09-02-2017 09:44 AM

عودة لذكرى التجاني الماحي
مراجعة لمجموعة مقالات بمناسبة مرور ربع قرن علي رحيل د. التجاني الماحي
جمع و قدم للكتاب: قاسم عثمان نور

درج أهل السودان علي الاحتفال بذكري رحيل أعلامهم أكثر مما يحتفون بهم في حياتهم! لاحظ ذلك الكثير من الناس وهو علي كل حال أمر طيب و قد يثمر عن سفر قد يبقي علي مر الزمان ، مثلما هو الحال مع د. التجاني الماحي. عُدتُ لمجموعة المقالات التي أُعدت لذكري رحيل د. التجاني و كأني أقرأها لأول مرة ! مررتُ علي المحتوي حيث شارك في تلك المناسبة عدد كبير من الأعلام وهم بين حواري بالتجاني موله و متيم و زميل أو تلميذ د. عبد المجيد عابدين ، حسن أبشر الطيب، عبدالله علي إبراهيم ،د. جعفر محمد علي بخيت، جمال محمد أحمد، د. الزين عباس عمارة،د. أحمد الصافي و طه بعشر و د. حسبو سليمانو آخرين و كل واحد من هؤلاء حري بنا الاحتفاء به ! مررتُ عليها منتقياً لبعضها و مستزيداً حتي أكملتُ الكتاب و كنتُ قد عزمتُ علي البدء بمقال د. عبدالله علي إبراهيم و كتاب د. جعفر محمد علي بخيت ليقيني بأنها ستكون مختلفة! بدأ لي د. عبدالله كأحد الحواريين أو درويش من الدراويش، لقد كان عبدالله أسيراً للتجاني و مأخوذاً بعلمه و أجتهاده مع سعة إضطلاعه وقد أثبت في مقاله رأياً ما زلتُ عليه مقيماً وهو أن المثقفين أو المتعلمين من أهل السودان لا يقرأوون كثيراً، وهو هنا يحتج بالتجاني كقارئ نهم أو دودة كتب كما يقولون ! و مع ذلك نسمع من يكرر قول باعة الكتب " القاهرة تكتب و بيروت تطبع و الخرطوم تقرأ" وهو بها معجب ! حديث يدحضه الواقع و المنطق – فاذا ما نظرت إلي أي كتاب جيد ستجد ثبتاً للمراجع عقب كل فصل أو باب أو في نهاية ذلك الكتاب ، ومن النادر ما تجد كتاباً لم يرجع مؤلفه لعدد من الكتب ، إذن من يكتب عليه أن يقرأ ، الكثير من القراءة و كذلك من يطبع عليه أن يقرأ ليلم بمحتوي ذلك الكتاب الذي ينوي طباعته و معرفة المنشورمن جنسه -لذلك يمكننا أن نزعم بأن كل من يطبع يقرأ و ينتهي بنا المنطق إلي الزعم بأن كل من يقرأ عليه أن يكتب و هو أمر لم ينجح فيه ب. التجاني كما أشار إلي ذلك د. جعفر محمد علي بخيت حيث ذكر" فتنة د. التجاني الماحي بتحصيل المعرفة و جمع مصادرها قد عاق إلي حد كبير جهوده في الكتابة عن إنفعاله بما قرأ! سواء كان ذلك في صيغة أصيلة أو في نقل معارف لقرائه.و لو لا إتجاه د. التجاني الموسوعي المبالغ فيه لكان هنالك توازن بين المقروء و المكتوب عند عالمنا الكبير و هذا التوازن كان سيفيدنا كثيراً في متابعة تطور آراء د. التجاني و طريقة توجهه للنتائج التي ينتهي إليها، لقد كان د. التجاني فذاً وسط مثقفي السودان ولم يكن لشغفه بالمعرفة نهاية و كان جم التواضعباشاً هاشاً، لا يخلق حول نفسه هالة من العلم المرعب و إلي جانب هذا كله كان فكهاً، نافذ البصيرة مستبشراً بالناس و الحياة" و لعل مقالة د. جعفر من أميز ما كتب حول التجاني فقد كانت متوازنة مُشيدة و ناقدة! فهو لم يكن حواراً و لكنه كان عالماً صنواً للتجاني في المعرفة و الابداع و لم يجد حظه من التكريم – و لنا أن نسأل: أين الصحفيين النجوم الذين إنتخب ؟ و أين الضباط الحفاة الذين قفز بهم بزانته الطويلة ؟ كان سابقاً لزمانه ، مبدعاً و مبتكراً!
جاء مقال جمال محمد أحمد جميلاً و حميماً و كتب عن التجاني بصدق و موضوعية" دخل علي يوماً في الظهيرة يحمل تحت إبطه قدراً غير يسير من أعشابنضراء، شديدة الخضرة،.... و ألقي بها علي كرسي كان بجانبي و جلس قبالتي يتحدث، ولكن كمن يواصل جديثاً لا كمن يبدأه، شرع يتحدث و كأنه يكمل لي حديثاً، كان قد قطعه، و جهدتُ لأقدم له أخاً من كينيا كان معي، يحدثني عن العون الذي تحتاجه بلاده في صراعها للاستقلال و كان شاباً بعيد الصيت، تحفل الدنيا بآرائه، و ترقب نشاطاته في نقابات عمال كينيا علي ذلك العهد، لكن التجاني كان في شغل عني و عنه، ألقي إليه واحدة من نظراته التي يخلع لها نظارته، وقال يخاطبنا معاً " عرفتُ السر، إهتديتُ إليه
أي سر؟
" لم يأكل المسلمون هنا القات ؟ و غير المسلمين يأكلونه، هؤلاء أميل للشرب" ...ثم ناولني (كليقة) " كل هذه الحفنة. ما هي؟ القات، لكني لم أجربه. من أجل هذه أريد لنا أنت و أنا أن نأكل ..لماذا ؟ " لنري أثره علينا يا غبي"
كان التجاني عالماً مجرباً و هكذا الأطباء في بعض دول العالم مثل أميركا ، فهم مجازون في العلوم قبل دخول كليات الطب، لذلك يعرفون أساليب البحث العلمي و يملكون ناصيته، فلا عجب أن يتحصل أطباء ولايات أميركا المتحدات علي جوائز نوبل في الطب !و هو أمر يعود بنا إلي الشهادات و إلي المناهج الدراسية، ليس في الطب وحده و لكن في كل المجالات ، تركيزاً علي الجودة .
تحصل التجاني الماحي علي دبلوم الطب النفسي في جامعة لندن في عام 1947م و ظننت بأن د. عبدالله سيكتب حول تلك الشهادات ! لعلها شهادته علي زمانه و رؤيته للمستقبل ، تلك إذن شهادات ! ب. عبدالله علي إبراهيم من علماء السودان و من الذين يجب أن نحتفي به ! و حسناً فعل البعض نيابة عن الكل ، حيث تداعي نفر لتكريمه .
وبما أن الحديث يجر رقاب بعضه ، سيكون مفيداً التذكير بأهمية التخصص في الطب و هو في إنجلترا يحتاج إلي خمس( 5 ) أعوام و في ولايات أميركا المتحدات تلزمه سبع شداد ! ...وقبله دراسة للطب في نحو ست أعوام و قبلها بين أربع إلي ثلاث أعوام في العلوم ! مما يعني بأن الطبيب الأميركي تلزمه حوالي خمسة عشر إلي ستة عشر حتي يصبح متخصصاً و نصفه بالاخصائي !
تحصل د. التجاني علي درجة الأستاذية في جامعة الخرطوم و علي كرسي الأستاذية من جامعة كولومبيا المعروفة في أميركا.كما نشر عدداً من الأوراق العلمية و لديه مؤلف " تاريخ الطب العربي" و مختصر له.حيث أثبت ذلك د. أحمد الصافي.
أما د. قاسم فقد كان له الفضل في جمع مادة الكتاب و في التقديم له و هو أيضاً من المهتمين بجمع المعرفة في البلاد و حري بنا الاحتفاء به كذلك- فهو مهتم بأمر الكتب إهتمام الطيب محمد الطيب بالأدب الشعبي!
كان قاسم علي معرفة بالتجاني و قد أورد وصفاً جاء في كتاب الطبقات حول أحد العلماء ليصف به التجاني "...في كتاب الطبقاتلمؤلفه ود ضيف الله تكررت عبارة تقول إن العلم يخرج من فلان دخاخين ...دخاخين و كنت أظنها عبارة تحمل الكثير من المبالغة، و لكن الذي إستمع لفقيدنا في إحدي مجالسه يصدق تلك العبارة، فقد كان العلم يخرج كالدخان يلف الحاضرين بسحابة من المعرفة و يغمرهم بأمواج كالسيل المتدفق من الفطر و العلم و الثقافة التي لا حدود لها..."
تعتبر مكتبته التي أهداها لجامعة الخرطوم من أثري المكتبات الخاصة..وقد عرضت عليه إحدي المكتبات العالمية مبلغ يقارب المليون دولار أميركي ثمناً لها و لكنه لم يأبه لهذا العرض و آثر الاحتفاظ بها في السودان."
تضم المكتبة 15000كتاب و حوالي 3000مخطوطة و مئآت الخرائط .
تطوع التجاني للقتال في حرب السويس في عام 1956م.دفاعاً عن مصر و آخرين من بني السودان ! هل سمعتم عن مصري تطوع للدفاع عن أراضي السودان ؟
ولد التجاني في عام 1911م بالكوة بالنيل الأبيض و تخرج في عام 1925م ،عمل في مختلف أنحاء البلاد و تحصل علي دبلوم الصحة النفسية في جامعة لندن في عام 1947م و عمل في هيئة الصحة العالمية خلال الفترة من عام 1959 إلي عام 1964م بالاسكندرية.ثم عضواً بمجلس السيادة عقب ثورة أكتوبر. و من بعد محاضراً في الطب النفسي بجامعة الخرطوم حتي وفاته في عام 1971م ! عن عمر لم يتجاوز الستين ! فيا له من عمل كبير في عمر قصير!
كان التجاني شجاعاً لا يهاب التحدث في أي مجال ! حديث العالم العارف و الحكيم المتبصر. مثلما كان حديثه حول الدعارة في الخرطوم حيث كانت لها مواقع معروفات بالمدن و كان من رأيه أن تظل متاحة للناس ، إذ الجنس حاجة طبيعية خاصة مع صعوبة الزواج كثرة المثالب التي ترتبت علي غياب مواقع الدعارة التي عم بلواها و أنتشرت لكل مكان حيث نري اليوم نتائجها في الأطفال المولودين خارج إطار الزواج و الذين يلقي الكثير منهم حتفهم بالاجهاض و الرمي في الزبالة و الشوارع و من يعش منهم يلاقي المصاعب كلها في دور لا ترحم ! أمر يحتاج إلي دراسة و إعادة نظر !
إن جريمة الزني أخف من قتل النفس التي حرم الله وهي أكثر فساداً في الأرض. جاءت تلك الاشارة في مقال د. متوكل أحمد أمين. وقد دار ذلك الحديث في مناظرة بجامعة الخرطوم بين التجاني و طه بعشر – كان موضوعها " هل الدعارة ضرورة إجتماعية؟" وهنا قد نحتاج إلي بحث علمي أو تحقيق صحفي للمقارنة بين عدد اللقطاء من الأطفال خلال عشر أعوام في ظل البغاء و عددهم خلال عشر أعوام في ظل المنع الآن ! سنري عجباً !!
سفر ممتع جاء نتاجاً للاحتفاء بذكري التجاني الماحي وهو علم نادر! و لكن أليس حقيق بنا أن نحتفي بأعلامنا و هم بيننا ؟ ظاهرة بدأت إحتفالاً ب د. منصور خالد و د. عبدالله علي إبراهيم- ليت الاحتفال ينتهي بتدشين كتاب يحوي كل إنتاجهم أو بعضه من غير المنشور! و ليت أحد المؤسسات تقوم علي هذا الأمر في إطار مسؤليتها الاجتماعية.


إسماعيل آدم محمد زين
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 860

خدمات المحتوى


إسماعيل آدم محمد زين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة