في



المقالات
السياسة
بحر الدّميرة
بحر الدّميرة
08-20-2017 02:12 PM


النيل هذه الأيام كارب على القيف، و التماسيح التي أخافتها المَيّكنة تتشمّس فوق حجارة النهر و تلعب في ميدان الماء الفسيح، والسبيط «مِدلي» أشكال وألوان، ينقِّط في العسل، ياريت شرابي. تسمع من بعيد خرير المياه ورَزْم الهدّام، وذوبان الرمل الأحمر في المجرى. الماء مُشبّعٌ بالطين وأظلاف النخل وكرّوق الدّوم، وعيدان شجر السُنُط والطرفه، وجذوع البوص والحلفا، وكل ما اقتلعه مدُّ الماء من حصاد السنين. الطّمي يخنُق أسماك الكانكيج والدِبس والبُلطي.. الداشكوق يخرج من مأمنه ليبرطع في حيضان الذُرة التي غمرتها المياه، فيكون صيداً سهلاً، لكن حذاري من تلك الشوكة القوية التي يحملها على ظهره، فهي قاصمة إذا ضربك بها.على ضفة النيل في أيام الفيضان حياةٌ كاملة، بمراكبها وعبيرها وطنابيرها وشواؤها.. المُرَاحات سعيدة بنبات الدِفرة الناعم فهو أشهى عشب لإدرار ضروع البهائم، و شيمة الماء تعوي صُرّة البحر، وحول مجراه العنيد تربُضُ الأرض السمراء كأنها بلقيسٌ أُخرى تكْشفُ عن ساقيها. حتى الصحراء تشارك في هذا المسور و ترنو الى الضفتين، ويغادر أطرافها المحل. تحت سّواهيها تختبيء دواهي عطشى حملتها تلاقيح الهبوب، والدنيا مغارِبْ.النيل يِكْرُبْ زِنْدِه في أغسطس من كل عام. منسوب المياه إذا شهد ارتفاعاً ليلة الثامن عشر من أغسطس، فهذا معناه أن الفيضان سيكون كبيراً. مُنذُ أمدٍ بعيد كانت للترابلة أحْبَاسُهم وللدولة أحْباسُها. الأحباس المُعترف بها رسمياً في السودان تتواجد عند الخزانات، في سنار والروصيرص وجبل الأولياء، وعند محطة الخرطوم، وهي أحباس تعطي قياسات دقيقة لمنسوب المياه في النهر، لولا أن قراءتها تخضع في كثير من الأحيان لأهواء مركزية الدولة. أما الأحباس عند الترابلة على ضفاف النيل، فهي خطوط الجروف المتدرجة، تحت ظِلال أشجار الجُمّيز التي زرعها الانجليز عند محطات البواخر على طول الشاطيء، من كرمة وحتى كريمة. الأحباس عن سكان الجزاير، أن يغطس طرف جزيرة الـ «سّاب» في ماء الفيضان. قال اسماعيل ود حد الزين: والله كم نَخَلاتْ تهفهف فوق جروف السّاب... السّاب في رُطانة النُّوبة التي يصعُب نقلها الى العربية، هو طرف الجزيرة المُنسرِب مع التيار، يأخذ شكل مثلث حاد الزاوية يتهدّل من أعلى الى أسفل بلطمات الموج.تخيّل.. هذه الكلمة المكونة من ثلاثة أحرف، تعني كل هذا الاسهاب باللغة العربية، وربما أكثر.. جروف السّاب تتجدد كل عام مع الفيضان الهادر الذي ينزع غطاء الجروف القديم و يجدده بـ «الكُرْكَتِّي» الجديد، وبذلك تكون جروف الشمال هي أخصب أطيان الأرض.. الكُرْكَتِّي معناه بالنوبية الطمي الجّاف المُتشقِق، الذي يذرفه النيل على الضفاف. هذا التكوين اللّزِج، أو ذاك الحمأ المسنون هو خلاصة رحلة نهر النيل الطويلة من مجاهل أفريقيا وهضابها الى المصّب، عبر رمال وصخور الصحراء، وهو ثروة لا تعادلها ثروة، لربما يأتي علينا زمان، نستخرجها الى أسواق العالم، بتراب القروش.. ولكن، متى يأتي زمان السعادة والحب هذا..؟
آخر لحظة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 509

خدمات المحتوى


عبد الله الشيخ
عبد الله الشيخ

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة