ممارسو السلطة الصغار

عبدالحميد البرنس



ما تعاني منه الآن وأنت تنظر في شرود حزين كثيف شالّ إلى هاتفك الجوال المغلق للتو ليس سوى عودة ذلك الشعور المطبق بالوحدة والفراغ. أما حرية والعامل، وقد أفرغا لاحقا تباعا ما في جعبتهما، من مقررات اللجنة المركزية وموجهاتها العليا؛ فقد جمدا، منذ دقائق، كهرمين متهدمين، وراء منصّة الاجتماع، على جانبي الرفيق البحر، الذي تحجر بدوره واتخذ هيئة أبي الهول. وقد بدا عامة كما لو أن حيثيات الاجتماع، بما فيها من عقوبة، على حامد "المستهتر"، قد عجلتْ بخطى ثلاثتهم، حرية والعامل والبحر، إلى تخوم شيخوخة مبكرة، بأكثر من اللازم. وتلك لم تكن أبدا شيخوخة. لو تمعنا في الأمر جيدا. أو لو استطعنا النفاذ عميقا خلف مظهر ذلك المعطى المرئيّ المسمّى تجعدا وحزنا على الوجه وبطئا في الحركة ورزانةَ لفتةٍ وإيماءةً غامضة أن ما تعايشونه الآن قد مررنا به من قبل. بل كان ما يُدعى في عرف بعض الرفاق "أدبا جمّا".

كذلك يبدو المعطى أحيانا محض ظلال مضللة تحجب واقع الحقيقة تزينها وتدفع إلى قبولها بنعومة.

لقد أنجز ثلاثيّ المنصّة مهمتهم الجهريّة، تلك الخاصّة بمعطيات ما هو آنيّ وراهن و"مستجد"، كحضور حامد متأخرا، بضع دقائق، عن الزمن المحدد لحضوره الشخصيّ ذاك، بدقة. وقد جاء أخيرا دور التأكيد، عبر الصمت واللغة التعبيريّة للجسد، على جوهر ما هو عقائديّ، متسم بالديمومة، وينطويّ على مهام خطيرة، كمحو الاستغلال، على صعيد عالميّ، محوا تامّا. لقد كاد وجه الرفيق البحر وحده، وقد صار علامة حزن قار لا يحتمل أعقاب ذلك الاجتماع، أن ينطق حرفيّا بعبارة وردت كإنذار من وراء مئات القرون، مفادها: "لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرا، وضحكتم قليلا"!!

إننا ندرك، يا صديقنا، من واقع تقاليد الحزب الراسخة، أن موقع ثلاثتهم الرمزيّ ذاك، على صدر الاجتماع، قد دفع ثلاثتهم يومها إلى تمثّل جهامةَ السلطة كرديف للاحترام.

حدث هذا (يا صديقنا) منذ بداية الاجتماع وحتى نهايته.

أما جملة أشياء أخرى مثل المرح، أو الهذر، أو التبسط، أو حتى السماح بظهور شيء من السخرية، في مثل سياق ذلك الاجتماع، فمحض آفات ضارة، ولا بد، بالحقل المهيب للسلطة عامة، أو فلنقل لسلطة الحزب خاصة. ذلك أن ممارسة الهيمنة على الجموع تستلزم من القائد أن يكون متزيّنا بمثل تلك القدرة على قتل كل ما هو إنسانيّ في داخله هو بالذات أولا. إذا سلمنا جدلا بمتلازمة الرصانة السلطة تلك، فأكثر ما قد ظلّ يجذب التعاطف ويشد أوتار الطاعة، إلى ممارسي السلطة الصغار هؤلاء، أن ينابيع الحنان الأموميّ في ذاكرتهم، لم تجفّ فحسب، بل تمّت ازالتها، لصالح ما ظلّ يُقدم لنا بوصفه أجدر بالبقاء من وجودنا نفسه.

ومع ذلك، شرع الرفاق (يا صديقنا) في الانصراف، عن مكان عقد الاجتماع، بأقلّ قدر من الصرامة، مقارنة بطقوس الحضور المتشددة، في سريتها وتكتمها، وقد كانوا يمضون تحت أنظار القادة القاسيّة تلك، عبر ثنائيات ومجموعات صغيرة من ثلاثة رفاق أو أربعة، أخذتْ تتشكل، من وحي اللحظة، أو على نحو بدا تلقائيا. ثم أو على غير المعتاد، رآها حامد، الذي أنهكته العقوبة وقوفا، وهي تغادر، هذه المرة، وحيدة. لم يستوقفه ذلك طويلا، في حينه، حتى من باب أن العشيرة قد أصابها خلل لا محالة، حتى لتدع "آنسة"، في مثل جمالها وسحرها، كي تسير بمفردها، في دهاليز الليل الطويل المفخخ، لمدينة كبيرة، مثل "القاهرة".

أكثر ما ظلّ يشغل ذهن حامد لحظتها أن يعثر، مدفوعا بتأثير الدوار الغامض للإحساس المر بالإعياء، على أشلاء كرامته الذاتية الممزقة شذر مذر، بسيفِ انضباط الحزبيين الذي لا يرحم، ويعيد رتقها، بينما ينزوي في صمت، متواريا عن الأنظار ما أمكن، وقد كان قضاء العقوبة على التأخر وقوفا آخر ما يرغب فيه جسد حامد المنهك أصلا، جراء الاحتفال، الليلة التي سبقت، بعيد ميلاده التاسع والعشرين، على ذلك النحو الغريب. كان عدد من بين أولئك الرفاق يتجه، مغادرا صوب بيوت العرقي الآخذة في التكاثر، على مختلف أحياء القاهرة، لشراء حصته من خمر الليلة، عسى أن يكفّ ذبابُ الحنين عن الطنين قليلا أسفل قبة رأسه. وأبدا لم تكن هناك بحامد لحظة أن أنهى الاجتماع أجندته مجتمعة مثل تلك الرغبة الملحة في صحبة، عندما بدأ يتسلل بدوره خارجا، ولم يكن حامد إلى ذلك على عجالة من أمره أبدا للذهاب إلى شقة بعيدة لا ينتظره فيها أحد.

عبدالحميد البرنس
[email protected]

عبدالحميد البرنس | 03-11-2018 04:19 AM



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.