الأخبار
أخبار إقليمية
أبيى: ما جدوى الرعى المتنقل والقتل من أجل الموارد المتناقصة؟
أبيى: ما جدوى الرعى المتنقل والقتل من أجل الموارد المتناقصة؟


06-02-2013 04:42 AM
د. أحمـد هاشـم

أبيى: ما جدوى الرعى المتنقل والقتل من أجل الموارد المتناقصة؟ د. أحمـد هاشـم

إن أصل قضايا الصراع فى كردفان ودارفور إذا إستثنينا دور حكومات المركز العسكرية والمنتخبة، هو التنافس على الموارد الطبيعية بين المزارعين والرعاة. بلغ هذا التنافس ذروته فى الحرب الطاحنة فى دارفور على مدى عشرة أعوام، وأخيراً دخل النفط كعامل مباشرفى إغتيال الناظر كوال دينق مجوك بعد حصار سيارته لمدة خمس ساعات. كان هذا الوقت كافياً لإرسال وفد من الحكومة المركزية أو الولائية لإحتواء الخلاف، ومما يدعو للتساؤل هو كيف فشلت الإدارة الأهلية فى منع القتل، إذ أن فى مثل هذه الحالات يرسل الناظر أو العمدة أو يكلف من ينوب عنه فى منطقة الصراع بتكوين درع بشرى حول سيارة الناظر لحمايته من رصاص المسلحين وإخطارهم بكل وضوح أن من يريد قتل الناظركوال عليه أن يبدأ بأبناء قبيلته. هذا نهج معروف لحل الصراع بين شخص أو بضعة أشخاص فى مواجهة قبيلة بكاملها توارثته قيادات الإدارات الأهلية فى غرب السودان.


هذا المقال يحاول الإجابة على السؤال التالى: لماذا أوصل التنافس على الموارد الطبيعية المجموعات القبلية فى المنطقة إلى الحرب الطاحنة وما هى حلول المستقبل ؟ بالطبع ساهمت سياسات حكومات المركز منذ الإستقلال فى تأليب وتقريب بعض القبائل للحصول على النفوذ فى منطقة يسود إسلامها جماعات الطرق الصوفية والأنصار. كما ساهمت كل حكومات المركز فى إنتهاج سياسة "فرق تسد" التى توارثتها من الإستعمارالإنجليزى المصرى، وأضافت لها طعم سودانى يقسم المواطنين إلى عرب وأفارقة بدرجات تفاوت سواد بشرتهم وطريقة نطق مفردات اللغة العربية. أطرالنظام القائم وسط قبائل تسودها الأمية عقلية العصبية الجاهلية ودوامة حرب داحس والغبراء وسياسة مقولة "أنا وأخى على ابن عمى ...وأنا و ابن عمى على القريب".


يمكن تقسيم أسباب هذا الصراع إلى طبيعية وسياسية. تتركز الأسباب الطبيعية فى التغيير المناخى وموجات الجفاف التى سادت إقليم الساحل والصحراء بالإضافة للزيادة الهائلة فى أعداد السكان والماشية التى بلغت حوالى ثلاثة أضعاف منذ الإستقلال. ظاهرة زحف الصحراء جنوباً بمعدل 5 كيلومترات فى العام مع الإنخفاض الهائل فى معدل الأمطار السنوى. الرعى الجائر حول مصادر المياه وعدم تطوير نظم الزراعة المطرية والرعى وتربية الحيوان. لم تواكب الحكومات السودانية الطفرة الزراعية الهائلة التى سادت معظم بلدان العالم فى النصف الثانى من القرن الماضى، وزاد الوضع تعقيداً تفشى الأمية التى ما زالت سائدة وسط مزارعى الحيازات الصغيرة وأصحاب الماشية والرعاة بل إزدادت لدى الأطفال فى عهد حكومة الإنقاذ. ما زالت سلالات الماشية التى لم تصلها الطفرة الهائلة فى تحسين النسل بواسطة التلقيح الإصطناعى تجوب آلاف الكيلومترات للحصول على الحشائش والأعشاب البرية مما أدى إلى تراكم المورثات الجينية لتحمل الأمراض والجوع والعطش على حساب المورثات الجينية الناتجة للألبان واللحوم (1).


من المتوقع فى خلال العقدين القادمين أن تتحول مراعى جنوب السودان الخضراء على طول الحدود من دارفور إلى النيل الأزرق إلى مشاريع زراعية ضخمة بإستثمارات محلية وأجنبية وأن يتم قفل أبواب مسارات الماشية (المراحيل) إلى الأبد. هذا الوضع يوجب على المثقفين الحقيقيين وقادة التغيير لمسارمستقبل التنمية المستدامة فى غرب السودان على إتخاذ قرارات مستقبلية هامة وقاسية فى فى بناء الثقة للعيش بسلام مع جيرانهم فى دولة جنوب السودان، والبعد من إستقطاب سياسات الحكومات المركزية فى الخرطوم التى تضع مصالح تدفق النفط فوق تدفق المياه الجوفية للشرب والزراعة المروية وإستقرار الرعى. كذلك أيضاً عليهم الإختيار بين الإستمرار فى حياة البدو والرعى المتنقل و إقتناء سلالات من الماشية متدنية الإنتاج، أو رسم سياسات تمهد لإستقرار البدو وتعمل على تحويلهم تدريجياً من حياة الترحال إلى الإستقرار لممارسة تربية الماشية فى مزارع حديثة. ذكرنا فى مقال سابق أن حياة البدو سوف تزول فى سودان المستقبل مثلما زالت مع التطور والحداثة فى الجزيرة العربية والشام وشمال أفريقيا (2).


هنالك عنصران أساسيان لا بد من توفرهما لتحويل حياة الترحال إلى الإستقرار، وهما ملكية الأرض وتوفرالمياه. تناول البحث العلمى المحدود فى السودان الطرق التى يمكن إتخاذها لإستقرار الرعى والملكية الجماعية للأرض فى مشروع جريح السرحة فى شمال كردفان الذى وجد قبولاً ونجاحاً واسعين وساهم فى إستقرار الرعى والحفاظ على البيئة ولكن لم تتبناه مصادر صنع القرار السياسى ولم تنشر نتائجه على نطاق واسع ليصبح خريطة طريق لإستقرارالرعى فى السودان. كذلك ساهمت مشاريع التنمية مثل مشروع البحوث الزراعية لغرب السودان ومشروع تنمية جبال النوبة ومشروع ساق النعام ومشروع السافنا ومشروع جبل مرة فى بسط أساس متين لرسم سياسات التنمية فى كردفان ودارفورعن طريق البحوث الميدانية والتطبيقية. يتمتع غرب السودان بمخزون ضخم من المياه الجوفية يمتد من الصحراء شمالاً إلى السافنا الغنية جنوباً ويمكن إستغلال هذا المخزون فى تطوير المزارع والمراعى المروية ليس على المناطق الحدودية فحسب بل على طول الصحراء.


فشلت كل الحكومات السودانية فى وضع سياسة عادلة لملكية الأراضى الفردية والجماعية للمزارعين وأصحاب الماشية ولم تتبنى السياسات التى إنتهجتها عدة دول أفريقية بعد الإستقلال حيال ملكية الأرض. كذلك لم تترك قانون ملكية الأراضى فى غرب السودان على حاله بل أدخلت عليه تعديلات فى عهد النميرى وحكومة الإنقاذ أعطت الحكومة المركزية الحق الكامل فى التصرف فى الأرض التى ورثها المواطنون أباً عن كابر قبل تكوين الدولة السودانية الحديثة فى تناقض صريح للسياسات العالمية والإسلامية فى توارث الأرض. هذا القانون يعطى الحكومة المركزية حق التصرف الكامل فى أراضى المزارعين والرعاة فى الريف والبادية و هو فى حقيقة الأمر أخطر من قانون الإحتلال الإسرائيلى حيال الأراضى الفلسطينية. كذلك لم تساهم عقلية المثقف السودانى التى ترى أن ملكية الأرض هى الحصول على بضع مئات الأمتار فى العاصمة المثلثة. هذا اللهث وراء القطع السكنية إستغلته مجموعة فكر المؤتمر الوطنى فى ترويض وتحييد عدد لا يستهان به من المثقفين السودانيين الذين يقضون جل حياتهم العملية وفى جلساتهم الخاصة من التوظيف إلى المعاش فى الحديث والنقاش والجدل من أجل أن يمنحهم النظام القائم مئات الأمتار فى بلد تبلغ مساحتة ثلثى مليون ميل مربع! فى الختام ندعو الخبراء والمهتمين بقضايا تطوير الزراعة المطرية وتربية الحيوان وإستقرار الرعى إلى تكوين مركزللفكر والتنمية المستدامة والإستفادة من التجارب السودانية وخبرات الدول المشابهة بالتعاون والتنسيق مع مزارعى الحيازات المطرية وأصحاب الماشية والرعى المتنقل لوضع برامج مفصلة تتبناها حكومات المستقبل للنهوض بمستقبل تربية الحيوان والإستثمار فى الصناعات الغذائية.

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات منبر كردفان التالية:
لغز معدلة اللحوم: 100 رأس من الماشية على 30 مليون نسمة (1). النظر خلف حدود أبيى وكادوقلى: ما جدوى الرعى المتنقل؟ (2).
د احـمد هاشـم، باحث فى جامعة لندن وسكرتير مؤسسة كردفان للتنمية
www.kordofan.co.uk





تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 3974

التعليقات
#685651 [ود البلد]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2013 12:25 PM
اشد من ازرك علي اخز الفكره عن البرازيل في مضمار الرعي المختلط الذي يوازي بين تربيه ومنتجات الحيوان وكيفيه الاستفاده من المساحات المزروعه فالبرازيل هي السباقه في هذا المسلك وتشابهنا في المناخ


#685531 [عاصم]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2013 10:53 AM
ينصر دينك يا دكتور ده الكلام المفيد للعقل ومعالجة واقعية للآزمة المفتعلة بأبيى إذ انه تم استبعاد اهالى المنطقة من الحل وبقى مصير المنطقة بيد تجار السياسة والبصل ذوى النظرة القاصرة والافق المحدود ومقالك هذا هو الحل والعلاج الناجع ويا حبذا ان اتفق الطرفان على ان يعملا سويا لتنفيذ برنامج المراعى الثابتة ودعم هذا البرنامج بانشاء مراكز ابحاث ومدارس بمناطق تمركز تلك الثروة الحيوانية والنباتيةوذلك برفع نصيب المنطقة من البترول الى خمسة بالمائة والتى سوف تعمل العجب بدل القتال والاحتراب وتضييع الزمن فى حرب عبثية حرب اطفال لا يستفيد منها الطرفان ولا اهالى المنطقة شىء وهذا يعكس مدى سوء الادارة وقصر النظر من الناحية الفكرية والثقافية والانسانية لدى السلطتين شمالا وجنوبا آمل ان يجد مقالك عقول متفتحة وقلوب عامرة بالحب للرقى بحيواتنا الى آفاق اسمى وافضل بين الامم .


#685435 [سودان الهدف]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2013 09:37 AM
حواء بلادى ولدت من نفتخر بهم ..من يقدم الحلول وحامل هموم الوطن د.احمد هاشم واضافة جمال فإن البلاد ليس بها ازمة عقول بل كارثة فحول ثيران فى مستودع الخزف((تحكم البلاد بالريالة الراقصيين)) ..واذن الانقاذ طرشاء((خرساء))..البلاد تفتقر الى اذن صاغية وعقول واعية وضمائر صاحية جالسة على كراسى السلطة.. اختصار الحكم الراشد..
وابعاد الناس من صراع حنتوب وطقت ووادى سيدنا..


#685407 [ابو ولاء]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2013 09:03 AM
د.احمد هاشم ..مقالك علمى تحليلى واضح وليس عاطفيا او سياسيا بل قد اخذت المشرط وفتحت الجروح المتقيحة ..
المركز من بعد الاستقلال ظالم الريف والبادية ..الجفاف والتصحر الذى ضرب شمال كردفان فيه انقرضت الحياة من انسان وحيوان ونبات ونزح القوم الى المدن وجاءت الحكومات لترحليهم بما يسمى((الكشة)) واحيانا باسم الخدمة الإلزامية بطريقة لا إنسانية وغير حضارية ..وانتهجت الحكومات وخاصة الانقاذ سياسة التهميش فى استقرار مواطن البيادر لاستقام وضع السلطة الاهلية ونظام الشيوخ والعمد والناظر ..وقوام حياتهم الرعى والزراعة ..لاتو للجندية زرافات هم اصلا المورد البشرى للقوات المسلحة منذ المهدية إلا من مكابر او نافخ ((ورينى العدو واقفوا فراجة وبعدين يشتت للحبشة.. ولكن هم عندهم الحكامات هن حكامات..ولا هروب ولا يحرقوا حيا ولا يغدروا ولا يطعنوا فى الظهور احدا))..

للاسف مازال بسطاء اهلنا يستغفلوهم التنمية واضحة الى اين ذهبت والى اين ستذهب..طريق الإنقاذ الغربى طريق الدخدير اللمبى..ومازال اهلنا طيبيين ..كما قال د.حامد البشير استخدموا اهلنا فى الكردفان( برازة شوك)نحن ضد مايسمى بالعنصرية لانها ليس هناك تمايز ولا ميزة ولا تفاخر ..بمنظار الاخرين سودانى باين سودانى ..إلا مقياس((حلبىالتى يستخدمها السودانيين لتأكيد كلمة سود...ان ))
وهذه ليس معضلة كما يبدو ولكن هى اذرع مثلث حمدى إن لم نلغيه سيظل العقبة الكؤد..


#685287 [جمال]
4.00/5 (1 صوت)

06-02-2013 05:53 AM
تحيه طيبه د. احمد هاشم. مقال جميل وموضوع مهم. في شوية ملاحظات علي تناول الموضوع.اولاً تاريخيا لم يكن هناك نزاع فعلي حتي مع الحكومات السابقه علي الاراضي او المراعي. هذه مشكله سياسية بامتياز وتخص حكم الانقاذ تحديداً وتعميمها قد لا يكون دقيقاً. ثانياً من الناحية الطبيعية طريقة الرعي عن طريق الترحال بين المراعي طريقة شديدة البدائية انتهت من العالم تقريباً لكونها تدمر الارض وتحرق من لحم المواشي نفسها وقيمتها بالتبعيه خصوصاُ مع حقيقة ان ماشية السودان لاحمة ضعيفة اللبن. ولقد تقدم الحزب الوطني الاتحادي ابان الديمقراطية الثانية برئاسة استاذ حسنين وقتها حسبما اذكر بمشروع مفصل متكامل لحل مشكلة الرعي بشكل بغرض الحفاظ علي الارض والماشية وتحسين بعض انواع المواشي بالتهجين واستخدام بذور نباتات معدلة وراثيا عن طريق طائرات الرش وغير هذا الكثير بتفصيل شديد والخرائط وتقسيم القبائل وانواع المواشي ..الخ، ولكن تم رفضه من قبل باقي القوي السياسية جميعها من باب المكايدات السياسية. اعتقد بانك اذا ما وجدت هذا المشروع فيضيف الكثير الي البحث من ناحية تقديم الحلول للمستقبل. اما نقطة البداية فهي للاسف سياسية ولا طريق اخر سواها.


#685283 [43]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2013 05:44 AM
كلام ذى الفل



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة