في الخالدين يا استاذنا بولا

محمد عبدالملك



آخر مرّة رأيتُ فيها عبد الله بولا - عياناً بياناً - كانت في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي . سبعة وثمانين فيما أظن . كان ذلك بقاعة البغدادي بكلية الطب جامعة الخرطوم في ندوةٍ ما زالت أصداءُ حواراتها ، في الذاكرة ، ترن، وما زال ما طُرح فيها من أفكار يلمعُ من الجِدة ، عنوانُ الندوة كان : الفن والتغيير الإجتماعي . تحاور بولا في تلك الندوة حواراً كثيفاً قويُّ العارضة مع إبراهم جعفر وبشرى الفاضل وآخرين، تحدثوا حديثاً مشيقاً و مفيداً . . تلكم كانت من أثرى الحوارات التى شهدتُ وطربتُ فيها لمقدرة المتحاورين وحرصهم على اختيار المفردة ؛ ضبط المفاهيم وصياغة الحُجة . طريقة بولا في الحوار – كما في الكتابة – أدهشتني وما زالت. طربتُ أنا الطالب الجامعي إذّاك حتى أنني ، في ختام الندوة ، مشيتُ راجلاً أُقلِّب الفِكَر ، من كلية الطب حتى الجناح الجنوبي بمعهد الكليات سابقاً .
قبل ذلك كانت صورة بولا : النحيف، الطويل ، ذو السمت المتأمل ؛ تثير فينا الإعجاب – والرهبة – ونحن نراه يترك مكتبه بكلية الفنون الجميلة ليققف متابعاً ومتفَّكراً في حواراتنا التي كانت تشتعل في أركان النقاش بالجناح الغربي؛ كأني أراهُ الآن : يقف ويده تعبث في لحيته متابعاً ومتفكِّراً فيما نقول؛ نراهُ فننشغل – أنا وصديقي ربيع السماني – بالنظر إليه ومتابعة وجهه المتأمل أكثر من متابعتنا لركن النقاش الذي علينا أن نفنِّد ونناقش ما يُقال فيه عن مواقف تنظيمنا : الجبهة الديمقراطية .
فيما بعد لم أرَ بولا . تبعثرنا في كل وادٍ .غير أني هاتفته ذات مرّة ، في هذه الألفينيات ، من منزل صديقه بشرى الفاضل بجدة وهو بباريس؛ فتذاكرنا تلك الندوة سوياً واغتبطنا .
عبد الله بولا المفكِّر والمثقَّف العضوي( نعم .. في رأيي أنَّ بولا يستحقّ أن يوصف- عن جدارة - بالمثقف العضوي بما يفوق مفهوم أنطونيو قرامشي) كان مؤسسة ثقافية معرفية فنية كاملة في بلدٍ لم تقدَّر- أبداً- نابغيها ؛ فلكم تمنيت أن يكمل مشروعه المعرفي ، الفكري والفني قبل ان يرحل .
لكنه اليوم رحل.
في الخالدين يا استاذنا بولا.

محمد عبدالملك | 12-18-2018 10:11 PM


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.