06-13-2018 07:21 PM

أصدر البروفيسور محمد عبد الله الريح ضمن منشورات حساس محمد حساس كتاباً بعنوان (أبو داؤود وبرعي .. كبريتة وعود) وذلك في العام 2012م. وبالطبع لم يفت على المتابعين لمسيرته الكتابية الحلمنتيشية والإجتماعية الساخرة والتشكيلية فضلاً عن برامجه العلمية الجادة، شيئاً مما كتب من حيث الاقتناء والقراءة، إلا أنه كرماً منه قام بإهداء مجموعة مقدرة من النسخ لرواد منتدى امدرمان الذين استمتعوا كثيراً بمؤانسته التي افتتح بها المنتدى نشاطاته الرمضانية. ولقد كان لي شرف الجلوس في تلك الليلة إلى جانب ود الريح – معذرة لاختصار الاسم دون ألقاب - كمؤانس تقع على عاتقه مهمة فتح المسالك الحوارية وتحفيزه على نبش ذكريات الماضي الجميل في مختلف الميادين التي عاشها أو يبدع فيها. ولا أود هنا العودة لذلك الاندياح والدفق الكلامي البديع والحكي بأداة اللغة السهلة الممتنعة التي أفلح ود الريح في جعلها تتغلغل في ذاكرتنا، ولكنني بصدد الوقوف قليلاً عند هذا الكتاب وقد سبق لود الريح أن نشر كتاباً آخر بعنوان (أبو داؤود .. كيف الحياة غير ليمك).

وفي البدء لا بد من الإشارة إلى أن الإعجاب به بدأ منذ أن كان ود الريح طالباً بالمدرسة الوسطى بالأبيض منتمياً إلى جماعة تعتبر عبد العزيز محمد داؤود مغنيها المفضل الذي يحفظون أغنياته ويقدمونها في المناسبات المدرسية وبالذات أغنية فينوس بحسبان أن شاعرها عوض حسن أحمد كان مدرساً بالمدرسة الصناعية الكائنة جوار مدرستهم. ولكم أن تتخيلوا هذا الاختيار الواعي في تلك السن المبكرة والسر الدفين الذي كان يجري في عروق المتلقين جراء الأداء الساحر والكلمة الرصينة والتميز اللحني الطروب.

بالكتاب وقفات عند الكثير من أغاني عبد العزيز تحليلاً ومقارنة ولكنني مستعيناً بصياغة ود الريح أقف عند اللحظة التي تنامى فيها الأعجاب فوصل مع مرور الأيام بود الريح مرتبة عليا أشرع عندها أبواب الخيال ليصف في هذا الكتاب قيامه برحلة خيالية صحبه فيها عبد العزيز وبرعي إلى بغداد علي أيام خلافة الخليفة العباسي الواثق بن المعتصم بن الرشيد عام 227 هجرية حيث استقبلهم من علماء الموسيقى اسحق بن ابراهيم الموصلي وجماعته وأدخلهم الى مجلس الخليفة العاج بالأدباء والعلماء والموسيقيين، وحين أذن لهم بالكلام قال ود الريح: أيد الله مولاي وأعزه نحن قوم من أهل السودان قدمنا إلى حاضرة ملككم بعد أن وصلتنا أخباركم وسبقك إلينا صيتكم . واسترسل في المدح والشرح فاستحسن الخليفة ذلك وأذن لهم بإظهار ما عندهم، وهنا بدأ الساحر برعي ينقر على العود وأخرج أبو داؤود كبريتة وضعها بين أصابعه فاختفت ولم يظهر منها شيء سوى النقرشة التي تنبعث منها فاشرأبت أعناق القوم لذلك الأمر العجاب الذي لم يشاهدوه، ثم انطلق أبو داؤود يغني لعبيد عبد الرحمن : (صفوة جمالك صافي كالماء على البلور ينعم صباحك خير ويسعد مساك النور) وقد بان على القوم إنهم لم يسمعوا صوتاً كهذا من قبل وظهر الاستحسان على وجه الخليفة الواثق ومضى أبو داؤود ليصدح: (نور من جبينك لاح لا نور شموس لا بدور/ فقت المعاك في الجيل فقت المعاك في الدور). والأمر الذي أذهل القوم وأسكرهم أن صوت أبو داؤود كان يتموج ويرتفع وينخفض وهو ينقرش على الكبريتة إلا أنه كان ساكناً سكون جبل أحد.. وعندما وصل أبو داؤود إلى (وعذابي لو سراك طبعا أكون مسرور) وصل الطرب بإسحاق الموصلي قمته فقال مخاطباً الخليفة الواثق: بلى يا مولاي.. أحسن فأوفى.. فقال الخليفة: وأيم الله إننا لم نسمع مثل هذا في هذه الأرجاء. وانني أعلم الناس بالشعر وبحوره وفنونه .. ما فاتني منه حسن إلا وقفت عنده وما عرض علي جزل إلا تمعنت فيه ولكن مثل هذا الغناء ما ظننت انني ملاقيه. ثم حين غني أبو داؤود يا زهرة الروض الظليل قال اسحاق الموصلي: ما سمعت هذا الصوت إلا وظننت أن الحيطان والأبواب والسقوف وكل ما في المجلس يجيبه ويغني معه حتى خلت انني اسمع أعضائي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتا لا استطيع الكلام ولا الحركة. فما أروع هذه الرحلة الخيالية التي أبدع ود الريح في تصويرها لنا ضمن ما ورد بالكتاب من شهادات.
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 706

خدمات المحتوى


صلاح يوسف
صلاح يوسف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2018 www.alrakoba.net - All rights reserved

ارشيف صحيفة الراكوبة