الأخبار
أخبار السياسة الدولية
ذهاب الأوطان لبقاء الاخوان



07-16-2013 01:34 AM

لم يكن مرسي لو كتب له الحكم آلافا من السّنوات قادرا على أكثر ممّا فعل، فذلك مستطاعه وتلك حدوده.

بقلم: شفيق طارقي

بين الأصل وما تفرّع عنه بون شاسع للنّاظر أن يلمحه بيسر متى أمعن النّظر في الفكر الاخوانيّ وترصّد منطلقاته كما أبان عنها حسن البنّا وكشفت مؤلّفاته، وما جاء في رسالته خلال المؤتمر الخامس من ثبت للآليّات وتحديد للغايات، وولّى في المقابل وجهه شطر ما تحكّم بالجماعة عبر عقود سواء في مصر أو في غيرها من البلاد العربيّة من انصراف عن الأسس وعدول بما شابها من أعراض عن الجوهر.

فالهوّة سحيقة بين الإصلاح هدفا تزخر به تلك المبادئ الأولى وبين ما علق بمسار الجماعة من إفساد طال من الحياة مختلف مجالاتها، وأجلى في كلّ المراحل عن رغبة في الحكم محمومة وشهوة في السّلطان لا تحدّ، ولم تبق من تعاليم البنّا إلّا الأصداء تتردّد في واد غير ذي زرع كثيرا ما تعود على أعقابها تاركة المجال لأنفس حادت عن السّمت فأخلصت بما أوتيت من أدوات لمصالحها الفرديّة.

ولم تكن القواعد ممّن دخلوا في مسلك الإخوان أفواجا إلّا وسائل أعمل القادة كلّ طاقاتهم المادّيّة وما استطاعوا إليه سبيلا من الدّعاية والاستقطاب لإغرائهم بالجنّتين واحدة على الأرض يستقيم خلالها الحال وتخرج الأمّة بتحقّقها واقعا من ظلمات الفقر إلى نور الرّخاء ومن مخالب الضّعف إلى العزّة، وثانية في السّماء يوعد بها المتّقون ممّن أخلصوا لتعاليم المرشد وساروا في ركبه مخلصين.

وخلال تلك العقود جرت على الأمّة أحوال وشهدت من التّحوّلات ما لامس منها العمق والسّطح فأفرز أنماطا جديدة في التّفكير وفي المعاملة وشهد العالم من التّبدّلات ما يعدّ جوهريّا فتعدّدت الرّؤى وسقطت إيديولوجيّات وتغايرت أخر مع منطلقاتها وقضى البعض الآخر نحبه، غير أنّ الإخوان ظلّوا من كلّ ذلك ورقة في أكثر من يد وعنصرا من معادلات كثيرة يطوّع بوعي منه أو بغير وعي إلى المرتسم من غايات إستراتيجيّة تتجاوز مكوّنه وظلّوا من كلّ ذلك ينتهجون المسالك ذاتها ويصدرون عن المواقع نفسها ويلبسون خطابهم سواء على صعيد البناء أو ما تعلّق منه بالدّلالة الحلية نفسها حتّى غدت بمرور الزّمن رثّة، وصار من اليسير الكشف عن وهنها وما يتربّص بها من صنوف الزّيغ وما به تتّسم من فروقات فجسّدوا النّمطيّة في أعتى تجلّيّاتها وأبانوا عن دونكوشوتيّتهم في عالم لم يعد يحتملهم بكلّ المقاييس عين على السّماء تؤوّل من أحاديثها ما يوافق أهواءهم وعين على الكرسيّ تتشهّى ملذّاته وما طاب.

ولم يقدّموا بأجيالهم المتعاقبة مشروعا واضح المعالم ولم ينفذوا إلى الرّاهن برؤية تجيء على متطلّباته فجعلوا بينهم وأمال المواطن العربيّ وقد أثخنته الطّعنات وغارت جراحه سدّا فهم أبعد ما يكونون عنها وأنأى بتهويماتهم عن الوفاء لها والإنصات لنبضها.

وحين كتبت الشّعوب ثوراتها بالدّم جاؤوا من غياهبهم والجحور متأخّرين بما يكفي لمساءلتهم من أنتم؟ وأين كنتم؟ وكان تأويلهم لما حدث خارج كلّ منطق تاريخيّ من هيرودوث إلى ماركس مرورا بابن خلدون، فقد شبّه لهم الأمر فتحا سماويّا وأجروا في التّعامل معه شغفهم بالماورائيّات، ولم يكن صعودهم إلى سدّة الحكم في بلدان الرّبيع العربيّ إلا نتيجة لانسداد الآفاق أمام عامّة النّاس وحسن نواياهم فيمن جاء من أقصى الغياب يسعى متّخذا من الله ومن الإسلام ذريعة، ولا شكّ أنّ عدم تهيّؤ النّاس حينها على صعيد الوعي وتعلّق مخيالهم الجمعيّ بالرّابض في أنفسهم والّذي يشكّل صلتهم بالعالم فظنّوه خلاصا بالمعنى الدّينيّ وسارعت أياديهم وهي تمارس حقّها في الاختيار إلى ما به بترت وإلى ما به شلّ حراكها لتجد الشّعوب نفسها إزاء كذبة هي الأكبر في تاريخها وإزاء وهم هو الأضنى، ووجد الإخوان أنفسهم يعيشون حلما لم يرصدوا له أسباب تحقّقه ولم يجدوا بين أياديهم من وسائل المحافظة عليه أكثر من خفّي حنين وخطب جوفاء وبلاغة زائفة لم يعد في حولها أن تهب النّاس ذلك الحدّ الأدنى من مطالبهم الثّوريّة، وتحوّل الحاكم إلى شيخ يفتي ولم يستطع أن يبلور وجوده خارج حرصه المصوّر على الصّلوات الخمسة وصار الواقع بمعضلاته حلقة غائبة في سيل اهتماماته الأخرويّة.

إنّه العطب الإخوانيّ عطب جماعة كلّفت بما لا طاقة لها به فأفرزت أداء تراجيديّا مضحكا أو هو كوميديّ مبك ففاقد الشّيء لا يعطيه ولم يكن مرسي لو كتب له الحكم آلافا من السّنوات قادرا على أكثر ممّا فعل، فذلك مستطاعه وتلك حدوده والمعادلة اليوم في مصر هي آلاتية:

إمّا أن يظلّ مرسي احتراما للشّرعيّة بما يوازي اندثار مصر سياسة واجتماعا واقتصادا وثقافة، أو رحيله وعودة مصر إلى ذاتها وفاء لشهدائها، وليس الأمر بعيدا في تقديرنا عمّا هو حادث في تونس وإن اختلفت بعض المعطيات عسى أن لا تكون الشّرعيّة قميص عثمان بسند تاريخيّ أو مسمار جحا بسند تخييليّ، فإلام التّعنّت وكلّ شيء يهوي؟

إلى متى سيصرّ الإخوان على تقديم أوطانهم قرابين حتّى يدخلوا إلى الجنّة؟ إنّ الوفاق الوطنيّ هو الحلّ الأوحد في هذه المرحلة وكلّ من يعمد إلى احتكار الله لصالحه أو إلى احتكار الثّورة لصالحه فيفوّض لنفسه مهمّة حمايتها أو إلى احتكار الوطن لصالحه مآله متى لم يتّعظ من الماضي بعيدا وقريبا ومتى خال أنّ الحكمة قد جمعت فيه وأنّه من الذّكاء بمكان راحل إلى العدم العادم لا محالة واقع في النّسيان.



شفيق طارقي

كاتب تونسي وأستاذ في الحضارة العربية
ميدل ايست أونلاين






تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 835


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة