المقالات
السياسة
العاقب الشين لسياسة الجيهة بالدين !ا
العاقب الشين لسياسة الجيهة بالدين !ا
11-07-2016 12:30 AM


في الطريق للسادس لنحمل رأيتهم ونمضي قدما (3)

المبتدأ:
لم يرفعْ الحزبُ الشيوعي السوداني في يوم من الأيام (الشمسيات) في الخرطوم حينَ ما كانَتْ تُمْطِرُ في موسكو؛ فالعمامةُ السودانيةُ التي سربله بها رفاقُ التأسيس الأماجد كانَتْ تحميه من هوجِ العواصفِ؛ فَمَالَهُ وسقوطِ مَنْ سَقَطَ؟ ؟! !.

والخبر:
(1)
بينما يكملُ الحزبُ الشيوعيُّ السوداني استعداداتَهُ ويخطو حثيثًا نحو مؤتمرِه السادسِ؛ تظلُ أهم مطالبِ جماهيره أنْ يظلَّ متماسكًا وممسكًا برايةِ اليسار التي تعتبرُ أحدَ أهم دعائمِ استقرارِ الوطنِ وأنْ يمضيَ إلى الأمام عَلَى نحوٍ أكثر ثوريةً مستمدًا قوةَ دفعِهِ مِنْ إرثِ التَّضْحِياتِ والنِّضالات الراسخِ في وجدان مجتمعِه؛ إرثٌ دفَعَتْ أجيالُ التأسيس، من أجل ازدهارِهِ؛ وامتدادِه نحو المستقبلِ المُهَجَ والدِّمَاءَ؛ في ظروفٍ أقلُّ ما يمكِنُ أنْ تُوصفَ به أنَّها استثنائيةٌ؛ ومناقضة لفكرة انتشارِ الحداثةِ والوعي؛ في مجتمعٍ شَرَعَ حينذَاكَ لِتَوِّهِ في الخُروجِ مِن البَدَاوَةِ وشبه الإقطَاعِ؛ يُلَمْلمُ أطرافَ تنوعِه الإثْنِي والعقَدِي محاولاً بَلْوَرَتْ هويته الوطنيةِ؛ ولم يكنْ الأمرُ حينها نزهةً؛ فقد ناضَلَ رفاقُ التأسيس في خِضَمِّ بحرٍ تتلاطمُهُ أمواجُ القَبليةِ والطائفيَّةِ؛ وفي مناخٍ عاصِفٍ بريحِ التَّقْليدِ؛ واستطاعُوا بالجَلَدِ والمُثَابَرَةِ؛ غَرْسَ بِذْرَةَ الفِكْرِ التقدمي في عُمْقِ التُّرْبَةِ الوطنيةِ؛ وتولاها الحزبُ مِنْ بَعْدُ بالرِِّعاية؛ حتّى اسْتَوَتْ على عُودِهَا وآتت أؤكلَها كيانًا ثوريًّا ماركسيًّا؛ أسهمَ في تحديثِ مجتمَعِهِ؛ ونقلَهُ فراسخ في مسارِ التقدُّمِ؛ ولم يكتفِ الحزبُ الشيوعيُّ بكبدِ النضالِ السياسي فقط؛ بلْ امتدتْ يدُهُ للدَّفْعِ بحراكِ الفِكرِ؛ والثقافَةِ؛ في شتَّى مجالاتِهِ؛ حتى غدتْ ضُرُوبُ الإبداعِ كافة؛ تسيرُ في ركابِهِ؛ وتَتَأَثَّرُ بصعودِ وهبوط مسارِ كفاحِهِ في الشارعِ ووسط الطبقاتِ المَسْحُوقَةِ.

(2)
عطفًا على ما سبق ذكره؛ فإنَّ حملَ الرايةِ قُدُمًا؛ لابدَّ أنْ يكونَ مَوْصُولاً وباذخًا بذوخَ مَنْ سَبَقَ؛ ولكَيْ يكونَ ذلكَ كذلكَ؛ حقٌّ علَى رِفَاقِ اليَوْمِ؛ مُغَادَرَةُ جِرَاحِ المَاضِي؛ وتَنْقية أَجْواءِ الحزبِ الداخلية؛ التي شَابَهَا الكثيرُ من العَكَرِ في الفترةِ الماضيةِ؛ والعودةُ للصراعِ الفِكْرِيِّ المَكْشُوفِ؛ بحسبه أدَاءً ماركسية ثورية فعَّالةً لحسمِ قضايا الخِلافِ؛ دَاخلَ الأُطُرِ المؤسسية المُتَعَارَفِ عَلَيْهَا؛ شَرْط أن تتوفرَ لهذا الصراعِ؛ كافة المطلوباتِ بإتاحةِ الفُرَصِ المُتَكَافِئة؛ وَعَدَمِ الحَجْرِ عَلى طَرْحِ أوْ رَأَي مَهْمَا كَانَ؛ مَتَى مَا جَاءَ مِنْ عُضْوٍ مُلْتَزِمٍ؛ فَنَهْجُ لملَمَتِ الصَّفِ منقوصُ القَنَاعَةِ؛ وتسفيه الآرَاءِ؛ والتدابير التي تتخذُ تعسفيًا لإخماد الأصوَاتِ؛ هُو مُيرَاثُ استاليني بغيضٍ أثبتَتْ التَجْربةُ عَدَمَ جَدْوَاهُ؛ كَمَا أَنْ انْهِزَامَ البَعْضِ طَوْعًا؛ بإتباعِ نهج الابتعاد و(الحردان)؛ والذي يُمْكِنُ تَصْنِيفَهُ ووَصْفِهِ بأنه عَاهة مِْن عَاهَاتِ الطُّفولةِ اليساريةِ؛ سلوك ؛ غيرُ مَاركِسي ولا ثوري يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا.

(3)
وحتى يتمَّ تجاوزُ مَا أرتكب مِنْ أَخْطَاءٍ في المُؤتمر الخَامسِ؛ وَيَضْمَنُ الجميعُ خروجَ المؤتمر السادس بمقرْرَاتٍ إيجابيةٍ في مُسْتَوَى تطلُّعَاتِ الجماهيرِ؛ تستطيع معالجة جوانبَ الأَزْمَةِ الفِكْرِيَّةِ والتنظيميةِ كافةً ؛ يجبُ تنقيةِ الأَجْوَاءِ؛ وتوفيرُ المناخِ الصحي المُلائمِ؛ فَتَهْيِئَةُ المناخِِ والإعدادُ الجيِّدُ لانعقادِ المؤتمرِ وإتَاحةُ الزَّمَنِ أمَام اللجنةِ المُنَظِّمة لإتمامِ هذا التكليفِ الحساسِ أهمُّ مِنِ انْعِقَادِهِ مُرْتَبِكًا؛ استجابةً لضَغْطِ اللوَائحِ والدستورِ؛ وللحزبِ الشيوعِيِّ تاريخٌ جزل في هذا المقامِ؛ يجبُ أنْ تُسْتَمَدَّ مِنْهُ الْعِبَرُ؛ لتكونَ دَافِعًا قَوِيًّا لمراكمة الخبرةِ والتجرُبَةِ؛ والتَّحلِّي بُروحِ البذْلِ والعطاء؛ كل ذلك من أَجْلِ صلب عود المؤسسةِ الحزبية؛ والعودةُ بالحزب أكثر تَمَاسُكًا وقدرةً عَلَى المُضي قدُمًا في طريقِ تحقِيقِ الشعارَاتِ والبرَامجِ المُوْضُوعةِ؛ فالمُضي قدُمًا يَعْني ضِمْن ما يَعْنيه؛ تقويمُ المسيرةَ مِنَ العَثَرَاتِ السابقَةِ؛ وَتجَاوُزُ الإخْفَاقَاتِ؛ بكسرِ النَّمَطِيَّةِ وإشاعةِ فضيلة التَّفْكِير خارجَ الصُّندُوقِ؛ سعيًا لتطويرِ المنهج الثوريِّ؛ وبثُّ روحِ المُواكبة؛ وتحديثُ أدوات النضالِ؛ لِطَرْدِ روح الرَّتَابَةِ المسيطرةِ ؛ وكسرُ قيدِ البيروقراطيةِ التي تَحْكُمُ هَيَاكِلَ الحزب؛ إن تطويرَ رؤى الحاضنةِ الماركسيةِ؛ والانفتاحَ على التجربة الثوريةِ العالميةِ؛ ومَا أنجزَهُ الفكرُ التُّقدمي؛ في مَسْعَاهُ الحثيثِ لتحريرِ الإنْسَانِ مِنْ الاستغلالِ الرَّأسِمَالِي؛ هو جَوْهَرُ السَّعْيِ قُدُمًا إلى الأَمَامِ لاسْتِكْمَالِ مِشْوَارِ مَنْ سَبَقَ مِنْ رِّفَاقِ.

(4)
مَن يُضيعُ الوقتَ في التَّمسُّحِ بالعتباتِ المقدسةِ؛ مدعيًا أنَّ كلَّ شيءٍ عَلَى مَا يُرَامُ ومَن يُحَمِّلْ الماركسيةَ وِزْرَ إخفاقاتِهِ؛ هُرُوبًا مِن أزْمَتِهِ الذاتية؛ كلاهما مُتَهَافِتٌ؛ وهما وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ تُدعَى " عَجْزُ القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ"؛ وإذا مَا أَرَادَ الحزبُ الشيوعيُّ أنْ يَنْتشلَ نفسَهُ؛ مِن تَهافُتِ كلاهما ويضعَ حدًّا لواقعِ الضَّعْفِ ويتمدَّدَ جَمَاهيريًّا؛ عَلَيْهِ برفعِ الوَعْي ونشْرِهِ وسطَ أوسعِ قاعِدَةٍ شعبيةٍ؛ ففهمُ الأُطْرُوحةِ الاشتراكيةِ ليستْ مُعْجِزَةً؛ لكي نُقولَ إنَّها بحاجةٍ لشعبٍ من الفلاسفةِ لهضمِهَا؛ وفي ذاتِ الوقتِ فهي ليستْ لُقمةً سائغةً تستطيعُ عامةُ الجماهيرِ الْتِهَامُهَا؛ والاستفادةَ مِنْ دَسَامةِ مَنْهَجهَا النقدي؛ دونَ امتلاكِ الوعْي والوصول لمستوًى معينٍ من المعرفة؛ بلوغُ الجَمَاهِيرِ للحدِّ المطلوبِ من الوعي؛ هو مِنْ أَوْجَبِ وَاجِبَاتِ الحزبِ الثَّوْرِيِّ؛ وتقعُ مسؤوليةُ إنْجَازِ هذا الهدفِ الإستراتيجيِّ ؛ عَلَى عَاتِقِ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ؛ فَبَقِيَّةُ أحْزَابِ اليمينِ الطَّائِفِيِّ منها والديني؛ ليس مِن مَصْلحتِهَا امْتلاكُ الشَّعْبِ للوَعْيِ.

(5)
نجاحُ برامجِ نشر والوعيِ يتطلبُ استحداثَ طُرُقِ فعَّالةٍ؛ وابتداعَ لغةِ خطابٍ مَفْهُومةٍ؛ فالوسائلُ التقليديةِ القديمةِ التي يتوسلُهَا الحزبُ الشيوعِيُّ لإنجازِ هذا الهدفِ لم تعدْ تغني الحاجةَ المتجددةَ للمعرفةِ؛ كما أنَّ التعويلَ في شرحِ البرامجِ وتوصيلِهَا على إصدارة جماهيريةٍ وحيدةٍ -غارقةٍ في الرَّتابةِ ولغةِ المصطلحات الكلاسيكية وتُعانِي من ضِيقِ ذاتِ اليدِ والملاحقاتِ الأمنيةِ- عملٌ غيرُ مجدٍ. إِذًا الطَّريقُ للخروجِ مِن أزمةِ اعْتزالِ الجَمَاهيرِ للحزبِ والسبيلُ –أيضًا- لهزيمةِ الدَّعاوي البُرْجُوازيَّةِ التي تَعْزُو أزمةَ العُزْلَةِ الحاليةِ لاسْتَحَالَةِ اسْتِيْعَابِ الجماهيرِ للفكرِ الماركسي؛ هو تَعَديدُ المنابرِ والإصداراتِ الثقافيةِ، وتَنْوِيعُ أشكالِهَا والاستفادةُ من تقنياتِ التواصلِ الحديثةِ؛ وتنشيطُ منظماتِ الحزبِ الجماهيريةِ؛ وانطلاقها نحوَ الأريافِ والقُرَى؛ لتسهمَ فِي طرحِ تفاصيلِ البرامجِ بِلُغَةٍ واضحةٍ وجاذبةٍ؛ مع التركيزِ عَلى طَرْحِ قَضَايَا الجَمَاهيرِ المُلِحَّةِ؛ وفتحُ نقاشاتٍ حولَ الحلول؛ التي تمثل طُموحاتِ القطاعاتِ الشَّعبيةِ الوَاقِعةِ طوال الوقت تحْتَ تأْثِيرِ خطَابِ قُوَى اليَمِينِ.

(6)
لقد أَنْجَزَ الحزبُ الشيوعيُّ الخُطوةَ الأهم في مسيرةِ التجديد؛ حين أقر بوجود أزمة فكرية وتنظيمية تحدُّ من نشاطه وقوة انطلاقه نحو تحقيق برامجه؛ وهو دليل عافية؛ ومؤشرٌ عَلَى أنَّ الجَميعَ قد استشعرَ خُطُورةَ الوضعِ الحالي على مُستقبلِ الحزبِ؛ وعدم جَدْوى الاستمرَارِ على ذاتِ النَّهجِ؛ وانطلاقًا من هذا يفترضُ أن تخضعَ مجملُ التجربةِ السابقةِ -خاصةً فترة ما بين المؤتمرَيْنِ الرابعِ والخَامسِ؛ التي امتدَتْ زُهاء الأربعينَ عامًا- لمزيدٍ مِن الدِّراسةِ والتشخيصِ؛ للوقوفِ عَلَى المُعْضِلاتِ والأَزَماتِ التنظيميةِ والفكريةِ التي برزَتْ؛ والانْحِرافاتِ المنهجيةِ التي نهضَتْ؛ وقَادَتْ في نِهَايةِ الأمرِ لحالةِ الكساحِ كعلةٍ ظاهرةٍ لم يستطعْ المؤتمرُ الخامسُ أنْ يضعَ لها المُعالجَاتِ الشافيةِ.
(7)
هذا الهدف يتطلبُ جُهْدًا فكْريًا وتنظيميًا استثنائيًا مخلصًا في مداولاتِ المؤتمرِ السادسِ؛ يَخْرُجُ بالحزبِ الشيوعي مِن حالةِ أَلَّا ثَوْرِية ويؤطرُ لعودتِهِ للنهجِ الطليعي مُزِيلاً عَن كَاهِلِهِ ما تَرَاكَمْ مِن غُبارِ الأُطْرُوحاتِ اليمينيةِ الداعيةِ للتَّخلُّصِ من الحمولةِ الأيدلوجيةِ؛ بعد أنِ اتَّضَحَ أن جَوْهرَ المعضلةِ التي قَادَتْ لعاهةِ الكساحِ هي محاولةُ فرْضِ حالةً من التعايشِ الفكري بينَ تياراتٍ لم تعدْ تناقضاتُها تحتملْ غيرَ نفي أحدهما للآخرِ لينهضَ في النهايةِ ذو الأغلبية برسْمِ معَالِمَ الحزبِ إما أنْ يَكونَ حزبًا طبقيًّا ماركسيًّا ثوريًّا أو حزبًا اشتراكيًّا ديمقراطيًّا.

(8 )
ولا بأس أنْ يدلوَ كلُّ صَاحبِ دَلْوٍ بِدَلْوِهِ بما يُفِيدُ الطبقةَ صاحبة الشأن والتي لا يهمها من صِراعِ تيارات صغار البراجزةِ داخلَ حِزْبِها سِوَى التيارِ الذي يُؤْمِنُ بخيارَاتِهَا؛ وَيَنْحَازُ بصدقٍ وتجردٍ لقضايَاهَا؛ ويصطفُّ في مقدمةِ صُفوفِهَا مُدافعًا عَن مصالحِهَا؛ دونَ مَنٍّ أوْ أذَى؛ وهو لا شك التيارُ الذي سينالُ في نِهايةِ المَطَافِ ثقةَ الطبقةِ العاملةِ؛ ويبقَى جزءًا مِن قِيادَةِ حِزْبِهَا لأنه المؤهل ؛ القادرُ على التميزِ بوضوحٍ بينَ تَّطلُّعاتِه الذاتيةِ والمصالحِ الطبقيةِ؛ والمتفهمُ لحقيقةِ الفرق بينَ التناقُضَاتِ الثانويةِ والتناقضِ الرئيسِ لبُّ القضيةِ الثوريةِ؛ فالتيارُ الثوري المنحاز بصدق يجب أن يدافع عن قضايا الطبقة العاملة بتجرد ودونَ ولايةٍ أبويَّةٍ ولا وَصَايةٍ ؛ فمِنَ العَبَثِ أن يحاولَ الثوري مهما علا كَعْبُهُ الاستعلاء ؛ وتنصيبَ نفسِهِ ؛ إِلاهًا يمنَحُ الجماهير حزبًا ويعودُ وقد قَضَى وطرًا ليسحَبَهُ مِنْ تحتِ أقدَامِهَا بحجةِ استحالة فَهْمِهَا للأطروحةِ الذكيةِ وقد صدقَ الفيزيائيُّ البريطاني الشهيرُ ستيفن هوكينج وهو يقول: "أكبرُ عدوٍ للمعرفةِ ليس هو الجهلُ وإنَّما هُوَ وَهْمُ المَعْرِفَةِ".

(9)
انطلاقًا من القناعةِ بأنَّ الماركسيةَ ليسَتْ عَقِيدةً جامدةً، بلْ هي نَتَاجٌ معرفِيٌّ متواصلٌ مع تطورِ البشريةِ، وليسَتْ فكرًا انعزاليًّا، بل فكرٌ حيٌّ مبدعٌ ومتجدِّدٌ؛ سَيَبْقَى ممارسة الصِّرِاعُ الفِكْرِيُّ ضرورة لا غنى عنها داخل الحزبُ الشيوعيُّ؛ بحسبه أداةً مهمةً للمحافظةِ على حيويةِ التنظيمِ الثوري الماركسي وإبعاد شَبحِ الجمودِ والركودِ عنه وحمايتِه من تغوُّلِ التياراتِ المنحرفةِ التي تريدُ اختطافَهُ لجهةِ خدمةِ مصالحٍ طبقيةٍ تتعارَضُ ومصلحة الشرائح الاجتماعية المستضعفة؛ تحقيقًا لقاعدة "إنَّ كلَّ فراغٍ إيديولوجيٍّ لا تشغلُه أفكارُ ثورية ينتظرُ أفكارًا منافيةً ومعاديةً للثورة"؛ من هنا تتجلَى أهميةُ اعتمَادِ الصراعِ الفكريِّ؛ كأداةً لحسم خلاف التوجهات داخل الحزب الذي تقومُ فلسفتُهُ الايدلوجية عَلَى خدمةِ المجتمعِ؛ ومنحِ الإنسانِ الفهم الوَاعِي لمَا يَجْرِي مِن تبدلاتٍ في هذا الكونِ، وتُسلحَهُ بأدواتِ المعرفةِ ، لفَهْمِ قوانينِ الثورةِ الاجتماعيةِ.

(10)
لا يمكن القول اليومَ بأنَ الحزبَ الشيوعيَّ السوداني بخير مطلق ؛ وقطاعٌ عريضٌ من منسوبيه؛ يغردُ خارجَ الأطرِ التنظيمية؛ ولكنّه رغم هذا لا يزالُ؛ من أكثرِ المنظماتِ السياسية تماسكا وحرصًا على مصالح الوطنِ والمواطن؛ وهو يحاولُ جاهدًا تقويم مسيرتَهُ؛ وتلافي أخطاءَ الماضي؛ وفي هذا الإطارِ هناك قرارٌ قد خرجَ به المؤتمرُ الخامس كلفَ لجنةً بمتابعةِ قضايا العضويةِ المبتعدةِ والمُبعدةِ والبَتّ في هذا الملفِ؛ أرجو أن تكونَ هذه اللجنةُ قد أنجزَتْ ما كُلِفت بهِ؛ وإلاَّ سيكونُ من واجبِ المؤتمر السادس محاسبتَهَا؛ فلن يستعيدَ الحزبُ نشاطَه المعتاد ووهجَه النضالي الذي ميزَهُ؛ ما لم يحسمْ هذا الملفَ؛ وما لم تستحدثْ هيكلة تنظيمية جديدة تنظمُ عملَ فروعِ الحزبِ وقواعده على أساسِ المتغيرات؛ التي حدثَتْ في التركيبةِ الطبقيةِ للمجتمع السوداني؛ خلال ربع قرن ونيف من حكم اليمين الإسلاموي الذي مَارسَ تعسفًا منظمًا على الطبقَةِ العاملةِ وحدّ من فعاليةِ أدواتِ نضالها النقابيةِ؛ وأتاحَ الفرصةَ أمامَ تفشِي أمراض الرأسمالية الطفيلية؛ التي من أجل مصالحِها؛ وسيادة قيمِهَا؛ قد عمدَتْ لمحاربة المجتمع بلا هوادَةٍ؛ وهدم منظومة قيمِه ؛ وهتك نسيجِ لحمته.

(11)
إن التشريدَ الذي مارسَه نظام الحركة الإسلامية لعقودٍ على الطبقة العاملة والوسطَى؛ قد أدَّى لتشوهاتٍ عظيمةٍ في التركيبةِ الطبقية للمجتمع السوداني؛ وعَلَى الحزبِ الشيوعي أن يستصحبَ كلَّ هذه المعطياتِ والمتغيرات ؛ بما فيها تأثير العولمةِ والثورة التقنية؛ التي أحدثَتْ تغييرًا في طبيعة العملِ البشري؛ وتركيبة القوَى المنتجة؛ وامتد تأثيرها ليمس علاقات الإنتاج؛ وهو يعيدُ النظرَ في بناءِ هياكلِهِ التنظيميةِ؛ وتجديدَ أطروحاتِهِ الفكريةِ؛ فالمُتغيراتٍ عميقة وتستوجبُ استخدامَ المنهج الماركسيِّ بذكاء؛ في تحليلِهَا وتوضيحِ مدَى انعكاسِهَا؛ على مسلماتٍ نظرية سابقةٍ؛ إن القيام بهذا الجهدِ النظري أجدَى من صرفِ الوقت والجهدِ في الهروب إلى الأمامِ واستلاف أزمة أحزاب المنظومة الاشتراكية التي انْهَارَت؛ لأسبابٍ تخص تجربتها وواقعِهَا؛ ومحاكمة تجربة الحزب الشيوعي السوداني عَلى أساسِهَا؛ وهو الذي لم يرفعْ في يومٍ من الأيام (الشمسيات) في الخرطوم حينَ ما كَانتْ تُمطِرُ في موسكو؛ فالعمامةُ السودانيةُ التي سربله بها رفاقُ التأسيس الأماجد كانتْ تحْمِيهِ هوجُ العواصف؛ فماله وسقوط من سَقَطَ؟! فما يهمُّ الحزبُ الشيوعي من تلك التجربةِ هو دراستُها لاستخلاص العبرِ وليس تقديمُ الحلولِ لأهلها وهمْ أدْرَى بشعابِ واقعِهمْ أو اعتمادها بساذجة كدليل على سقوطَ الماركسية وحملِ عصَا الترحالِ في موسم الهجرةِ إلى اليَمِينِ.

(12)
لم يعد يخفى على أحد أن دعواتِ إبطالِ الماركسية التي انطلقَتْ في ستينيات القرنِ الماضي؛ ولاقَتْ رواجًا مع تفكك المنظومة الاشتراكية؛ ظلَتْ محض أشواقٌ وأمنياتٌ يمينية؛ لم تقدمْ دليلاً علميا مبطلاً لقوانين الماركسيةِ؛ ومذهبُها التحليلي النقديُّ؛ وعلى العكس من ذلك قد واصلَتْ الماركِسِيةُ عطاءَها كمرشد ثوري وتظلُّ حتى إشعارٍ آخر؛ سلاحًا حاسمًا في يد القوى الثوريةِ؛ المدافعةِ عن حقوقِ العُمالِ والفقراءِ؛ حيثُ لا يزالُ منهجُها أعظمَ منهجٍ؛ ينهى عن منكرِ استغلالِ الإنسانِ لأخيه الإنسان، ويسلِّح الجماهيرَ المستضعفةَ بالقوةِ والإرادةِ لمواجَهَةِ الظلمِ والاضطهادِ، ويزودها ببوصلَةٍ فكريةٍ لفهمِ الواقعِ، وتغييرِهِ نحوَ الأفضلِ؛ باعتبارِهَا الفلسفة العلمية التي تؤْمنُ بالتغييرِ والحركةِ والتطور؛ وقد أسس الحزبُ الشيوعي السودانيُّ؛ على هذه المحجةِ الحمراءِ؛ ورضع منسوبيِه من ثدي هذا الفِكرِ؛ وخرجَ من صلْبِه الشاكرُ الذي لا زالَ يقدحُ إلى شعبِهِ قدحًا؛ وخرجَ الناكرُ ذات فراق؛ ولا تثْرِيبَ عليه مَتَى مَا رحلَ بنكرانِهِ بعيدًا عن مضاربِ حزبِ الطبقَةِ؛ إما أن تكونَ أمنياتُ الراحلين رحيلَ الحزبِ في ركابهم؛ فذاك رِجْسٌ من عملِ اليمينِ دونه خرط القتادِ؛ فالحزبُ الشيوعي السوداني وُلِدَ ماركسيًّا طبَقِيًّا؛ وسيظلُّ كذلكَ لينحازَ لَهُ مَنْ يَنْحازُ ويتجنَبَهُ مَنْ أرَادَ.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 05/11/2015م

tai2008idris@gmail.com






تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 2023

خدمات المحتوى


تيسير حسن إدريس
تيسير حسن إدريس

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة