08-19-2017 08:51 PM

الأحتجاج على وفد الحكومة في مراسم تشييع فاطمة إنه لأمر سياسيّ

لست عضواً فى الحزب الشيوعى السودانى ، ولا من ضمن أفراد أسرة الفقيدة المناضلة / فاطمة أحمد إبراهيم، لكن بحكم تواجدى ومشاهدتى لكثيرٍ من أحداث وتفاصيل ذاك اليوم، بل والحراك السياسى فى البلاد - إن كان - فيمكننى القول بموضوعيةٍ وحيادية، أن كتابة بعض المعارضين والناقمين على النظام الحاكم وبعض المؤيدين له كذلك عن حادثة منع "جزء " من الجماهير المحتشدة لبعض مسؤولى الحكومة من حضور الصلاة على جثمان الفقيدة / فاطمة أحمد إبراهيم ( بمركز شباب الربيع الكائن بحى العباسية بأم درمان) وتقييم تلك الحادثة فى إطار (الوازع الأخلاقى) فقط لاغير ، وانقسامهم مابين مؤيدٍ ومعارضٍ له، مبيحٍ للفعل وناقمٍ عليه ، يعتبر تقييماً وتحليلاً مٌخلاً ، وكل الحجج والحجج المضادة في هذا الشأن غردت برٌمتها خارج السرب، وعرضت خارج الحلقة والزفة . فالأمر فى حقيقته كفعلٍ وردٍ عليه لا دخل له بالواجب الاجتماعى ولا الأخلاق، بل يدخل فى صميم العمل السياسىِّ والاحتجاج عليه. .كيف؟ !

قبل هذه الحادثة، وخلال أول أيام العزاء ، حضر نائب رئيس الجمهورية السيد / حسبو عبدالرحمن إلى منزل المرحومة فاطمة ، وتقبل منه الجميع العزاء دون تقليلٍ من قدره أو توجيه أى إهانةٍ له أو للحكومة التى يمثلها، وذات الأمر انطبق على والى الخرطوم السيد / عبد الرحيم محمد حسين، بل ومع المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات السيد / صلاح عبدالله ( قوش ) .

بضرورة الحال ومنطق الأشياء وتباعد الشقة الفكرية ، بل والخصومة السياسية المعلنة ، لم يكن حضور هؤلاء لتقديم واجب العزاء حضوراً شخصياً كمواطنين سودانيين اعتيادين- وإن بدى كذلك- أو كأصدقاء للأسرة أو الحزب الشيوعى والديمقراطيين، ولا حتى اعترافاً وتقديراً لنضالات فاطمة ودورها السياسىِّ ، إنما حضر الإثنان الأوائل تسبقهما صفتيهما الحكومية ، والثالث برمزيته وصفته السابقة كمدير لجهاز بينه وبين الشيوعيين ( والديمقراطيين المصنفين خبط عشواء من قبله كشيوعيين) ما صنع الحداد ! الجدير بالذكر هنا أن المسؤلين الحكوميين ( حسبو و عبدالرحيم ) قد ولجا فى حضورهما السابق إلى سرادق العزاء دون أن يشعرا الناس بموكب أحاط بهما، ولا بحراسة لازمتهما ملازمة الظل للجسد ( هذه الجزئية نناقشها لاحقاً ).

قبل ذلك أيضاً، وحينما نعت رئاسة الجمهورية المرحومة فاطمة، وأعلن رئيس الجمهورية تكفله بنفقات ترحيل جثمانها من لندن للخرطوم، لم يكن هنالك رفضٌ أُسرىّ أو حزبى للنعى والمؤاساة، بل طلبت الأسرة عبر بيان مكتوب أن تتكفل هى بنفقات ترحيل جثمان والدتهم..وقد كان. وتخلل هذا الأمر نعىٌّ رسمى فى الصحف من قبل أجهزةٍ حكومية . بالتالى فإن الحكومة تكون قامت بواجبها الخاص بتقديم التعازى وأكثر دون أدنى اعتراض.

عودة الى الوراء ...كل السودان، بل والعالم الخارجى المهتم بالشأن السياسي في السودان، يعلم سلفاً بأن الحزب الشيوعي والمرحومة فاطمة سبق وأن كتبا وذكرا مراراً ، أن الرائد / أبوالقاسم محمد إبراهيم، النائب السابق لجعفر نميرى والقيادى فى انقلاب مايو 1969، قد شارك عقب انقلاب يوليو 1971 (بصورةٍ شخصية) فى تعذيب القيادى النقابى بالحزب الشيوعى الشفيع أحمد الشيخ، وهو زوج الراحلة فاطمة، وذلك قبل إعدامه شنقاً. بل وتذهب بعض الروايات إلى أنه قد قضى نحبه إثر ذلك التعذيب قبل تعليق جسده على المشنقة . رغم ذلك تسارع السلطات الحكومية ، و قبل (أربعة وعشرين ساعة من ابتعاث موفديها للمشاركة فى تشييع جثمان الفقيدة) إلى ترقية أبى القاسم، من رتبة رائد إلى فريق ! هكذا،بعد سويعات من رفض أسرة الفقيدة تكفل رئاسة الجمهورية بتحمل نفقات ترحيل جثمانها !

قبل وصول جثمان الفقيدة فاطمة ، أعلن الحزب الشيوعى واللجنة المشرفة على التأبين ( تضم بعض اهالى الحى والأسرة والأصدقاء ) خط مسار الموكب الذى سيتم تنظيمه، زمانا ومكاناً، لحظة هبوط الطائرة التى تقل الجثمان حتى مواراته الثرى. وتناقلت الإعلان الوسائط الإلكترونية، كما أشارت له الصحف أو بعضها .

من ناحيةٍ أخرى ، وحسب علمى الشخصى وما شاهدته سابقاً، أنه فى حالة رغبة رئيس الجمهورية المشاركة فى أى حدثٍ اجتماعى داخل الأحياء السكنية على وجه التحديد، فإن رجال الأمن يدرسون المنطقة، مداخلاً ومخارجاً، ثمّ يأتى قائد الدراجة النارية من رجال المرور ،ليعرف أى الشوارع والاتجاهات التى ينبغى أن يسلكها هو والسيارات التى سيكون فى مقدمتها. وبضرورة الحال لابد أن ينطبق هذا الأمر- ولو من ناحية جزئية - على وفد حكومى رفيع يتكون من السيد / رئيس الوزراء - الذى يشغل فى ذات الوقت منصب نائب رئيس الجمهورية - يأتى مصطحبا معه فى ذات الموكب والى الخرطوم، الذى يعتبر الحاكم الفعلى لأهم ولاية فى جمهورية السودان، ( وواليا) لولاية آخرى لايقل عنه أهمية، ألا وهو السيد ( أحمد هارون) !

أصحاب نظرية الإسلام السياسى جعلوا من اليساريين- على وجه العموم والشيوعيين على وجه الخصوص- خصوما أبديين ومصافحتهم تنقض الوضوء. .فالثوانى يقولون برجعية الأوائل وعرقلتهم للحراك التقدمى والغاء الاجتهاد العقلى فى كل مايتعلق بمسيرة البشرية ، فى حين اختار الأوائل رميهم بالكفر البواح، لكيما يخرجوا الصراع من كونه بشرى خاص بتعمير الأرض، ليصبح معركة سماوية بين الملائكة ضد الشياطين. ومتى ما نكروا عليهم كفرهم واعترفوا لهم بالإيمان ،فإن الصراع سيغدو سياسياً دنيويا،الشئ الذى سيجرد الإسلاميين من سلاح أوحد اتخذوه فى المعارك السياسية.

شاءت إرادة السماء أن تتوفى السيدة/ فاطمة أحمد ابراهيم المجمع عليها من قبل الشعب السودانى ونسائه على وجه الخصوص ، فى وقت كانت الحكومة السودانية فى أمس الحوجة إلى سندٍ شعبى تظهره للمجتمع الغربى وأمريكا على وجه التحديد ودول الخليج العربى، الشئ الذى يمكنها من الإعتماد عليه والتلويح به من أجل رفع العقوبات،ولكنها لم تجتهد داخلياً مع شعبها حتى تنال منه ذلك السند.وما أن علمت أن اليسار بصدد تنظيم موكبٍ ضخم لجثمان الفقيدة فاطمة حتى قررت استغلال ذلك الأمر دون دراسةٍ وافية، ولو فعلت لما أقدمت على ترقية أبى القاسم فى ذات التوقيت، الشيئ الذى يؤكد أن قرارات الحكومة تفتقر للمؤسسية وتنتجها الأمزجة الفردية المصحوبة بالعنتريات.

اصطدم ذلك القرار برغبة غير معلنة للمعارضة ككل واليسار على وجه الخصوص أن يكون ذلك الموكب بمثابة استفتاءٍ على وجودهم فى الساحة وتمتعهم بشعبية، وأنا شخصيِّاً لا أرى غضاضةً فى ذلك ، فالتاريخ شهد على أعمالٍ سياسية وثورية انطلقت ذات مأتمٍ ..ولماذا نذهب بعيداً ، فثورة 1924 أو حركته قد انطلقت من المقابر إثر هُتافٍ من حاج الشيخ عمر ضد الإنجليز حين وارى السودانيون الثرى المأمور المصرى عبدالخالق حسن !

سبق وأن أشرنا إلى الكيفية التي يحضر بها رئيس الجمهورية للمشاركة فى مناسبة إجتماعية ، وتحدثنا كذلك عن الخط المرسوم لمسيرة موكب التشييع ومحطاته ، فماذا الذى فعله الموفودون الحكوميون الذين رغبوا المشاركة فى التشييع ؟
بدلا من أن يقصدوا مركز شباب الربيع حيث يفترض أن تقام صلاة الجنازة عبر طرق بديلة ومسار مختلف، فإنهم آثروا اختراق الجماهير الكثيفة التى أغرقت شارع الأربعين ، بل واقتحام الشارع الفرعى داخل الحى حيث التواجد الجماهيرى أكبر، وذلك حتى يدخلوا إلى خيمة العزاء ! حيث لم تكن هنالك ضرورة البتة لذلك الأمر، فالناس كانت تستعد للتوجه نحو مركز شباب الربيع ! لكن الكاميرات واجهزة الهاتف السيار هنالك حيث الحشود كانت وفيرة الأعداد، وذلك هو المطلب الأساسى، دون أدنى إكتراث أمنى لما قد يواجهونه من مخاطر جراء هذا الازدحام والتدافع من قبل جماهير تباينت أعمارها وأفكارها.

الإحتكاك المباشر بالجماهير المكتظة والمتراصة على الطرقات ، وظهور أسلحة الحراس المصاحبين للوفد الحكومى عبر النوافذ التى فتحت، ومن خلفهم سيارات الشرطة المدجج أفرادها بالأسلحة ، بالإضافة إلى الواقعة الخاصة بترقية الرائد أبو القاسم و الشحنات السلبية ضد الحكومة والضائقة الإقتصادية التى يمر بها الشعب ، كلها ساهمت فى زيادة استفزاز الجماهير وبدأت فى الهتاف فى وجه الموفدين ، واستمر ذلك الأمر داخل مركز شباب الربيع، مما أوشك أن يتحول إلى اشتباك منعته ارادة الله وجهد اللجنة المنظمة...فماذا كان يضير الوفد الحكومى إن توجه لمركز شباب الربيع مباشرة ً أو للمقابر ؟! إنه الإستثمار السياسىِّ يا سادة ، فقد حاول الوفد الحكومى استثمار ذلك الحدث والزوبان داخل الجماهير للزعم بوجود قبول شعبي له ، ولتأكيد وجود تسامحٍ اجتماعىٍّ فى الوطن الذى يحكمونه، ولأن بعض الجماهير فطنوا لتلك الرغبة ،فقد عملوا على عدم تحققها، وفى علمهم أن الكاميرات المتواجدة وأجهزة الهواتف السيارة لا شك بناقلةٍ لهذا الأمر.

اذا ما نظرنا فى العالم سنجد أن الهتاف فى وجه المسؤلين الحكوميين في ظل تواجدهم الشخصي أمام الجماهير، بل والسير خلفهم وترديد عبارات توضح فشلهم لهو احتجاجٌ سلمى مقبول ومصرحٌ به دستوراً وقانوناً ، غض النظر عن سبب ومكان ذلك التواجد الشخصي للمسؤول الحكومي، فالهتاف والاحتجاج فى مثل هذه الموقف ليس الغرض منه إسقاط النظام، إنما التعبير عن عدم الرضا،سواءً عن المسؤول نفسه أو سياساته .


محمود دفع الله الشيخ / المحامى





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1512

خدمات المحتوى


التعليقات
#1684447 [خالد حسن]
0.00/5 (0 صوت)

08-20-2017 10:00 AM
تحليل جيد مثال لما حدث فى بريطانيا
فى حريق Grenfell Tower فى لندن فى رمضان الماضى .. جاءت رئيسة الوزراء بعد يومين من الخلف وفى الخفاء لتقابل رجال الإطفاء والشرطه بعيدا عن المواطنين والمتضررين .. وحين علم المواطنين بحضورها ذهبوا لمكان سيارتها وهتفوا ضدها (Coward),وشيعوها بالهتافات زى Murder حتى غادرت .. ولم نقرأ للصحف البريطانيه ولا للصحفين مقالا يندد فيه بالمتظاهرين أو يصفهم (بالرجرجه ولا الصبيانيه ولابالتصرف الأحمق أو غير الحضارى) زى صحفيين الهنا العندنا .. مع العلم أن حضورها أيضا كان لحدث مات فيه 80 شخص وشردت أسر .. ورئيسة الوزراء البريطانيه لم تقتل أو تسرق أو تعذب شعبها.. ورغم ذلك إعتذرت رئيسة الوزراء عن تقصيرها فى عدم حضورها للمصابين وأهل المفقودين فى نفس يوم الحادث ..

شاهد فيديو طرد رئيسة الوزراء البريطانيه من مكان العزاء لحادث الحريق فى لندن
https://www.youtube.com/watch?v=YdIu9b3ZI-A

[خالد حسن]

#1684301 [abdulbagi]
0.00/5 (0 صوت)

08-20-2017 06:18 AM
تحليل منطقى وموضوعى من رجل قانون.

[abdulbagi]

محمود دفع الله الشيخ / المحامي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة