رحلة البحث عن الشرعية
07-05-2010 06:09 PM

رحلة البحث عن الشرعية

عبد الرحمن الأمين

أن ذكرى الثلاثين من يونيو مضت هذه المرة، دون أن تقام المهرجانات وتنصب الصيوانات، وتنطلق الكرنفالات، أو حتى منح العاملين عطلة، أسوة بما كان يحدث في أعوام سابقات، ولعل لهذا الأمر دلالته وفحواه ومغزاه، فالإنقاذ من بعد أن دخلت الانتخابات، أرادت أن تجعل منها عنوان مرحلة جديدة، طابعها شرعية ظلت تبحث عنها منذ الثلاثين من يونيو من العام 1989، ومن ثم هي تريد أن تبدل إهابها القديم وتخلع عنها رداءها الانقلابي، وتنسي الناس تحركها في جنح الدجى والليل البهيم، وإطاحتها بديمقراطية وبحكومة شرعية منتخبة.

ولعل عقدة الشرعية التي عانت منها الإنقاذ، هي عقدة لازمت وتلازم كل النظم الانقلابية، ومن ثم تظل في حالة بحث مستمر وتطواف دائم بحثا عن شرعية يطمئن لها قلبها، ويركن لها فؤادها، هي تلتمس ذلك عبر طَرق مستمر على سوء نظام الحكم الذي سبقها وعلى تدهور الأوضاع العسكرية وعلى سوء الأحوال الاقتصادية، وعلى خلو المخازن من السكر والذرة وتراجع سعر العملة الوطنية مقابل الدولار، وكيف أنه لو لم تأت الإنقاذ، لكان سعر الدولار بلغ العشرين جنيها، حينها كان سعر الدولار خمسة جنيهات.

ويطرق كذلك على استثارة العاطفة الدينية، وكيف أن النظام الوليد، أوقف انقلابا كان وشيكا على الشريعة، وأن اتفاق الميرغني قرنق كان سيطيح بالقوانين الإسلامية، ويقطع وشيجة السودان العربية، ويمسخ هويته، ويسلمه لأنصار السودان الجديد والشيوعيين والعلمانيين، ثم ما يلبث أن يلبس الحرب لبوسا جهاديا، ويعلنها حربا دينية مقدسة، ليتسابق الشباب للفوز بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

ثم يلجأ نظام الحكم الى استثارة العاطفة الوطنية، وكيف أن الغرب ومن مالأه من المشايعين يريدون أن يطفئوا نور الله، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون، وأنه لو لم تأت الإنقاذ لكانت أرض السودان ستنتقص من أطرافها، وجيش قرنق كان سيقف على أعتاب الخرطوم، إن لم يقف على أبواب المتمة، ثم أن القضية أصبحت قضية دفاع عن السيادة الوطنية، كان ذلك قبل توقيع الاتفاقيات، وقبل قدوم الجيوش الأممية تحت راية الأمم المتحدة وبضمانة الاتفاقيات المرعية.

وبحثا عن الشرعية، أقدم النظام على حل مجلس قيادة الثورة، وسن دستور انتقالي، وشرع لحياة التوالى السياسي، ثم كانت نيفاشا مولدا جديدا للإنقاذ، أضفت عليها شرعية دولية، ومنحتها أغلبية عبر فترة حكم انتقالية، ومكنت بذلك المؤتمر الوطني من حكم الشمال والانفراد به، وكذا مكنت الحركة الشعبية من حكم الجنوب والاستئثار به، وأتاحت نيفاشا مساحات للحريات، وأعادت الأحزاب لساحة العمل السياسي.

ومثلما قال بروفيسور عبدالرحيم علي إن الإنقاذ، كان أكبر مطلب لها من الانتخابات التي انعقدت وفعالياتها التي جرت، أن تطمئن العالم على شرعيتها، التي ظلت محل شك دائم، ومن ثم فإن المعارضة لو خاضت الانتخابات بجدية، لكانت عرضت الإنقاذ لتجربة حقيقية.

إذن عدم الاحتفال بذكرى الإنقاذ هذا العام لم يكن غفلة أو سهوا، بل كان عمدا، ليؤرخ الناس من الآن فصاعدا لنظام الحكم بانتخابات، أضفت عليه شرعية - مهما اختلف الناس عليها- ، ظل يفتقدها وظل دائم البحث عنها .

صحيفة الحقيقة





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 875

خدمات المحتوى


التعليقات
#5134 [قاسم خالد]
0.00/5 (0 صوت)

07-05-2010 08:39 PM
قال الشاعر بادي : .... مابنصدق الكذاب ... و البيجينا بالشباك ما بنفتحلو خشم الباب ....
قال أحد الفلاسفة :لنا الحق ألا نصدق من كذّب علينا ....... شرعية تأتي بالتزوير لن تكون شرعية ... قال السيد المسيح لتلاميذه : إياكم و الأنبياء الكذبة . قالوا :كيف نعرفهم ؟ قال : بثمارهم تعرفونهم ....و نقول : بمحاربتهم لحرية الرأي نعرفهم ، بإغلاقهم للصحف نعرفهم ، و أخيراً بكروشهم نعرفهم .


عبد الرحمن الأمين
عبد الرحمن الأمين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة