الشماسة ليسوا وحدهم
06-27-2011 11:33 AM

بشفافية

الشماسة ليسوا وحدهم

حيدر المكاشفي

أن يموت أكثر من سبعين شاباً بسبب تعاطي مادة «الاسبرت» حسب آخر إحصائية صادرة يوم الأول من أمس، فتلك بلا شك فاجعة قومية توجب الحزن الجماعي وتلقي على الجميع وأولهم الجهات الحكومية المعنية بتبعة هذه المأساة والتي لو كان شهدها أي بلد يقيم للانسان وزناً ويضع له قيمة لقامت قيامة الحكومة، ولكنها وقعت عندنا ويا لرخص سعر البني آدم هنا، ولم نفترِ على أحد، فمعاشه وصحته وعلاجه وتعليمه هي «الأرخص» والأدنى في سلم أولويات الحكومة التي تعلى من شأن الأمن مع أن الآية الكريمة تقدم الاطعام من الجوع على الأمن من الخوف «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» ولعله الخوف من مفارقة السلطة هو الذي قلب هذه الآية الكريمة فتقدم الأمن وتبعاته على الاطعام والحياة الكريمة واللقمة الشريفة التي لم تتراجع إلى ذيل قائمة الاهتمامات فحسب بل أن الحكومة رفعت عنها يدها تماماً بتطبيقها الشائه لسياسات التحرير الاقتصادي بشراسة وشراهة والخصخصة بلؤم وفهلوة ودغمسة تضرر منها المجموع وكسبت الجماعة..
لم تكن هذه الحادثة المؤسفة التي حصدت أرواح العشرات من هذه الفئة المجني عليها والمهملة هي الأولى من نوعها، فقد سبق أن سقط بعضهم صرعى في الأعوام الماضية تحت تأثير ذات المادة، كما لم يكن الاسبرت وحده هو السم الهاري الذي أودى بحياة عشرات السودانيين من مختلف المناطق والجهات، فمنهم من مات بالذرة الملوثة، ومنهم من قضى نحبه بالسكر المسموم، ومنهم من فارق الحياة بالتقاوى الملوثة، ومنهم من أصابته لوثة ومس من الجن بسبب القمح الملوث، وهذه الحادثات الكالحات قد وقعت على التوالي بكل من العبيدية بولاية نهر النيل، ونيالا حاضرة جنوب دارفور، ودنقلا عاصمة الشمالية، وأم مراحيك من أعمال ولاية شمال كردفان، وكما ترون فانه ليس بالاسبرت وحده صار انسان السودان يلقى ربه وانما بغيره من السميات والملوثات أيضاً، كما أن الشماسة ليسوا وحدهم من مات بفعل الاسبرت...
لقد سبق أن مات بعض وجهاء المدينة وأصيب بالعمى بعضهم بسبب تناول هذه المادة اللعينة ولم ينجُ من الجلساء و الندامى إلا من لم يفرط في التعاطي، ولهذا لا يجب أن تختزل هذه القضية في هذه الفئة الضعيفة المهمشة ولا أن تغلق على هذه الدائرة المحدودة، فالقضية أكبر من ذلك منذ أن أصبح هذا الاسبرت هو «المسكر» المفضل لكل الباحثين عن وهم المتعة والفرحة والفرفشة فوجدوا فيه ضالتهم بعد أن عزّ عليهم الحصول على المشروبات الكحولية الأخرى بلدية أو أفرنجية، فاتخذوه بديلاً لها، صحيح أن بعضهم عاقره لرخص ثمنه ولأنه لا يملك ثمن البدائل حتى ان تحصل عليها، ولكن الصحيح أيضاً أن البعض من الوجهاء والأثرياء لم يعاقروه عن فقر أو لضيق ذات اليد وإنما لأنهم وجدوه بديلاً آمناً يصطادون به عدة عصافير بكأسٍ واحدة، فشراؤه عياناً بياناً من السوق لا يثير شبهة وتعاطيه لا يبعث على الشك ولا تفوح منه رائحة ثم الميزة الأعلى من كل هذه الميزات هو أنه يبلغ بك «المتعة المنشودة» وأنت في مأمن وأمان....
هذه هي القضية على وجهها الأتم وليست فقط مشكلة شماسة منبوذين و«مارقين للربا والتلاف» لا يتورعون من مقارفة الموبقات، مقروءة مع سؤال مهم مؤداه لمصلحة من تم «الانقلاب» على مجلس الصيدلة والسموم وانتزعت منه سلطة التحكم في توزيع هذه المادة واستبيحت ضوابطه فأصبحت تجارة الاسبرت رائجة وغداً مشاعاً ومتاحاً لكل من يطلبه....


الصحافة

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1842

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#167996 [Kamal Mustafa]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2011 07:17 PM
قولوا جميعنا فقط حسبنا الله ونعم الوكيل


حيدر المكاشفي
حيدر المكاشفي

مساحة اعلانية
تقييم
2.25/10 (10 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة