المقالات
السياسة
الملف الأسود..!!
الملف الأسود..!!
08-29-2017 05:24 AM

جلس حسين أيوب على مقعد الحافلة المتجهة لحي أبو آدم بجنوب الخرطوم يتأبط ملفاً كبيراً يكسوه غلاف أسود.. بلغ به السرور حد التفكير في دفع قيمة تذاكر كل الركاب..

في الحقيقة لم تكن مجرد فكرة، فقد شرع في عمل تعداد سكاني لراكبي الحافلة القديمة.. تكلفة الفكرة 50 جنيهاً.. إنها توازي قيمة عربة التاكسي التي أقلته أمس إلى منزله الجديد.. قبل أن يتخذ القرار فاجأه جاره بسؤال عن ما يحتويه الملف الكبير .. هنا ابتسم حسين أيوب، ثم التفت إلى جاره ليروي له حكاية ملف عمره خمسة وعشرين عاماً.

تزوجت يا أخي مضوي وعمري ثلاثين عاماً.. أمي وأبي اعترضا على الفكرة بحجة أنني لا أمتلك بيتاً مستقلاً ولا حتى قطعة أرض.. لكن آمونة بنت خالي تقدم لها أحد أقاربها من جهة والدتها واعتذرت.. خشيت أن يأتي رجل جاهز ويخطف حلمي.. أمونة هذه قصة طويلة.. حينما جئت للدراسة بجامعة القاهرة بالخرطوم كانت طفلة.. ولكن كانت تهتم بي.. تغسل ملابسي .. تحضر لى الطعام حين عودتي مساء.. كبرت أمونة بسرعة .. كنت أول رجل في حياتها .. عملت محاسباً بشركة علي دنقلا.. بعد ثلاث سنوات تزوجت أمونة وما زال حلم قطعة الأرض معلقاً.. بعد عام من الزواج بدأت في إعداد هذا الملف الذي يحوي حلمي في بيت.

ندم مضوي على سؤاله عن الملف الذي جعل جاره مثل المذياع.. حينما فرك الكمساري أصابع يده اليمنى حسم حسين أيوب المعركة ورمى للسائل بخمسة جنيهات مردوفة بعبارة (خلي الباقي معاك يا ولدي).. ذاك الكرم وتلك المودة جعلت مضوي يتظاهر باهتمامه بقصة الملف الضخم فسأل جاره الأشيب "أها وبعدين".. واصل أيوب حكايته.. قدمت أورنيكاً للأراضي وكان عندي ولدي محمد بس.. بعد ثلاث سنوات حضرت لأداء القسم.. هنا انتبه الجار ظاناً أن أبوب قد أصاب الوزارة.. ولكن حسين عاجله بمسألة مستعجلة .. في ذاك الوقت كان استلام قطعة أرض يسبقه القسم على اليمين، وكذلك إضافة الزوجة كمالك للأرض .

في هذه اللحظة صرخ هاتف مضوي يعلمه باتصال عاجل من زوجته .. توقف حسين أيوب ريثما تعود له إذن جاره التي التصقت بهاتف نوكيا قديم.. ولكن الجار الذي يجلس من الخلف لم يعجبه فاصل الصمت الاضطراري فتدخل في الحديث "والله يا خال انت برضو محظوظ ما حضرت الجماعة ديل والله كان رموك في زقلونا.. التفت أيوب إلى الوراء ليتفرس في وجه المشترك الجديد.. في هذه اللحظة عاد مضوي صاحب الامتياز بعد أن أنهى مكالمته على عجل .. هنا اضطر حسين أيوب ليرفع عقيرته قليلاً وهو يكمل حكاية الملف الرابض في حجره.

عشر سنين والأرض خالية.. لم يكن أحد يصدق أن أبو آدم هذه ستكون مدينة ضخمة.. كانت مجرد فراغ كبير.. في موسم الأمطار تتحول إلى ترعة.. سيدة مسنة أرادت أن تنتزع الحديث من حسين أيوب وشرعت في رواية حكايتها مع الحرامية..أيوب عاجلها بعبارة "كدي أصبري يا حاجة البلد دي ما كلها حرامية".. سيطر أيوب على الحافلة التي أصبحت آذاناً صاغية.. مارس حرق المراحل.. بعد داك اضطريت أسافر السعودية .. قلت لنفسي خمس سنوات وأبني غرفتين وبرندة .. الخمس سنوات اصبحت عشرة.. لو لا (السعودة ) كان ممكن أكون حتى الآن في السعودية ..زوجتي امونة أصرت نغير قطعة الأرض ونكون أقرب لشارع الزلط ..النقلة دي أخذت تحويشة خمس سنوات.. فكرت أبني الحلم القديم ولكن بناتي أصروا على عمارة من ثلاثة طوابق.

السيدة التي لم تكمل حكايتها أشارت للكمساري طالبة منه النزول في محطة الكبرى .. وواصل حسين أيوب .. المقاول الأول أكل قروشي.. جئت الخرطوم في إجازة وفي ظني أن بيتي وصل مرحلة السقف .. وجدت أعمدة متفرقة.. قررت أكلف خالي أيوه والد أمونة بمهمة مراقبة تشييد برج الأحلام .. أحد الركاب ضحك " والله بالغت يا ود العم تخت رقبتك في بطن أبو القدح.. انزعج حسين أيوب قليلاً وهو يبحث عن صاحب التعليق..ثم واصل "حقيقة ما أكلني خالي لكن ولدو بلع الأخضر واليابس".. هنا اشتد اهتمام ركاب الحافلة فواصل حسين الحكاية.. ابن خالي وشقيق زوجتي رهن الأرض في مرابحة مع بنك.

هنا وصل حسين أيوب لمحطة بيته الجديد دون أن يكمل القصة.. طلب من كل الركاب أن يحضروا بكرة كرامة البيت الذي اكتمل أخيراً بعد ربع قرن..أشار إلى جاره مضوي مقترحاً أن ينزل معه لإكمال التعارف.. هنا ضاق الكمساري ذرعاً بهذا الراكب الثرثار الذي لا يريد أن ينزل في محطته.. اقترح الكمساري على أيوب أن يستخدم الهاتف في التواصل مع صديقه الجديد.. في طريقه نحو باب الخروج كان أيوب يسجل اًرقام هاتف مضوي.

هبط أيوب الأرض ممسكًا بشدة على ملف البيت .. أراد أن يطمئن على صحة هاتف الصديق الجديد فضغط على زر الإرسال وهو يهم بقطع الشارع.. كان حسين أيوب ينظر من وراء الشارع لبيته الجديد بنشوة الانتصار ..الهاتف في أذنه يخبره أن المشترك مشغول بمكالمة اخرى..في وسط الطريق داهمته سيارة مسرعة.. وقع الهاتف على الأسفلت الأسود.. تناثرت أوراق الملف .. قفز ركاب الحافلة لإنقاذ الرجل فيما اهتم مضوي بجمع أوراق الملف التي ملأت المكان.

الصيحة





تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1722

خدمات المحتوى


التعليقات
#1688685 [مغبونة]
3.32/5 (8 صوت)

08-29-2017 08:04 PM
ما عارفة ليه اتذكرت قصيدة حماد ودسعيد للراحل عوض فضيل

----------------------------------------------

قصيدة حماد ودسعيد للشاعر عوض فضيل
ملخص وقائع القضية المرفوعة نيابة عن ام الحسن بت سعيد..شقيقة المرحوم حماد ود سعيد من اهالى امبكول ضد بص شمبات وآخرين..1969 ::::::::::: 1970


زول اسمو حماد ودسعيد..
وطنو الصغير اسمو امبكول
ميلادو مامعروف متين
لكن كبار ناس امبكول بيقولو :. كان سنة البحر غطي الجروف.
سنة المدير ميجر صنب زار امبكول
والعمده كان عازم العمد
واتعازمو الناس الكبار ضابحين عجل وكمان خروف
اعظم تواريخ فى سجلات المواليد فى الوجود
نوع العمل : اتوفى قبال عشرة يوم.
فى جيبو كانت بس خمسطاشر قرش
وحجاب يكف عين العدو
وثلاثة يوم... زى اللحوم... خاتنو فى التلاجة مجهول الاهل
والرادى بعد الكافنول يعلن عن الجتة ويقول
زو ل بى شنب وخدودو افقى مفصدة
فى الجيب خمسطاشر قرش وحجاب عشان عين العدا
وبعد الشقا ورحلة عزاب من امبكول للعاصمة
راح ودسعيد مجهول مصير..
يمكن يكون كترة زنوب يتلقى فى جوف السعير
واما يكون سارح فى رحمة ربو
بين حورا حسان ومداعبات وفرش حرير
وانتو اضحكو : والدنيا ايه غير المسرات والضحك
ونسات على الهاتف مع ست البنات
وهدية لى ست البنات قارورة من ارقى العطور والتانية لى نفسك براك
دمع التمر تصلب عليهو الليل عشان بيك مايطول
ولكنى برجع وبعتزر يااصدقاء
حماد شنو البلدو امبكول البخسروبو الليل وبهجات العمر
ولزومو اية الناس فى غاية الانبساط
ولزومو اية الناس ف غاية الانفلات
ذكر امبكول ذكر المسائل الما بتسر
حدثنا عن بهجة مدن
ترقص على رنة وتر من الفجر حتى الفجر
وخلينا فى دنيا البنات والوشوشات وليل الخدر
ولكنى برجع واعتزر يا اصدقاء
ما لسة باقية ام الحسن اختو اللى من اربع سنين لابسالا توب واحد وحيد
تمشيبو للبكى والفرح تمشيبو للجار والبعيد
والله فى يوم ما اشتكت قالت قدم دايره الجديد
وكيف تشتكى وهى العارفة بين حماد وبين دنيا القروش تارا قديم من زمن ابوهو وجدو والجد الكبير
فد لحظة مايتصادقوا
ويصعب على حماد شقا ام الحسن
ويتعب شديد ينزف نزيف وبرضو القروش مايتلقو
ولما خلاص ضاقت عليهو الدنيا
باع التور واشترى توب جديد لام الحسن نعلين جداد فركة ام صفيح
ماكان ضنين حماد ولااستغلى التمن
ولما خلاص شد الرحال اداهامن باقى القروش عشرين ريال
من خوفو من غدر الزمن
وفى العاصمة : حماد طلع....حما نزل
حماد عزابا ضاقو بيهد الجبال
اسفين كتير مافيش شغل امشى وتعال امشى وتعال يمشى ويجى ويقلولوا بكرة تعال
وبعدو كأنهم بمتحنو فى صبر الرجال
ولما خلاس فضلن خمسطاشر قرش وحجاب عشان عين العدو
الدنيا غنت وزغردت قبلوهو فى البوليس نفر
وقالو لو تستلم الشغل آخر الشهر
وفى اللحظة ديك والله لو حماد قدر
كان طار عشان يمشى امبكول يدى الخبر
حماد سرح
والله ياام الحسن بعد الشقا الشفتيهو ياما تسعدى
والله لاتسقى البهم لاتحشى قش و سماحه ساكت تقعدي
وللونسة والجيران تقومى وتقعدى
شطح الخيال ::::::::::
قدامو شاف ام الحسن متدللة ومتبخترة
وسط البنات فى احلى توب وزى العروسة محننة ومتعطرة
وفى اللحظة دى لاقاهو بص شمبات وحماد طار على الارض انطرح
والدم بحر سال فى التراب من قلب كان يادوبو محتضن الفرح
والدم بحر الدم كتب فوق التراب :...
والله يا ام الحسن بعد الشقا الشفتيهو ياما تسعدى
والله لاتسقى البهم لاتحشى قش و سماحه ساكت تقعدي
وللونسة والجيران تقومى وتقعدى
والرادى بعد الكافنول يعلن عن الجتة ويقول
زول بى شنب وخدودوافقى مفصدة
فى الجيب خمسطاشر قرش وحجاب عشان عين العدا
و لسة با قية ام الحسن
لليلة باقية ام الحسن ولى بكرة باقية ام الحسن ولى بعدو ام الحسن
دماعا سيل خايضابو فى زمن المحن
...

[مغبونة]

#1688643 [محمد صديق]
1.83/5 (10 صوت)

08-29-2017 05:56 PM
الله اكبر الله اكبر اخيراً هناك كوز يبدع اسمه عبدالباقي الظافر يكتب القصة القصيرة ويبدع فيها

[محمد صديق]

#1688537 [محمد]
2.47/5 (10 صوت)

08-29-2017 01:10 PM
عم غبد الرحيم

[محمد]

#1688450 [الدبيب]
3.49/5 (12 صوت)

08-29-2017 09:56 AM
والله يا الظافر أنت إنسان متشائم ومعقد فهضرباتك دى كلها بتنتهى نهايات مأساوية وهناك هوة واسعة بين مقدمة وسرد هذه الهضربة ونهايتها،، يا خى نحنا ناقصين عليك الله خليك متفائل ولو مرة واحدة،، تحتاج لطبيب نفسى والكيزان عموما لا يعرفون فن الأدب والثقافة.

[الدبيب]

#1688368 [فانتوم]
2.66/5 (10 صوت)

08-29-2017 06:59 AM
ياااااخي بوظت اعصابنا قلنا الراجل مات

[فانتوم]

عبد الباقي الظافر
 عبد الباقي الظافر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة