الأخبار
أخبار إقليمية
غربة جيل في المنافي والحروب
غربة جيل في المنافي والحروب
غربة جيل في المنافي والحروب


06-20-2013 07:21 AM
-وبدأ الوطن يغوص في وحل انعدام المقومات الأساسية للحياة وتفشي المجاعة واستجداء قوت الطعام وانهيارات الطبقة الوسطى لدرجة التسول



د.الشقيع خضر سعيد

متجاوزا لحدود الاعتدال، قرر حسن خضر ان يحمل سيفين: سيف يشهره من أجل هموم الناس، وسيف يسلطه على ذاته، جسدا وروحا، إن تقاعس ولم يستطع الى إسعاد الاخرين سبيلا! تنظر إليه مرة، فتراه مثل الساموراى وقد نذر نفسه لخدمة الناس وتحقيق تطلعاتهم المشروعة فى حياة تتنفس العدالة فى بلد يصعب فيه الحصول على لقمة العيش والكساء والدواء ونسمة التعبير الحر. متبعا فى لا وعيه طريقة الساموراى، ناضل حسن، وهو فى الحزب الشيوعى عضوا، ثم من خارجه صديقا، من أجل ذات الأهداف، من اجل قضايا الناس ومستقبل الحياة فى البلاد. ثم تنظر إليه مرة أخرى، فتراه يمشى على خطى أبوزيد الهلالى فى روحه العفوية المندفعة إلى ردود افعال سريعة تجاه الأزمات العابرة والدائمة لهموم الحياة اليومية وتجاه ما يدور فى الوطن، فما كان يفصلهما خيط رفيع، أو هكذا كان يقول. ظل يضرب في الأرض بخطى ثابتة وقوية، “فاتحا مساحات للجمال والحب والخير في قلوب اصدقاء كثر، ومقدما باقات من الامل للمفترشين محطات الانتظار للصبح الجميل”، كما غرّد بذلك صديقه الصدوق على العوض، وفي صوته رنة حزن عميق وهو يتذكر رؤية حسن خضر الثاقبة في رفضه لبرنامج اعادة التوطين بحجـة انه مشـــــروع لتجفيف الوطن من النشــطاء الســياسيين والكوادر المؤهلة. أما إن نظرت إليه ثالثا، فستراه “صوفيا ثوريا زاهدا، يعتني بالناس ويضعهم دوما في شغاف قلبه وفي صميم شعوره، يتوسد همومهم خصما على أولوياته الخاصة، مقيما دوما بين شذر الأمل وصلابة الإرادة ووضوح الرؤيا”، كما وصفه بصدق وعمق صديقه حيدر قاسم.

مضى حسن خضر، الساموراى/الصوفي/الثوري/المتحرر من كل قيد/السائر على خطى أبوزيد الهلالي، غير مكترثا لزخارف الدنيا وغير مهتما بالاشياء. فحب الناس حجب عينيه عن رؤية مشاغل التملك والامتلاك… المال، وجوده وعدمه يتساويان عنده. فما وجد المال الا ليصرف على من يحتاجه. والبيت، “كل بيوت الفقرا بيوته”، وكل اطفال العالم أبناؤه، وكل أمهات الحياة أمه. لا شئ يستطيع إقعاده رغما عن ارادته، فلا شئ بمستطاعته إثناء الساموراى عن مسيرته.. مضى، ولا شئ يمتلك، هذا الزاهد الثوري الحر، الواهب نفسه لحب الفقراء …

الصدمة الأولى كانت في ثمانينات القرن الماضي. ذهب حسن إلى الدراسة في كلية الإقتصاد بجامعة عدن. لم يدر بخلده أنه سيشهد أبواب الجحيم وهي ترسل الحمم لتحرق كل ما حوله. لم ينتظر كثيرا، فقد إندلعت الحرب الأهلية بين الرفاق، ورأى حسن بأم عينيه زملاءه في الغرفة يذبحون بعضهم بعضا…!! “تلك بلاد، وتلك تجربة لا أطلب سوى نسيانها إلى الأبد” قالها دمعه قبل لسانه وهو يعتذر لي عن قطعه للدراسة وعودته الفورية إلى الوطن. وظلت تلك التجربة غائرة دامية دامعة في جسده وروحه، تفعل فعلها المدمر، وحسن يقاوم ويقاوم ليبني مصدات متينة تحميه من الإنهيار العصبي والنفسي.

ثم فاجأته الصدمة الثانية بعد إنقلاب 30 يونيو 1989. ساد الإرهاب والطغيان وانتهاك حقوق الإنسان في السودان بدرجة لم تشهدها بلادنا من قبل. وبدأ الوطن يغوص في وحل انعدام المقومات الأساسية للحياة وتفشي المجاعة واستجداء قوت الطعام وانهيارات الطبقة الوسطى لدرجة التسول. وأخذت تزداد نذر انعدام الأمن والأمان، الطفولة المشردة، تحطم الأسر وتفسخ النسيج الاجتماعي، الخوف من المستقبل. شهدت البلاد صعود شرائح الطفيلية الجديدة وأثرياء الحرب وسماسرة المجاعة وناهبي المال العام. وإتسعت رقعة الحرب الأهلية لتدمر كل شيء في البلاد، الإنسان والطبيعة، مشيعة ثقافة الحرب والقتل والقسوة والتجنيد القسري للطلاب وشباب وأطفال المناطق المهمشة وإرسالهم كدروع بشرية إلى محرقة الحرب الأهلية. فقد السودان الآلاف من شبابه في محرقة الحرب الأهلية، وتضاعفت أعداد المعوقين وفاقدي الأطراف، وإنهمر نزيف العقول والكفاءات والمهارات وسواعد البناء، نزوحا ولجوءا، حيث الآلاف يبحثون عن ملاذ ومأمن لأطفالهم وأسرهم في كندا واستراليا وهولندا وبريطانيا ونيوزيلندا والولايات المتحدة… تلقى حسن خضر هذه الصدمة الثانية، وهو لم يفق بعد من الأولى، فأصابه الضيق والإختناق، وظل يعاني كبقية رفاقه، حتى شد رحاله للقاهرة. ورغم أن القاهرة إحتفت به وإحتفى بها، أمكنة وأزمنة وشعبا، إلا أن روحه ظلت تعاني من آلام هجر الوطن. وعلى نفس نهج الساموراي، إنخرط الصوفي المعذب فى البحث عن الناس والاصدقاء، سودانيين ومصريين. وعندما امتدت به الهجرة الى استراليا، كان يطمئن نفسه بأنه بات قادرا على مساعدة الكثيرين، فتعهد وإلتزم بمدفوعات شهرية لأخوته وأهله وأصدقائه وزملائه وجيرانه، وكان في كل “غشوة” للوطن، ياتى محملا بالهدايا وكأنه يعتذر عن غربته، أو ليترك أثرا بعد رحيل سيأتي قريبا.

فى ذات عام الرحيل هذا، دعانا جميعا، عائلة واصدقاء. أولم لنا ولم يسمح لأي منا بالمساهمة. وتنقل بيننا مؤانسا ومتمما على أحوالنا وأوضاعنا، وعندما حاول البعض الاعتذار عن المشاركة لإرتباطات أخرى، كان يقول له “أحسن تجي، لأنه ممكن دي تكون آخر مرة تشوفني فيها”.. ربما كانت تلك طريقته فى وداع لسفر لا يعلن ولا عودة منه…قلت له حينها: “الارض هى الارض والناس هم الناس، عش حياتك يا اخى وانت لست وحيدا بعد ان تسرب كل هذا الشباب من بين ايادى الوطن بسبب الحروب وسيطرة ضيق الأفق والجهل والفساد وتضييق الحريات….، فقط، حاول قدر المستطاع أن تظل حيا لأطول مدة ممكنة، فمثلك تغضب الحياة إن همو رحلوا عنها”.

خرجت منه الحياة سريعا، وكأنها نسمة تنساب بهدوء محاذر حتى لا تيقظ نومته الأخيرة الوديعة. وسريعا أيضا ضمته الأرض ذات القلب الرؤوم في تلك البلاد البعيدة التي إحتفت به وكرمته عندما تنكر له قراصنة البر الجدد في وطنه الأول. كان حسن خضر عاشقا متيما للحرية، بما في ذلك حرية الروح بعيدا عن الجسد، ولم يكن ملحاحا لجوجا لحبس الحياة في جسده، لذلك لم يستبقيها لحظة عندما طلبت الإذن بالخروج. كان ذلك قراره..!، وكيف لا، وقد علمته الحياة منذ وقت مبكر أن إعلان الرحيل أمر مطاع، أخذت منه ابيه خضر سعيد، قبل أن يستمتع بأبوته، وأخذت منه أمه ست البنات وأخته حرم، وهو في الغربة الأليمة، وكان يعشقهما حد الهذيان.

حياة حسن خضر تعكس مأساة جيل بأكمله، تنسم عبير الحرية في أبريل 1985 بعد أن تصدى ببسالة لحكم الفرد والطاغوت. ولكن ذاك العبير لم يدم طويلا بقبضة الجبهة الإسلامية على رقبة البلد… وما بين حلحلة رقبة البلد وحلحلة العقد التي بدأت تتخلق في وجه التفاصيل العادية اليومية، تحلل مشروع أحلام هذا الجيل إلى مجموعة من الإستحالات، فغادروا الوطن ولم يغادرهم حلمهم بالوطن، سوى في المنافي وهم يتجرعون مرارة البداية من الصفر والبحث من جديد عن معنى الوطن، أو في ميادين القتال وهم يعلنون تساوي الحياة والموت من أجل الوطن. كلاهما تجرع غربة من نوع خاص عن المحيط الذي أوجدهم، وكلاهما بلغ أقصى حالات الحنين فداحة، وكلاهما ضمته أرض غريبة ورحيمة في آن، وعزاؤنا أن الأرض هي الأرض… والإنسان هو الإنسان…والسماء هي السماء… والغد هو النصر.

الميدان


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2585

التعليقات
#701784 [بلاك بلوك فرع السودان]
5.00/5 (1 صوت)

06-20-2013 09:41 AM
قاام الصبح صلى الفرض حمد الاله من غير زعل ..
جابتلو الفطور .. شن الفطور .. بس لازم الحمد .
اتنهد سرح وين المشي ووين الامل .. قالتلو خيير
التايه بت مبروكه ساكنه حداهو تب سمع الصراخ
قال ليها قومي شوفيهم جاهلهم مالو .. يدو الضراع يسكتو
يا حليلك انت الماك جايب خبر .. خليك في حالك كده
هو وينو الضراع البجيب لبن .. نشف الللبن
حتى الضرع مسكو المرض ودهوو الحكيم قال لازملو شيل
اااه يا دنيا مالك علينا مقبله .. وااه يا وطن وااه يا بلد
مالك علينا مدينا الشقي ... مالك علينا حامينا القعاد
عايزنك سند عايزنك امان عايزنك وسادة نتوسده
البلد حكموهو اولاد الحرام .. الجونا من طرف المدن
جوك بي ليلا لئيم زي كلاب مسعوره تنهش في اللحم
قالوا السلام ورديت السلام وينو السلام .. ولا غشاك بي هنا
اتشاوروا واتامروا قطعوك نص .. زي طيرا بلا جناح
خانوك ناس حجر العسل وباعوك ناس كاب الجداد
اصلو العرق دساس وحاتك متصل والزمن برجع يعود
خانوك زمااااان مع الغازي الدخل احتضنوه بي كل حنان
باعوك زمااان .. باعوك يا بلد وأنت لسه في العشم
تتعلي وتزيد وعشمت في اولاد الحرام ..
انتظر الفرج لسه الدنيا خير
لسه الدنيا في وهسه اولادك بجو
خليك بخير دام انت في .
وخليك بخير دام انت في
وخليك بخير دام نحنا في .


#701724 [دابي الخشة]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2013 08:21 AM
ربنايرحمه ويسكنه فسيح الجنات مع الصدقينو الشهداء امين.
ويلهمكم الصبر.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
8.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة