أنتم وما تعبدون من أصنام (1)



" إن الموكلين بالقوة التنفيذية ليسوا أسياد الشعب ولكنهم خدامه،
ويستطيع الشعب الذي ينصبهم، أن يسقطهم كلما شاء"
فولتير

اعتادت الشعوب، والشعوب العربية والاسلامية خاصة، ومعها شعوب دول العالم النامي، أن تسمع آيات المديح التي يكيلها لها الكُتّاب والشعراء والمفكرين والأدباء، بل وما هو أدهى حتى السياسيين يطنبون في مدح شعوبهم واسباغ أشرف الصفات عليها، ويعبرون عن مدى تفانيهم في حب "شعبهم" – ولك أن تلاحظ بأن الشعب منسوب للحكام، وليسوا هم المنسوبون إليه – ، حباً يدفعهم للموت من أجل عيونه. وأغرب ما في الأمر أن الشعوب تصدِّق هذا الهراء!.
وهي لا تكتفي بالتصديق بل وتنتفخ صدورهم زهواً وفخراً ، ويردون تحية جلاديهم بأحسن منها، فيطلقون على الحاكم أنبل الصفات ويخلعون عليه ثياب العظمة والشجاعة والشرف والنبل، وكل صفة محمودة، حتى يكادوا يرفعونه في السماء السابعة ليفسحوا له مكاناً بين مقاعد الآلهة، وينصبونه في الأرض وثناً يعكفون على عبادته والتزلف إليه.
إنهم يعبدون ما صنعوا بأيديهم، فهل ثمة غباء أكثر؟!.
لا يسعك في أوطان مثل أوطاننا إلا أن تسأل نفسك: هل حاول الناس أن يسألوا أنفسهم : ما هو السياسي؟ ما هي "شغلته"؟.
دع عنك رأي وإجابة من هم وراء البحار، فلأولئك شأنهم، ولنا شأننا.
أليس السياسي عندنا هو "بائع كلام"
صحيح هو مثل ذلك السمسار الذي يصدعّك بإلحاح كي يبيعك بضاعة غيره.. إلا أن السمسار في كل الأحوال يملك بين يديه لك شيء ملموساً.
ولكن السياسي يبيعك الهواء/ الكلمات.
يكاد السياسي أن يكون أبرع "حواة" المجتمعات المعاصرة عندنا.
ساحر يجعل فمك فاغراً وهو يحدثك عن جنة "الديمقراطية" التي لا تعرف أين تقع، وعن فاكهة "الحرية" التي لا تجد من يخبرك ماذا طعمها يشابه، أو يجعلك تتلفت بحثاً عن ما يسميه "الرفاه" الذي يتراءى لك في أحلامك في ثياب ناصعة البياض مثل الملائكة.
إنه يدغدغ حواسك حتى تصاب بما يشبه الخدر بفعل هذه الكلمات، فتذهب إلى فراشك المهترئ مترنحاً وتخلد إلى النوم الذي قد يعبر بك إلى القبر!.
فهل هناك مسوِّق للكلام أبرع من هذا الإنسان؟!.
الحق إنه ابرع من يجيد الكذب.
ولبراعته يستطيع أن يجعلك تصفق له وتهتف، بل قد يجعلك تترك ما بين يديك من عمل، ويقودك إلى مظاهرة حاشدة لا تعرف ما مصلحتك في خروجك لها، ولكنه قادر على أن يصور لك ان مصلحته وهدفه من المظاهرة، هو مصلحتك أنت، وما هو إلا خادم لك لتحقيق أهدافك، للدرجة التي تجعلك على استعداد للموت من أجل هذا الهدف.
وكل ذلك بتأثير الكلمات السحرية التي يستخدمها.
(2)
تخرج بين الآلاف للتظاهر ض الحاكم وسلطته وسلاحك هتاف فتستخدم الشرطة الهراوة وخراطيم المياه والغاز المسيِّل والرصاص ليفض جمعكم ويخرس أصواتكم.
ولكن من هو الشرطي الذي يطلق غليك الغاز المسيِّل للدموع حين يشفق ويعطف عليك، وإلا فالرصاص إذا ضاق ذرعاً بالإزعاج الذي تسببه لمخدمه؟.
إنه نفس الشخص الذي تربى معك في الحي، وتنادي أمه بالخالة ووالده بالعم، واللذين هما في مقام والدتك ووالدك، ولكن تفرقت بكما الدروب فاشتغل هو خادماً للحاكم وبطانته، وأصبح يدين له بالولاء الذي يعلو على كل ولاء..
يحرسه ، ويسهر عند مخدعه، يحمي نومه من صراخ الناس وطنين الذباب وكوابيس الأحلام التي تقض مضجعه
ثم تأتي أنت وتحرجه أمام ربه، وتجرح مشاعره، وتخون " العيش والملح" بالصراخ الذي تطلقه في وجهه الكريم ..فما الذي تتوقعه منه سوى أن يطلق عليك النار وهو يعتذر؟!!.
هل تعرف دقة موقفك وحجم جرمك في حق قاتلك؟.
لقد طعنت كرامته وشرف جنديته وولاءه في المرة الأولى وأنت تصرخ بمطالبك في وجه الحاكم..
ثم طعنت ضميره الانساني حين أجبرته على قتلك وهو مرغم.
فيا لقسوتك: تجحد تقاسمكما الخبزة والفقر وتطعنه مرتين:
مرة بصراخك ومرة بموتك؟!!.
(3)
هل خطر بذهن أحد من هذه الحشود التي تتدافع حافية عارية جائعة وراء موكب الرئيس، تهتف بحياته، وتعكف على عبادته، أن يحاول ، مجرد محاولة أن يسأل نفسه:
ما الرئيس حقيقة؟ من هو؟ ما عمله تحديداً؟ ما هي وظيفته؟، من أين يأكل عيشه؟.
هل هو من طينتنا فيه ما فينا من عيوب ونقائص؟
أم هو من طينة أخرى اسمى واشرف؟.
وما، ومن نحن بالنسبة له؟، وما موقعنا في إعراب سلطته؟.
الرب في التوراة اختار بني إسرائيل شعباً له، وتلك ظاهرة لم تتكرر في تاريخ الخالق..
فهل "الرئيس" هو من اختارنا شعباً له أيضاً ..
أم نحن الموجودون قبل خلق الرئيس من اخترناه رئيساً؟!.
هنا، والآن، قد تبدو لك الإجابة بديهية وبسيطة ولا تحتاج لذكاء استثنائي، ولكن لماذا واقع الحال يؤكد عكس الاجابة البديهية؟.
التعقيد بأكمله يكمن في سؤال الوظيفة.
ما هي وظيفة الرئيس التي يأكل منها عيشه؟.
أليس لكل إنسان وظيفة يعتاش منها؟،
حتى اللص أنت تقول حين تُسأل عن مصدر عيشه: إنه لص، أي أنه محترف سرقات.
فما هي وظيفة الرئيس تحديداً؟
أو: كيف يكون شخصاً ما من الناس رئيساً؟.
لا أعني "الكيفية" التي صار بها رئيساً، فأنت تعلم مثل الجميع إنهم تسللوا ذات ليل إلى عرش السلطة وأذاعوا بياناً أعلنوا فيه رئاستهم عند الفجر.
ولكن أعني بالسؤال: كيف يمارسون عملهم الذي يدل على وظيفتهم؟.
الرئيس باختصار هو ذلك الشخص الذي يقوم بالتنسيق بين الناس الذين يعملون.
هو لا ينتج شيئاً ، ولكن المجتمع يفرغه لكي ينسق بين أعمال الناس الباقين المنتجين، وبين ما ينتجون.
حسناً، هناك الذي يزرع والمعلم والصنايعي والفنان والحرفي والذي تأهل ليفكر وكل ما يخطر بذهنك من عمل ...
كل الناس متفرغون للعمل والانتاج إلا الشحاذ واللص وطبقة كاملة من السياسيين، في قمة هرم السلطة سواء كانوا، أو في حواشيها ممن يلتقطون ما تساقط من فتات مائدتها، أو في معارضتها ويعملون جاهدين للحلول على قمة هرمها.
هؤلاء هم العاطلون حقاً من أي موهبة أو مهارات.
ولكنهم يتمتعون بالطموح اللامحدود وما يحتاجه من مرونة أخلاقية لدرجة السيولة، وفوق ذلك يتمتعون بذكاء يجعل من نقصهم قوة.
وبما أن الرئيس لا يجيد أي مهنة أو حرفة، فإنه يرفع ً طلبه للناس الذين يعملون ويقول لهم أنا أستطيع أن أوظف كل الموارد التي تنتجون وأنسق بينكم وما تنتجون بطريقة تحقق لكم جميعاً أقصى الفوائد، حتى يضمن كل منكم السكن الذي يأويه والعيش الكريم، وأضمن لكم التعليم الجيد لأبنائكم، والعلاج لمرضاكم، وغيرها من الخدمات، حتى تتوزع ثروتكم بينكم – وأنتم أصحابها – بطريقة تجعلكم أحراراً من ذل الحاجة ولا يوجد بينكم فقير أو محتاج.
عليه أن يوضح للناس وفق أي منهج وبأي معايير سيوزع ثروتهم بينهم.
أقول هذا لأننا شهدنا طرائق في توزيع الثروة العامة بمعايير تفتقر إلى المنطق والعدل. مثل الذي يُصرف له شيك بالملايين رغم خلو حسابه من أي رصيد بدعوى أن "رصيده من التقوى يغطي" قيمة الشيك.
اقول: على من لا عمل له ، ويريد أن يتقدم للناس بطلب أن يشتغل منسقاً بينهم وبين مواردهم وأن يشرف على تطبيق الدستور والقوانين الكفيلة بضبط ايقاع حركة حياتهم بانتظام وعدالة أن يوضح للناس برنامجاً واضحاً، في لغته، يفهمه أميَّهم وأعلمهم. وأن يكون كتاباً موثوقاً يستطيعون في أي لحظة سؤاله ومساءلته عن وعده الذي قطعه.
وإذن فإن سؤالنا : ما هو موقع الشعب بالنسبة للحاكم؟ وأين موقعهم في إعراب سلطته، يجد إجابته في عكس المعادلة.
ليصبح السؤال الصحيح : أين هو بالنسبة للناس؟ وأين موقعه هو من إعراب سلطتهم؟.
إنه خادم وأجير بمرتب موظف عام يتقاضى أجره مثله في ذلك مثل أي موظف في الدولة على أن يؤدي وظيفة محددة ، فإن أخفق، أو عجز، أو ارتكب مخالفة في أداء وظيفته أو خان أمانتها، أو استغلها لتحقيق مصالح خاصة أو مكاسب غير مشروعة ينبغي أن يُحاكم مثل أي موظف، وقبل أن يحاكم ويحاسب ينبغي أن يطرد من وظيفته لأنه اساء استغلال صلاحيات سلطة الوظيفة.
فالسلطة ليست سلطته هو، ولا هي حكراً له، وإنما هي سلطة الوظيفة، أيا كان شاغلها ،هو، أو غيره.
فهو خادم الناس، وما مظاهر الأبهة التي يحيطونه بها إلا تعبيراً عن تكريمهم لأنفسهم، لأنه يمثلهم أمام الآخرين، ولأنه متفرغ لخدمتهم.
ولو أدرك هو حقيقة موقعه كخادم أجير عندهم لأبت عليه نفسه أن يتمتع بما تصدقوا به عليه من "مظاهر" الأبهة والتميز، خاصة واضجاعة الفاروق عمر بن الخطاب تحت ظل شجرة يتوسد حجراً لا زالت حية في ذاكرة الناس. وما الغرابة في ذلك؟ ألم يقل الفاروق مرة لأحد الولاة:
" ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟ قال: أقطع يده قال: فإن جاءني من رعيَّتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، فإن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوْعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلِقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية".
ومع تحفظنا بشدة على مصطلح "الرعية"..
الذي يعيدنا إلى مُربع ثنائية: الراعي/ الرعية
حيث "الرعية" مثل الأغنام التي تفتقر إلى العقل والوعي والنظام والمسؤولية الذاتية، وتحتاج إلى "الراعي" الذي يسوقها وبيده العصا، إلى حيث ينبغي أن تكون
إلا أن التوجه العام لمفهوم الرئاسة من حيث مسؤوليات الحاكم/ الرئيس ووظيفته الأساسية يقترب – ولو قليلاً – مما نقصده.
وفقط أيضاً، لو أن الفاروق أكد لواليه بأنه كحاكم إنما يسد جوعة الناس ويستر عورتهم من "مالهم" هم، لا من "ماله الخاص"، لأن دور الحاكم، بحكم وظيفته ينحصر في أن يقوم بتوزيع "مال الناس" لهم، بما يكفل سد حاجاتهم، ويحقق رفاههم.
إذا كان الأمر كذلك، أو ينبغي كذلك، فإن ما هو واقع على الأرض يؤكد عكس ذلك تماماً، كما أسلفنا القول، فالناس هم من ارتفعوا بالخادم، حتى أرتقوا به إلى مصاف الآلهة، ونسبوا إليه ما ليس فيه من صفات وقدرات، ثم عكفوا يعبدون الصنم الذي صنعوه بأيديهم.
ولكن، ما الذي انحرف بمعادلة هذه العلاقة وقلبها على هذا النحو الشاذ؟.
كيف صار الخادم سيداً ومعبوداً، والسيد خادماً وعبداً؟!.
وعلى من تقع مسؤولية انحراف العلاقة بين قطبيها؟.
هل هو الحاكم/ الرئيس ونظامه؟
أم هو خطأ ومسؤولية المحكومين/ الشعب؟.

[email protected]

عزالدين صغيرون | 06-13-2018 04:09 PM


التعليقات
#1782355 [الزول]
0.00]/5 (0 صوت)

06-13-2018 09:09 PM
أحييك يا صغيرون على هذا التشخيص البليغ لعمل سماسرة السياسة والعمل السياسي فلا محل له من الإعراب في سياق إدارة الدولة التي هي تنسيق وتكامل بين مؤسساتها وفق الدستور والقانون بهدف إدارة موارد البلاد لخير ورفاهية الشعب ويكفي لذلك تنظيم الدولة المدنية بمكوناتها الأربعاء وهي التشريعية في حدود الدستور والتنفيذية في حدود القانون والقضائية في حدود الدستور والقانون والرقابية في حدود القانون وتشمل المواطن والصحافة فأين موقع الساسة وأحزابهم إذا كانت مهمتهم المعارضة فالمعارضة بمعنى الرقابة على سياسات ومخططات الدولة التي تضطلع بها مؤسساتها التشريعية و التنفيذية فإن سلطة المواطن الرقابية بما في ذلك الصحافة هي التي تقوم بهذا الدور امام المؤسسات الرقابية الإدارية والقضائية صاحبة القول الفصل فيما تتخذه المؤسسات التشريعية والتنفيذية من سياسات وبكيفية تنفيذها فلا مجال لشخصنة الوظيفة العامة لا رئيس ولا وزير ولا مدير فكل وظيفة خاضعة لشروطها ولرقابة المواطن وصحافته وعرضة للمساءلة امام المؤسسات الرقابية الإدارية والقضائية ولا موظف كبير على القانون.

[الزول]


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.