08-04-2017 05:50 PM

العصيان المدني: البغلة في الإبريق

زهدت طويلاً في كتابة هذا المقال و تقاعست عن إكماله حتى مضت ثمانية أشهر كاملة منذ الموعد الذى ضربناه لعصياننا المدني الثّاني. كان الأمل يحدوني في تلك الفترة أن يكفيني مؤونة الكتابة في هذا الأمر من هو أقدر مني على التحليل و الرّصد، و أكفأ في بذل الرأي السّديد للجيل الذى تصدّى منفرداً لتخطيط و تنفيذ العصيان وسط خذلان من قيادات الشعب السياسيّة و حرب ضروس من النظام و أدواته. و أعترف أيضاّ أنّ شيئاً من ذلك التقاعس كان سببه محاولتي تفادي الإعتراف المرير بفشل عصيان 19 ديسمبر، رغم ما بذله الأحرار من أبناء هذا الشعب من جهد كبير في التّخطيط و التّحشيد، متسلحين بنجاح العصيان الأوّل الذى أربك النظام و أرعبه.

تكرار وصف العصيان بالنّجاح والإصرارعلى ذلك مغالطة يجب أن تربأ عنها قوى الثّورة إن أرادت أن تتعلّم من الدّرس السابق في تطوير معركتها الطويلة مع النظام. صدقنا مع أنفسنا يحتّم علينا الإعتراف بفشل إعتصام 19 ديسمبر عن تحقيق ما صبونا إليه، و لو نجح لما سكتنا عمّا بعده و لما زهدنا في تكراره.

يخادع النّظام نفسه إن ادّعى بأن عصيان 19 ديسمبر لم يكن سوى "نملة في أضان فيل". لم يكن العصيان ناجحا، و لكنّه أقلق مضجع النظام و أضّطره للإحتراز و التحشيد التنظيمي والأمني المضاد وغير المسبوق.
سأحاول في هذا المقال أن أستعرض ما أرى أنّها كانت أسباباً لعثرة 19 ديسمبر عسى أن نتحاشاها "فنصلّح مشينا" الطويل في طريق الحريّة، و الدّروس المستفادة من ذلك العصيان و التى - و لأنّنا تعلّمناها بالطّريقة الصّعبة – لن ننساها في مقبل أيام نضالنا القادمة.

الأسباب التي أدّت إلى فشل عصيان ديسمبر:
الإفراط في التوقعات و إنتظار جثة النظام على ضفة العصيان
قضت العصابة الحاكمة زهاء ربع القرن في حياكة المؤامرات الداخلية "لفرتكة" الأحزاب و الحركات والمؤامرات الإقليمية لضرب أعدائه فكانت وراء تغيير نظم الحكم في ليبيا و تشاد و إثيوبيا إريتريا و تثبيت كابيلا الأب و الإبن. و رغم التفاؤل و الحماس الذي عمّ الناس بعد نجاح العصيان الأول حتى بدأ بعضهم يخطط لما بعد سقوط النّظام، فقد كان من الواضح أنه ليس من السّهل التخلص منه بهذه الطريقة، لا سيّما أن النّظام ينفق جل ميزانيّة الدولة على جهاز أمنه و راحة منسوبيه، مما يجعلهم أسرى عطائه مخلصين في الدفاع عن بقائه حتى و لو إستيقنت أنفسهم خطل منهجه و فساده و إستبداده. ألعصيان المدني سواء كان ناجحاً أم لا، ليس سوى لبنة في جدار صلد و خطوة في طريق طويل و شاق.

ضعف التّنسيق
صاحبت تجربة العصيان المدنى فوضى واضحة في التنسيق، إذ تولّى ذلك شتيت متنافر و أحيانا متنافس من المجموعات الشبابيّة ذات التجربة الغضّة في العمل السياسي و الجماهيري. و قد أغرى نجاح العصيان الأوّل المزيد من الكيانات لقطف ثمار نجاحه و محاولة تصدّر مشهد العصيان الثاني، فاختلط الحابل بالنابل و إمتلأت الأسافير بالرسائل المتناقضة فيما يتعلق بموعد العصيان و ما يتوجب على الناس فعله، و استغلّ عملاء النّظام هذه الفوضى للتدليل على خلو وفاض المعتصمين و خيبة مسعاهم.

غياب القيادة
كان لغياب قيادة مسؤولة و متمرسة في العمل السياسي دوراً فعالاً في إخفاق العصيان الثاني في بلوغ مراميه. فقد تعاملت الأحزاب السياسية "المعارضة" مع دعوات العصيان بميكافيليّة منقطعة النظير، فقد آثرت الجلوس بعيداً في إنتظار ما سينجلي عليه المشهد، فإن نجح العصيان سارعت إلى قطف ثماره و إن فشل تفادوا شر القتال. و لم أكن متفائلاً منذ البداية لأيّ دور لزعماء هذه الأحزاب فهم دوماً ما يكثرون عند الطّمع و يقلّون عند الفزع. لقد كانت الجماهير في أشدّ الحاجة لقيادة رشيدة و قوية تلتف حولها و تتبعها إلى بر الخلاص.

لقد كان عصيان 19 ديسمبر معركة غير متكافئة بين نظام جَيّش الدّولة بكامل أجهزتها الأمنيّة و المدنيّة بكل خبرتها و ما بذل لها من إمكانيّات غير محدودة و بين مجموعة متحمّسة من الشباب المفتقر للخبرة و التنظيم و القيادة المحنّكة.

الدّروس المستفادة من العصيان المدني
رغم عدم بلوغ تجربة العصيان المدني لمراميها التى صبونا إليها، إلا أنّها قد أضافت الكثير من الدروس التي يمكن الإستفادة منها لتعبيد طريقنا الوعر نحو الديمقراطية:
طرق نضال جديدة:
أضافت تجربة العصيان المدني وسائل جديدة و مبتكرة إلى قاموس العمل السياسي المعارض، وقد أقلقت فعاليّتها و حداثتها أمن النّظام الذي إعتاد على أنماط معينة و محفوظة. الكتابة على البالونات، صور الرقم 19 و قد رسمت بإصطفاف الشباب، الكتابة على لوحات الإعلانات، الكتابة على الأسفلت و غيرها أمثلة لما تفتّقت عنه أذهان ممن أسهموا في تنظيم العصيان.

جيل جديد:
و ممّا يملأ النفس غبطة أنّ جيلاً جديداً من الشّباب الصغار هو من قام بالعصيان الأوّل و الثاني دعوةً و تخطيطاً و تنفيذاً، جيل نشأ بالكامل في عهد التيه، درس مناهجه المشوًهة و خضع لعمليّات غسيل الدّماغ الممنهجة في الإعلام و معسكرات الخدمة الوطنية فخرج من كل ذلك أكثر وعياً و معرفة "بصليحه من عدوه". وفي حين أنّ هذا الجيل يملؤنا ثقة في مستقبل هذه البلاد و حتميّة إنعتاقها من حكم التّتار، فهو في نفس الوقت يلقي في قلوبهم الرّعب إذ رأوا فشل سياساتهم الذريع في صياغته على ما يحبّون و دنو أجلهم على يد من بذلوا الوقت و المال ليكون "جيلاً رساليا" يرث المشروع الحضاري و يقود البلاد و العباد إلى حين نزول عيسى عليه السلام!

حجم مؤيدي النظام:
أكّد نجاح العصيان الأوّل ما نعلمه سلفاً أن النّظام "لا وجيع له". فقد إنفضّ سامرالذين إلتفّوا حوله بداعي الأيدولوجيا باكراً، و لم يبق حوله إلا مجموعة من المنتفعين و حارقي البخور، و غدا بلا سند شعبي حقيقي يمكن أن يلجأ إليه عند الملمّات. و لهذا السبب، إضطّر النّظام إلى الّلجوء لسياسة الترغيب و الترهيب للعاملين بالدولة و أصحاب المحال التجارية بل و حتى سائقي مركبات النقل العام.

عندما عاد صديقي عبد العزيز من القاهرة ضحك كثيراً على المظاهرات المصرية. حكى لي كيف أنّ "المظاهرة" في مصر عبارة مجموعة من خمسة إلى ستة أشخاص تهرع إلى أحد الشوارع في وسط البلد لتهتف و تولّي الأدبار سريعا قبل أن يفرّقها الأمن المركزي. كان هذا في العام 2004. في ذلك الحين لم يكن أشدّ المتفائلين يتوقع أنّ هذه الفعاليّات الصغيرة ستراكم تجاربها لتخرج بالزّخم الذي رأيناه في ثورة يناير و أطاح بأقوى نظام في المنطقة. و من سار على الدّرب وصل.

عِزّان سعيد
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 567

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عِزّان سعيد
مساحة اعلانية
تقييم
5.88/10 (6 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة