحاجة الى جهود دولية سريعة لانهاء الحرب وتوقع التقرير أن يخسر جنوب السودان نمواً اقتصادياً تصل الى 28 مليار دولار إذا استمرت الحرب خمس سنوات ويضيف التقرير الصادر من العاصمة الكينية نيروبي دون إنهاء سريع للقتال يواجه جنوب السودان خطر التحول الى دولة فاشلة .. لكن الاسوأ هو أنه قد اصبح مركزاً للصراع الاقليمي الشامل و اضاف التقرير لضمان ألا يكون هذا هو مسار جنوب السودان ، ينبغي للزعماء الافارقة اتخاذ اجراءات سريعة وحاسمة بدعم كامل من المجتمع الدولي .
وبناءاً على التقرير فأن التكلفة التي سيتكبدها جنوب السودان إذا استمر الصراع ما بين عام وخمسة اعوام ستتراوح بين 22.3 مليار دولار و 28 مليار دولار ، وسيصل تأثير هذا النمو المفقود عند حسابه على مدى 20 عاماً الى ما بين 122 مليار دولار و 128 مليار دولار وقد يزيد الانفاق على الامن في جنوب السودان بمقدار 2.2 مليار دولار إذا استمر الصراع خمس سنوات ، ويقول التقرير أن إنهاء الصراع في غضون عام بدلاً من خمسة قد يوفر ايضاً 30 مليار دولار على المجتمع الدولي في شكل نفقات على حفظ السلام والمساعدات الانسانية ، ووفقاً للحكومة السودانية فأن استمرار توقف التجارة الحدودية بين البلدين قد خسرت السودان اكثر من مليار الدولار .
وتواجه يوغندا نفس الازمة في ظل تدهور اسعار البترول عالمياً ودخول جنوب السودان في ازمة اقتصادية نتيجة للحرب التي اوقفت ابار البترول وقلة العائد منها وانخفاض المبادلات التجارية بين الدولتين ؛ وكينيا التي تهيمن على قطاع البنوك فلقد اثرت الازمة في العائدات التي كانت تقدر بملايين الدولارات كانت تعود من هذا القطاع وكذلك الامر بالنسبة لاثيوبيا التي تهيمن على قطاع الفنادق حيث انخفض عدد مرتادي تلك الفنادق والمستثمرين ، والسودان تأثرت تأثير كبير من هذه الازمة باعتبارها كانت تريد تعويض خسارتها للنفط التي اصبحت اغلبها في جنوب السودان من التجارة الحدودية والاستثمارات وغيرها .
و الان السودان حريصة كل الحرص على عدم إجراء أي تعديلات في اتفاق التعاون المشترك وخاصة في الجزئية المتعلقة بالنفط ، لان الاتفاق بشكلها الكامل كان في صالح السودان ويبدوا من خلال قراءة الاتفاق أن السودان قدمت شروطاً ملزماً للجنوب دون ان يتم التفاوض حولها فبينما هي تنال 25 دولار مقابل كل برميل نفط يتم تصديرها عبر اراضيها من 30 دولار التي تمثل سعر برميل النفط و مليارات الدولارات من المساعدات على مدى ثلاثة سنوات ونصف ، و الان الرئيس البشير يكشف عن جاهزيتهم لإعادة التفاوض حول رسوم العبور واستخدام المنشات النفطية ، لكن مقابل ماذا ؟ مقابل تنازل جنوب السودان في قضايا الحدود وخاصة ابيي و اجندة اخرى ستضع تحت الطاولة .
وفي نفس الوقت رغم أن كافة دول الاقليم تبدوا انها تخسر على المستوى الاقتصادي لكنها تحقق ارباحاً سياسياً ودبلوماسياً وخاصة اثيوبيا التي تستضيف مقر الاتحاد الافريقي وتريد أن تحقق نجاح دبلوماسي وبالفعل استطاع تحقيق تلك النجاح للمرة الثانية تاريخياً حيث نجحت في ذلك عام 1972م بتوقيع اتفاقية اديس ابابا على اراضيها ، أما يوغندا فهي اكدت قدرتها لتكون بوليس المنطقة تتدخل اينما وجدت ازمة امنية ولقد فعلت ذلك في العديد من دول المنقطة و لن يكون بالإمكان تجاوز يوغندا في أي ازمة امنية في المنطقة ولا بد أن السودان ينظر للأمر بعين قلق جداً من نجاح يوغندا من تجاوز حدودها لتكون بمقربة من الحدود الجنوبية للسودان .
أما السودان نفسها رغم أن الاستقلال والحرب قد كبدتها الكثير اقتصادياً لكنها بالتأكيد وفرت لها فترة راحة من الضغوط الدولية فالمجتمع الدولي لم يعد بحاجة للحديث عن ازمة الحكم في السودان فتدخل المجتمع الدولي هي التي ادت الى استقلال جنوب السودان لكن كانت نتائجها كارثية ، ورغم الحديث المكرر للعديد من المسئولين السودانيين بان استقرار جنوب السودان توفر الاستقرار للسودان و انهم يعملون من اجل ذلك غير أن الحقيقة أن مصلحة السودان في وجود فوضى في جنوب السودان .
والسودان ليست سعيدة بتحقق السلام اخيراً لكنها تريد أن تجني ثمار دعمها لتمرد رياك من ثم ستعيد التفكير من جديد حول فوضى مستقبلية جديدة في الجنوب وذلك اقرب لفكرة الفوضى الخلاقة لمهندستها وزيرة خارجية امريكا السابقة كونداليزا رايس ، فأمريكا تعيد هندسة دول المنطقة وستظل منطقة الشرق الاوسط مشغولة لما يقارب العقد من الزمان بتداعيات الربيع العربي في مصر و سوريا وتدخلها في العراق و الحرب التي تشنها السعودية في اليمن ، فالشاغل الاكبر لتلك الدول ستظل هي كيفية اعادة الهدوء والاستقرار لكن من يعرف كم من الزمن سيتطلب منهم تحقيق الاستقرار .
و في نفس الوقت فأن امريكا تخرج ايران من سلة القمامة وتنفض عنها الغبار ، و ايران تتأهب لتلعب الدور المرسوم لها بينما السعودية ينهك اقتصادياً والهدف في خاتمتها هي أن تطال الفوضى السعودية وسحب البساط من تحت اقدام اسرة السعود وذلك سيعني نهاية الحكم الملكي ليس في السعودية فقط بل في كامل دول الخليج وبما أن النفط تفقد اهميتها تدريجياً فأن دول الخليج نفسها تفقد بريقها ولن يكون من المهم أن تكون دول الخليج مستقرة ووقتها ستعود مصر لتلعب دورها في المنطقة العربية وتحل محل السعودية . السودان تدرك جيداً اهمية إبقاء الجنوب في حالة فوضى دائمة لكنها في نفس الوقت تدرك اهمية استقرارها لفترة من الزمن للاستفادة من إنتعاشها الاقتصادي ، لكن الفوضى لن تتوقف على الجنوب فقط بل ستنال السودان حظها الوافر من غياب الاستقرار و الامن على حدودها الجنوبية .
اما كينيا فهي استطاعت أن تكون قريبة من كافة اطراف الصراع سواء كان مجموعة الرئيس كير او مجموعة رياك او مجموعة باقان فهي لم تخسر شيئاً من الصراع وستستطيع تعويض الخسائر الاقتصادية في فترة السلام ، وفي ظل تلك الحرب استطاعت كينيا أن تتدخل في احد المناطق الحدودية ( نادبال ) المتنازع عليها وهي تدرك أن حكومة جوبا لن تتحدث في الامر وهي مشغولة بمحاربة التمرد وكذلك فعلت يوغندا في النزاعات الحدودية بين المجتمعات المحلية في حدود البلدين . ويمكن القول أن المنطقة بكاملها مستفيدة من عدم وجود جيش قوي في جنوب السودان ، جيش مشغول بحروب داخلية طالما أن للجنوب خلافات حدودية مع يوغندا وكينيا والسودان لذلك ستظل المنطقة تخشى أي استقرار طويل الامد في جنوب السودان .

كيف ستتحقق مصالح دول الجوار :

أن تحقيق مصالح هذه الدول من خلال حكومة الفترة الانتقالية ستتم عبر التكتلات التي تمثل حكومة الفترة الانتقالية فبالنسبة لكينيا فأن وجود دينق الور وزيراً للخارجية ممثلاً لمجموعة المعتقلين السياسيين ووجودهم في الحكومة الانتقالية و عودة اموم كامين عام للحركة الشعبية ستحقق مكاسب اقليمية ودبلوماسية لكينيا لان التنسيق مع الور لن يكون صعباً ولقد طوروا في الفترة الماضية علاقات قوية في فترة وجودهم في المنفى و الامر المماثل لتنزانيا وجنوب افريقيا التي عززت دورها مؤخراً في البلاد من خلال دعمها اللا محدود لاتفاقية اروشا لتوحيد الحزب ، والتي تعتبر مشروع مجموعة المعتقلين السياسيين السابقين ولقد استطاع المجموعة مؤخراً من تعزيز علاقاتهم مع الرئيس اليوغندي يوري موسفيني مستقلين العلاقات الوثيقة التي تربط موسفيني مع ماما ربيكا قرنق ولقد قام الرئيس موسفيني على اثر ذلك بالعديد من المبادرات للم شمل الطرفين ( الحكومة والمعتقلين السابقين ) في العاصمة اليوغندية كمبالا .
ولكينيا ايضاً علاقات قوية مع زعيم التمرد دكتور رياك الذي سيصبح النائب الاول للرئيس في الحكومة القادمة ولقد استقبلته كينيا عندما كان زعيماً للتمرد بالبساط الاحمر وسمحت له بأن يفتح مكتب تمثيل لها في كينيا ، اما بالنسبة للسودان فهي بلا شك تنتظر بفارغ صبر تشكيل الحكومة الانتقالية رغم أنها ليست سعيدة بعودة اولاد قرنق الى سدة السلطة وغاضبين على الامر ، ومؤخراً بدأت وسائل الاعلام تتحدث عن الفرص المتاحة امام دينق الور لشغل منصب وزير الخارجية الذي رشحه لها مجموعة المعتقلين السياسيين ، وما يؤخذ على دينق هو انحداره من منطقة ابيي ويصفه البعض بالسوداني الذي لا يمكنه شغل منصباً رفيعاً كوزير للخارجية .
و بدأت وسائل اعلام سودانية تتحدث عن الموضوع ويبدوا أن السودان ليست راضية بتعيين دينق في المنصب وليس عودة دينق فقط بل عودة اولاد قرنق ( باقان اموم ودينق الور ) بالتحديد والسودان تريد أن تنتهي حياتهم السياسية وما يثار هذه الايام حول تعيين دينق في منصب وزير الخارجية لا بد أن السودان يلعب دوراً ضاغطاً خلف الكواليس . لكن ما يسعدهم هو أن تعبان دينق كبير مفاوضي المعارضة سيشغل منصب وزير النفط ، وربما سيشهد عهده انفراج العلاقات مع السودان وخاصة ان الفترة القادمة ستشهد اعادة التفاوض حول رسوم عبور النفط ، وخاصة أن الاتفاق شارفت على النهاية وربما الخرطوم لا تقلق كثيراً من امر تلك التفاوض طالما أن تعبان هو وزير النفط و رياك مشار هو النائب الاول للرئيس .
لذلك ربما ستشهد علاقات البلدين استقراراً نسبياً ولن يكون هنالك تصاعداً كبيراً في خلافات البلدين طالما أن الملفات الحساسة سيتمكن رياك من احتواءها و أن تعبان سيتعاون في ملف النفط ، وربما ملف ابيي سيحاول دينق الور احياءها دبلوماسياً لكن الخرطوم مطمئنة طالما أن الرئيس كير لن يكون علاقته مع دينق جيدة لدرجة كبيرة وخاصة أن الحكومة رفضت مؤخراً القبول بنتائج الاستفتاء الاحادي لدينكا نقوك لان الخرطوم لم تقبل بها لذلك ليس هنالك ما تقلق كما أن رياك ليس مهتماً كثيراً بهذا الملف طالما أن علاقته مع السودان والرئيس البشير جيدة ووفقاً لبعض التصريحات الاعلامية لصحف سودانية منسوبة لإدوارد لينو مستشار رئيس الحركة حيث نقل عنه أنهم قد اتفقوا في مؤتمر فقاك على أن يكون ابيي احد الولايات التي اعلنها التمرد ، ونقلت نفس الصحف السودانية رداً لدكتور رياك يصف فيه حديث مستشاره بالكلام الفارغ و لم ينفي احد تلك التصريحات .
اما يوغندا فهي ليست قلقة على شيء طالما أن الرئيس كير مازال في السلطة فلقد قدمت له الكثير من الدعم الامني في وقت حرج جداً ودفعت بقواته الى ارض المعركة لذلك هي لا تخشى على استثماراتها والعلاقات التجارية بين البلدين ووجود مواطنيها في جنوب السودان ولقد اكدت يوغندا اكثر من مرة أنها لن تتهاون إن مست مصالحها في جنوب السودان شيئاً ، وعندما اصدرت وزارة العمل قراراً يمنع عمل الاجانب في بعض الوظائف ارسل موسفيني وزير خارجيته مبعوثاً له يحمل خطاباً حول الموضوع وتعرض المواطنين الجنوبيين في يوغندا لسوء المعاملة على اثر ذلك .
وعندما قرر وزير الداخلية السابق منع الاجانب من قيادة البودا بود ( دراجة نارية تستخدم كوسيلة للمواصلات ) ايضاً تعرض المواطنين الجنوبيين للتهديد إن لم يسحب الحكومة قرارها وبالفعل تراجعت الحكومة ايضاً عن تلك القرار ، يذكر أن الكثيرين من اليوغندين يعملون سائقي بودا في العاصمة جوبا ، و رداً للجميل فأن جوبا ستحرص على تطوير علاقاتها في الفترة القادمة مع كمبالا لكن علاقات يوغندا ستكون سيئة مع النائب الاول للرئيس د. رياك مشار لكنها بالمقابل ستكون جيدة مع الرئيس كير ووزير الخارجية دينق الور . موسفيني بعد فترة من الصراع حاول اكثر من مرة رأب صدع علاقاته مع رياك ولقد ارسل اكثر من مرة في طلبه لكن رياك ظل يرفض تلبية دعوته ، لكن رياك سيعيد النظر في الامر فيوغندا لاعب مهم لا يمكن تجاهل وجودها ، لكن رياك سيواجه عقبة كبيرة لان ذلك سيغضب الخرطوم .
اما اثيوبيا فليس من الواضح أن كانت لها أي نوع من العلاقات مع مجموعة عشرة ، لكنها بالتاكيد بحاجة للتعاون مع وزير الخارجية دينق الور في الفترة القادمة و الور بالفعل إن كان لهم علاقات مع اثيوبيا فهو سيسعى لتطويره أما إذا لم يكن هنالك علاقة فسيسعى لإيجاد مدخل لإصلاح تلك العلاقات وخاصة أن اثيوبيا دولة مهمة ليس في المنطقة فقط بل في القارة الافريقية ودولياً ، و رغم أن اتفاقية اروشا تشير أن الحركة الشعبية ستعود لتكون واحدة غير أن مجموعة المعتقلين السياسيين السابقين سيسعون لبناء علاقات خاصة ، فلا احد يعرف كيف سيكون الوضع السياسي بعد الفترة الانتقالية وبعد الانتخابات إن تم اجراءها بالفعل .
اما اثيوبيا فهي بالتاكيد ستجني ثمار دعمها الدبلوماسي لرياك والمعارضة اما علاقتها مع الحكومة بقيادة الرئيس كير فهي تأثرت بالتأكيد من الحرب وفترة المواجهات في طاولة المفاوضات ، لكن اثيوبيا ربما تفكر في استراتيجية جديدة للتعامل مع جنوب السودان فالدور الاثيوبي لم يكن مناسباً لحجمها الاقليمي والدولي فهي ستبحث عن نفوذ اكبر في جنوب السودان وستحاول كسب ثقة قادة جنوبيين لتكون اكثر تأثيرا ولا بد أنها تحاول تدارك الخطوة اليوغندية بالتدخل في جنوب السودان دون تفويض دول شرق افريقيا او الاتحاد الافريقي فهذا يمثل تهديد لامنها القومي وخاصة عندما تكون في دولة جارة مثل جنوب السودان .

الخلاصة :
بقدر ما كان ازمة جنوب السودان صراعاً داخلياً لكنها كانت ذو بعد دولي و اقليمي ، اقتصادياً و امنياً فبعض الدول خشيت كثيراً من إمكانية وصول شرارة تلك الازمة الى دولها وبالتالي اغلبها لم تتعامل مع جنوب السودان كدولة ذات سيادة بل باعتبار أنها عمقها الامني لذلك تدخلت يوغندا في اليوم التالي من الحرب لانها لا تريد فراغ سياسي و امني في دولة جارة لها لان عواقب ذلك سيطال النظام السياسي وستزيد من المخاطر الامنية وخاصة أن جيش الرب الذي يتهم يوغندا السودان بدعمها تنشط في مناطق حدودية لجنوب السودان ، وتعتقد أن أي فراق امني في جنوب السودان ستجعل السودان تتوغل داخل الحدود الجنوبية وربما الى حدودها لذلك تداركت الامر سريعاً .
و الامر ايضاً مع اثيوبيا فهي بلا شك ستشهد موجة لجوء كبيرة طالما أن النوير موجودين على الحدود مع جنوب السودان وسيوفرون الماوى للفارين من اقرباءهم وهذا سيزيد عليها الضغط في مواردها الشحيحة و اكثر من ذلك فأن اثيوبيا تخشى إمكانية استغلال مصر للازمة و اي فراغ امني في جنوب السودان ولقد توترت العلاقات بين مصر و اثيوبيا مؤخراً بعد بدء الاخيرة في تنفيذ مشروع سد النهضة الذي هدد اكثر من مسئول مصري في عهد الرئيس السابق محمد مرسي بتدميرها ، في التاسع من مايو 2014م نقلت صحيفة صومالي لاند برس أن الحكومة الاثيوبية القت القبض على ثلاثة مصريين كانوا يتجسسون على سد النهضة وهم يوسف حاج و اسماعيل عزيزي وحسان جراي بتهم التجسس على سد النهضة .
ووفقاً للصحيفة فأن الحكومة المصرية هي التي ارسلت الثلاثة الى جنوب السودان وغرب اثيوبيا لنقل معلومات عن سد النهضة ، ولقد تم القبض على يوسف حاج بالقرب من الحدود السودانية ، في حين تم اعتقال الاثنين الاخرين اثناء استخدامهما تاشيرات سياحية مزورة في منطقة قمبيلا الاثيوبية وكانا على وشك الصعود الى حافلة متجهة الى ولاية بنشنجول جوموز الاثيوبية التي يتم فيها بناء سد النهضة .
و لإثيوبيا تجربة مماثلة مع مصر خاصة في العام 1976م عندما قامت مصر بتدمير معدات اثيوبية في عرض البحر لبناء سد كبير لذلك لا تريد أن تتكرر الامر و أن لا تكون جنوب السودان هي الدولة التي ستاتي منها التهديد لواحد من اكبر مشاريعها الاقتصادية ، اما كينيا فهي ليست لها مخاوف امنية كبيرة في الوقت الحالي قد تاتي من جنوب السودان بل اهتماماتها في اغلبها اقتصادية ، والسودان تريد أن تكون جنوب السودان درعاً واقعاً لها من ضغوطات المجتمع الدولي وبالفعل وفرت لها الحرب في جنوب السودان ذلك الدرع ، وتريد ايضاً أن تكون في جنوب السودان حكومة تختارها هي وتختار وزراءها لكي تكون اداتها في محاربة يوغندا ولن تبخل بالسلاح لتحقيق ذلك . ستحرص دول الاقليم المذكورة للتواصل مع اصدقاءها في حكومة الفترة الانتقالية سواء كانوا في الحركة الشعبية في الحكومة ( IG ) او الحركة الشعبية المعارضة ( IO ) او الحركة الشعبية مجموعة عشرة ( FDs ) لتحقيق مصالحهم في الفترة الانتقالية .


[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 2 | زيارات 4340

خدمات المحتوى


التعليقات
#1408689 [SESE]
0.00/5 (0 صوت)

02-01-2016 02:45 PM
اخي كور....

التحية والود والاحترام....

مع اهمية موضوعك واستحقاقه للقراءة عدة مرات إلا ان هناك جملة واحدة سدت مدخل مفهمي المتواضع خاصة انك مثقف جنوبي تعرف ماذا تعني مفراد اللغة التي تجيدها كما يبدو من هذا المقال الضافي الرصين.....

((استقلال الجنوب)) وهذه جملة غير صحيحة خاصة اذا علمنا ان الجنوب (انفصل) ولم (يستقل) والانفصال يكون للجزء الاصيل من الكيان الكلي والاستقلال يكون لجزء لينتمي لذلك الكيان ولكنه اغصتب وضم اليه بالقوة.......

الجنوب لم يكن يوما دولة مستعمرة ولكنه كان جزء اصيل من السودان ولا بد لمن قام بذلك الفصل الشنيع ان يخضع للمساءلة والمحاكمة وانزال العقاب المناسب لحجم الجريمة....


كور متيوك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة