05-23-2011 05:13 PM

(Tubeless)* الشعار وواقع الحال

تيسير حسن إدريس
[email protected]

التصعيد العسكري الحادث اليوم بين نظامي الخرطوم وجوبا عاصمة دولة الجنوب الوليدة متوقع وغير مستغرب ولقد سبق أن أشرنا له في مقال سابق بعنوان (برنامج الخلاص الإنقاذي) نشر بتاريخ 24/10/2010م في هذا الموقع وذكرنا أنه السيناريو الراجح في حال انسداد الأفق السياسي أمام الحزبين الحاكمين (المؤتمر الوطني شمالا والحركة الشعبية في الجنوب) خاصة إذا ما أصر كل منهما على سياسة الإقصاء المستفزة للقوى السياسية المعارضة ومضي منفردا في الحكم وهو الشيء الذي ما زال يمارسه ويتمسك به الحزبان في الشمال والجنوب.
ولقد أبدينا في ذات المقال تشاؤما وعدم تفاؤل من إمكانية تغيير حزب المؤتمر الوطني نهج سياسته السالبة تجاه القوى المعارضة في الشمال وذلك لما يتميز به من شهوة مسيطرة وحب أعمى للسلطة والثروة خلب الألباب وغيب العقل فمستجد النعمة دائما أشد خوفا وحرصا على النعمة التي هبطت عليه فجأة من ابن العز وأهل الإنقاذ جل قيادتهم زحفوا للعاصمة من مواطن بؤسهم حديثا ودونهم والفطام من ضرع الوطن المترع بالخيرات حد السيف.
كما وحذرنا الحركة الشعبية من إتباع نفس السياسات الإنقاذية الحمقاء في الجنوب إذا ما أرادوا حقا بناء دولة مستقرة وإرساء أسس حكم راشد ولا أظنهم قد استبانوا النصح بدليل تنكرهم لمقررات مؤتمر الحوار الجنوبي مما أدى لتوتر الأوضاع من جديد وحمل كثير من الجنوبيين السلاح حتى بلغ عددهم خمس فصائل مسلحة.
كما رأينا في نفس المقال أن نظام الإنقاذ سيستمر في سياسته المدمرة قدر المستطاع ولن يكترث بأي حلول أو مبادرات تطرحها قوى المعارضة للخروج من عنق الزجاجة لاعتقاد قد وقر في قلوب منظريه بعد توقيع اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية مفاده أنهم قد تجاوزوا العقبة الكبرى ولم يعد من الحكمة إشراك القوى السياسية الأخرى لتقاسمهم (الكعكة المقدسة)؛ بل أكثر من ذلك اطمأنوا لكونهم بتوقيع الاتفاقية قد باتوا يحتفظون بكرت (الجوكر) –التهديد بالعودة لمربع الحرب- الذي يمكن اللعب به والربح مهما اشتدت الأزمات ، إذ أن جوهر مخطط الخلاص الإنقاذي الذي يعتبره جهابذة النظام جبل (الجودي) العاصم لنظامهم من الغرق قائم على التهديد بكرت العودة للحرب يبرزوه ويلوحون به عند اللزوم في وجه الشعب والمجتمع الدولي كلما لاحت في الأفق أزمة ما أو عصفت باركان معبدهم أنواء التغيير.
فشرح مخطط (الخلاص الإنقاذي) الذي يعتبره النظام كرت (الجوكر) بسيط ويتمثل في الهروب إلى الأمام إذا ما انسدت المنافذ وبات الخطر محدقا ومهددا لاستمرار حكمهم وذلك بالعودة للحرب مع الجنوب وشغل الجماهير برقصتها وقرع طبولها وصرف أنظارها عن كافة الأزمات الأخرى إتباعا للمثل السوداني الشائع (إذا غلبك سدها وسع قدها) والواضح أن النظام قد استعصى عليه الأمر وآن أوان اللعب (بالجوكر) فالزنقة الخارجية لا تقل ضيقا عن الداخلية وكلاهما (زنقة كلب في طاحونة).
فخارجيا ما زال سيف العقبات والمقاطعة الاقتصادية يحز ويدمي جيد النظام ونصل خنجر المحكمة الدولية مغروس في اللحم الحي رغم كل التنازلات المذلة التي قدمت والانبطاح أمام الأوامر الأمريكية والاستجابة بلا تحفظ لطلبات العم سام التي لا تنتهي، أما واقع الحال الداخلي ولفرط تعاسته لا يحتاج لمزيد شرح وهو يغني عن السؤال فالضائقة المعيشية أطبقت على رقاب 90% من الشعب الذي بات في ذهول مما يعاني من شظف العيش ويرى ويسمع من ممارسات الفساد والتجاوز على المال العام التي أزكمت نتانتها الأنوف واستعصت على (فقه السترة) فضجت بها أعمدة الصحف الموالية قبل المعارضة فالذي يحدث مخجل وكريه بكل المقاييس و فاق سوء الظن نفسه.
أضف إلى ذلك غلاء الدواء وشحه في الأسواق وانعدام المنقذ للحياة مثل محاليل غسيل الكلى وتفشي الأمراض الوبائية في البلاد حيث يصارع أغلب أهل الريف والهامش المهلكات الثلاث الجوع والمرض والحرب وليس هناك أبلغ دليل على الانهيار الكامل للدولة من منظر مواطني أحياء العاصمة المثلثة -ملتقي النيلين- وهم يكابدون الإظماء متجمهرين طلبا لمياه الشرب رغم الديدان وعكر اللون والروائح المقززة مما يضع على عاتق وزارة التربية والتعليم وأجب إعادة كتابة الخصائص الفيزيائية للماء السوداني في كتب الكيمياء المقررة!! حماية لعقول تلميذنا من المفارقة المحزنة.
لقد فاقت بالفعل سياسات الإنقاذ سوء الظن وفاق خداعه الشعب السقف الإتماني وسقطت شعاراته المبذولة الواحد تلو الآخر ، فبدل أن نأكل مما نزرع أكل المزارع والمواطن معا (هواء) وبدل أن نلبس مما نصنع غدا الكثير من غبش السودان يمشون في انكسارٍ بين الناس في رث الثياب وخضع الكثيرون من الجنسين مجبرين لصرعة الـ(Tubeless ) ليس مجاراة للموضة –حاشه لله- ولا مراعاة لظرف المناخ الحار فذاك ترف قد تجاوزه العامة؛ بل لضيق ذات اليد والفقر -قاتله الله-، وشعار (هي لله) (خلوه في سركم) وتأملوا فقط تصريحات وزير مالية الدولة الرسالية عن ضرورة العودة لأكل (الكسرة) وقارنوها بفضيحة راتب وامتيازات مدير سوق الخرطوم للأوراق المالية، أما (التي دنا عذابها) فما زال إخوان نسيبة يلهثون خلفها ويقدمون فروض الذل والطاعة طلبا للرضا والعم سام يواصل الابتزاز وهدهدت الآمال والأشواق حتى تضع ذات الحمل حملها ويطلق الوليد صرخته الأولى وعندها لكل حادثة حديث ولكل مقام مقال.
إلا أن دهاقنة الإنقاذ ليسوا (بدلا هات) فلقد ملوا انتظار سراب الوعود والحوافز الأمريكية وتيقنوا أخيرا أنها مثل سراب بقيعة ولم يعد الوقت يسمح بانتظار (جودو) الأمريكي بعد الآن فقد دخلنا في الزمن (بدل الضائع) وحان وقت اللعب (بالجوكر/ مخطط الخلاص الإنقاذي) خطة الطوارئ المعدة سلفا فعليَّ وعلى أعدائي و(الرهيفة أرئته تنقد)... هكذا... وبكل بساطة يعود السودان وأهله لنزيف الدم من جديد!! ما دام ذلك في مصلحة النظام ورجاله الأبرار ويضمن لهم الاستمرار في الحكم فما لهم وشعب السودان الطيب!! الذي استكان وآثر السلامة وعزف عن الثورات ولم تعد له آذن تسمع ولا قلب يميز ولا عقل يتدبر وذاكرته دون شعوب الأرض جميعا مثقوبة.

* Tubeless لفظ تعارف عليه الشباب في وصف من يرتدي الثياب دون ملابس داخلية فمعذرة ولكن هو واقع الحال.

تيسير حسن إدريس 22/05/2011م





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1589

خدمات المحتوى


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة