الأخبار
أخبار السياسة الدولية
لماذا سقط الاخوان؟



07-22-2013 01:47 AM
على الرغم من 'آنية' الأسباب الظاهرة لسقوط الأخوان المدوي في مصر، إلا أن أسباب أكثر عمقا تكمن في جوهر الفكر الأخواني هي ما قاد إلى الفشل التاريخي.



بقلم: فرانسوا باسيلي

لماذا كان فشل الاخوان في مصر بهذا الحجم الهائل؟ ما الذي أدى إلى سقوطهم ذلك السقوط المدوي؟

كان الملايين في مصر والبلاد العربية والأجنبية يشاهدون الفشل الاخواني يتجلى يوميا على الساحة السياسية في مصر بالصوت والصورة على شاشات الفضائيات ويعيشون آثاره في الشارع المصري الذي راح خلال عام واحد من حكم مرسي والاخوان، يتدهور بسرعة كبيرة حتى أصابه الشلل، وتجلي ذلك بشكل فاضح في طوابير السيارات تسد طرقات مصر من الاسكندرية إلى أسوان واقفة بلا حراك لغياب الوقود، وفي ملايين التلاميذ يقرأون على لمبات الغاز ساعات كل يوم تنقطع فيها الكهرباء معبرة عن عودة مصر إلى عصر الكهوف فكريا وفعليا. بينما رأينا الهزل والتهريج والتواطؤ في مواجهة ما يهدد أمن مصر القومي من أخطار ارهابية في سيناء وتهديدات لمياه نهر النيل من أثيوبيا.

لن أسرد هنا قوائم بمظاهر الفشل الهائل فقد رآه الجميع وكان هو الدافع وراء خروج أكبر تجمع بشري ثائر في التاريخ حيث خرج نحو الثلاثين مليونا من المصريين في كافة محافظات مصر تطالب بإسقاط الرئيس مرسي ورحيل الاخوان عن السلطة حتى سقط ورحلوا. لقد عادت مصر التي أقامت أول وأبهى حضارة على الأرض لتقدم للعالم درسا باهرا في عبقرية الثورة وعبقرية التغيير.

المظاهر العديدة الفاضحة التي رأيناها لفشل الإخوان هذا الفشل التاريخي في الأداء والسلوك والفكر هي أعراض لمرض خبيث له أسباب داخل جسد الجماعة الاخوانية، ففشل الاخوان كان محتما، لأن بذوره دفينة في طبيعة ونفسية وفكر الجماعة كجماعة وأفرادها كأفراد. لم يفشل الحكم الاخواني بسبب أخطاء هنا أو هناك، مثل أخطاء وخطايا الإعلان الدستوري الغاشم وتحصين القرارات والإقصاء والأخونة والقرارات المتضاربة والتعيينات الفجة والخطب الهزلية ومعاداة القضاء والإعلام والمثقفين والأقباط والأقليات والشرطة والجيش والتحالف مع الارهابيين ودعوتهم لحضور المناسبات الوطنية العامة والغباء المذهل في الارتجالات السياسية الداخلية والخارجية، والتي هي كلها أعراض خارجية للمرض. فالمشكلة ليست في البثور على جسد المريض بالسرطان مهما كان منظرها يدعو للجزع والرفض، ولكن المشكلة هي في المرض الخبيث الكامن داخل الجسد. فالإخوان لم يفشلوا صدفة أو تعثرا أو لظروف خارجة عن إرادتهم. الاخوان فاشلون بالضرورة. لم يكن في إستطاعة الاخوان إلا أن يفشلوا. لم يكن في طبيعتهم ونفسيتهم وفكرهم إمكانات وبذور سوى إمكانات وبذور الفشل. فالشجرة لا تملك أن تطرح إلا الثمرة التي أعدتها لها ووعدتها بها البذرة. فما هي خصائص البذرة الاخوانية التي طرحت علينا كل هذا الفشل ولم تكن تملك أن تطرح سواه؟

لابد أن نجيد توصيف الجماعة لكي نعرف عما نتحدث بالضبط. الجماعة الاخوانية هي أساسا جماعة دينية متشددة، أسسها وينجذب إليها أفراد لهم رؤية دينية متشددة وصبيانية في نفس الوقت للدين وللحياة وللعالم. ولابد من التركيز هنا على كلمة "متشددة". وهي في نفس الوقت منظمة باطنية ميدانية صارمة تعتمد الانضباط والسرية ونظام الخلايا ومبدأ السمع والطاعة، مع طرد كل من يخرج على هذا النمط من أعضائها وقادتها، مع اللجوء إلى العنف وأعمال الارهاب كلما لزم لتحقيق أحلام وأطماع الجماعة. هذا التشدد الديني بطبيعته وخصائصه التي سأوضحها، ووجوده داخل إطار تنظيم الجماعة، هو البذرة التي لا تملك سوى أن تطرح ثمار الفشل والفقر والبؤس الفكري والفعلي التي لم تستطع مصر أن تتحمل مذاقها العفن وسمومها المميتة أكثر من عام واحد فلفظتها من فمها وطرحتها إلى الأرض في ثورة 30 يونيو الهائلة.

هذه الجماعة الدينية المتشددة تحمل في جيناتها التكوينية عددا من التشوهات المادية والنفسية الكامنة في الجسد الاخواني تدفعه إلى الفشل بالضرورة.

1- المراهقة الفكرية

لن تجد في التصور الذي طرحه مؤسس الجماعة حسن البنا لجماعته في 1928 سوى رؤية رومانتيكية لجماعة إسلامية هي أقرب إلى ما يتصوره شاب مراهق لأحلامه ودوره في الحياة. فقد رأى أن الجماعة، حسب وصفه: "هي دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية". الجماعة إذن في هذا التصور هي كل شيء وبهذا تصبح لا شيء محددا. وهذه الشمولية الرومانتيكية هي من طبيعة الفكر الشبابي المراهق غير الناضج، فالنضج يؤدي بصاحبه إلى إدراك ضرورة التخصص في حياة أصبحت مركبة متشعبة لا تحتمل هذه الرؤية الهلامية. وسنجد نفس المراهقة الفكرية في الهدف المعلن للجماعة والطريقة المتدرجة لتحقيقه، فتقول الجماعة أنها "تسعى في سبيل الإصلاح الذي تنشده إلى تكوين الفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم، فالحكومة الإسلامية، فالدولة الاسلامية، فأستاذية العالم"، وهذا التعبير "أستاذية العالم" لا يصدر إلا عن شاب في طور المراهقة الفكرية، ينظر إلى العالم والحياة برومانسية شديدة غير متصلة بالواقع ولكنها تخلب ألباب الشباب بما فيها من سمو الحلم وراياته المرفرفة بعاطفة الحماس واندفاع المراهقة، دون وجود الامكانات والموارد اللازمة لتحقيق ولو جزء صغير من هذا الحلم المراهق.

ستعكس هذه المراهقة الفكرية نفسها بعد ذلك في السلوك المندفع الفج الذي رأيناه من قيادات الجماعة أولا بعد دخولها مجلس الشعب المصري كأغلبية متحكمة واندفاعها في تأسيسية الدستور وكأنها تملك الكفاءات الدستورية لذلك في غير أساس من الواقع، ثم رأيناها في الأداء السياسي البدائي الفج للدكتور محمد مرسي وخلفه مكتب الإرشاد بكامله، والذي جاءت تصرفاته وقراراته وخطاباته ورؤيته أقل ليس فقط من مستوى رئيس لدولة ولكن أقل حتى من مستوى مدرس في مدرسة إبتدائية، الكلام عن "أستاذية العالم" إذن ليس سوى مراهقة فكرية هي في صميم طبيعة فكر الجماعة منذ تأسيسها وفي صميم دعوتها الجاذبة لشباب مراهق يجد في رؤيتها الصبيانية الساذجة تحقيقا وهميا لأحلامه المفقودة وذاته المهدورة فيتعلق بها تعلق المراهق بوهم حبه الأول.

ومما يثبت المراهقة الفكرية أنك لن تجد للجماعة فكرا جادا أو نظرية فكرية متماسكة في أي مجال من المجالات العديدة التي توهمتها لنفسها، ولم يتميز أو يبدع أو يتفوق أي اخواني في أي من هذه المجالات. فلن تجد اخوانيا مميزا في الفكر أو الأدب أو العلوم أو الآداب أو الرياضة أو الفنون أو علم الإجتماع أو الإقتصاد أو العلوم السياسية أو حتى في الفقه الاسلامي، وذلك رغم تواجد الجماعة على مدى عدة أجيال خلال خمسة وثمانين عاما إلى اليوم. وكانت الإضاءة الأدبية الوحيدة الواعدة لديهم هي الأعمال النقدية لسيد قطب، ولكنه سرعان ما هجر الأدب وتوغل في تفسيره الخاص للقرآن بشكل مخل أوصله إلى تجهيل وتكفير المجتمع المسلم الذي لم يجده مسلما بما فيه الكفاية حسب رؤيته الاخوانية الضيقة، وهي نفس الرؤية الرومانسية المراهقة المنفصلة عن الواقع التي تأسست عليها الجماعة منذ البدء.

2- الانفصال عن الزمان

لا يقيم الفرد الاخواني، ولا الجماعة الاخوانية، في العصر الذي يتواجدون فيه جسديا. فهم ككل "متشدن" - وهي كلمة قمت بنحتها لأختصر بها المتشدد دينيا - يقيمون فكريا ووجدانيا في عصر السلف الذي يتوهمون أن الإقامة فيه هي الطريق القويم إلى تمثل هذا السلف الصالح وتقفي خطاه. ويذهب بهم هذا الإنفصال إلى الإيمان بضرورة العودة إلى الأصول، بما في ذلك التشبه بالسلف الصالح ليس في التحلي بالقيم الأساسية للدين والايمان فقط، ولكن أيضا في المحاولة المستحيلة للإقامة وجدانيا وفكريا وسلوكيا في عصر وزمن هذا السلف، وياحبذا لو إحتذوا بهم في كل تصرف وكل أسلوب حياة من ملبس ومأكل وعادات إجتماعية وتصرفات شخصية، وكأن ما كان يلبسه ويأكله ويفعله ويركبه السلف صالح ليس فقط لعصرهم وبيئتهم ولكن لكل عصر وكل بيئة. هم، ومثلهم المتشدن المسيحي واليهودي، يقعون في خطأ الخلط بين القيم الدائمة للدين والتي هي قيم إنسانية عابرة للمسافات المكانية والزمنية، وبين العادات الإجتماعية والثقافية والبيئية المتغيرة التي حدث أن نشأت فيها الدعوة الأولى لهذا الدين، وهي عادات لا علاقة لها بالدين أصلا. هذا الخلط هو من طبيعة المراهقة الفكرية التي تلازم المتشدن، أي أن المراهقة الفكرية تؤدي أيضا إلى الإنفصال عن الزمن والاقامة في زمن سالف بعيد، مما يجعل صاحبه غير قادر على مجابهة عصره بشكل فعال، فكيف له أن يحسن التعامل مع زمن لا يقيم فيه وبالتالي لا يعيه أو يفهمه أو يتكلم لغته؟

وقد تجلى الإنفصال عن الزمن في مواقف الاخوان الصادمة من عدد من القضايا الإجتماعية والانسانية التي كان قد حسمها التطور الاجتماعي في مصر نفسها، خاصة في مرحلة سيطرتهم على اللجنة التأسيسية للدستور. وفي لقاء شهير لممثل الاخوان في اللجنة مع الإعلامي وائل الأبراشي في برنامج العاشرة مساء - وهو متوفر على اليوتيوب- قال ممثل الاخوان "وما المانع أن تتزوج البنت في سن التاسعة أو العاشرة مادامت قد بلغت؟" وكذلك في رغبتهم في رفع النص المحرم لختان الاناث، وغيرها من القضايا التي كشفت مدى تخلف الفكر الاخواني عن مسيرة التقدم الانساني في مجالات حقوق الإنسان والتصاقهم بمنظور بالغ الضيق لما يتوهمون أنها أوامر إلهية لم يحسنوا فهم مقاصدها لذلك جاءت رؤيتهم قاصرة عن رؤية المرجعية الاسلامية الأكبر في مصر والعالم الاسلامي ممثلة في الأزهر الشريف.

3- الانفصال عن المكان

كما أن الاخواني المتشدن منفصل عن الزمان، هو أيضا منفصل عن المكان، فهو لا يقيم في الواقع على الأرض التي يمشي عليها، لكنه يقيم فكريا ووجدانيا في عالم فوق-واقعي، أو فوق-أرضي، يمت إلى عالم من الغيب الذي يبدو له أنه الحقيقة الوحيدة، عالم منسوج من عظات وتفسيرات وقصص ورؤى شيوخ ودعاة يقع المتشدن في مجالهم المغناطيسي الذي يبدو له أنه مجال السماء أو الجنة، ينفصل الاخواني عن الواقع لفرط إنشغاله بالشؤون والمظاهر والتفاسير والفتاوي الدينية، ومعايشته الدائمة لأدبيات ومظهريات التدين وانجذابه لأحلام رومانسية كبيرة فارغة من المعنى مثل أستاذية العالم، وهي أحلام ولغة دينية شجية السجع والوقع تدغدغ إحساس الشباب دون تقديم معنى محدد أو خطة واقعية، فهي لغة وتهيؤات وأحلام تدور حول نفسها وتختلق عالما موازيا بديلا لا ينتج فيه المتشدن شيئا نافعا لنفسه أو لمجتمعه، فهو عالم من الكلام والخطابة البديلة للفعل، وتكون النتيجة أن الاخواني يقيم في عالم غير واقعي منقطع الصلة بالواقع الذي يعيشه الناس لذلك يفشل في التعامل مع الواقع ويلجأ إلى الهروب منه ورفضه وتكفيره كما فعل سيد قطب وتبعته الجماعات الاسلامية المتطرفة التي انبثقت عن الاخوان.

وقد رأينا هذا الإنفصال عن الواقع جليا في سلوكيات وأقوال وأفعال الرئيس المقال محمد مرسي وقيادات الاخوان، وقد كان انفصال الاخوان عن الواقع المصري واقامتهم في عالم من توهمهم أحد أهم أسباب ثورة المصريين عليهم وإسقاطهم، فقد توهموا أن مصر صغيرة جدا، وأنها قد دانت لهم، ولم يستطيعوا قراءة واقع المصريين وطبيعتهم ومزاجهم، فقالوا وفعلوا ما صدم المصريين وكان مخالفا لكل ما هو أصيل وجميل في مصر. وكان خطاب مرسي البالغ ما يقرب من ثلاث ساعات مثالا واضحا لمدى إنفصال هؤلاء عن الواقع المصري، فقد كشف أن الاخوان يقيمون في عالم بديل من صنع خيال مختل مهزوز لا يمت لواقع مصر الراسخ بصلة. لم يتمكن الاخوان من فهم ركائز المجتمع المصري وخصائصه الصميمة وصفاته التاريخية الحميمة وثوابته العميقة، فقاموا بمعاداة هذه الركائز والثوابت والخصائص وأهانوها وحاولوا عبثا نزعها عن المصريين، ولذلك فشلوا في التواصل مع المصريين نخبة وجماهير معا وأصبحوا أعداء للجميع فكان سقوطهم محتوما.

4- الإنفصال عن العقل

من مزالق الاخواني، والفرد المتشدن بوجه عام، عبوديته للحرف في النص المقدس بما يمنعه من القدرة على التفسير العقلاني لمقاصد الدين. فالعقل المتشدن يقف مشلولا أمام المعنى الظاهر الحرفي للكلمة متصورا أن لها معنى في ذاتها خارج سياق النص وخارج البيئة الثقافية التي ظهرت فيها الكلمة، رغم أنه لا يمكن فهم أي نص، ديني أو غيره، فهما سليما إلا من خلال المناخ الثقافي الاجتماعي الذي ظهر فيه، ورغم أن اللغة بشكل عام هي "حمالة أوجه" فإننا نرى المتشدن يستخدم النص المقدس كسيف يسلطه على الناس لكي يخضعهم لتفسيره المباشر المنغلق للقصد الديني. يتجاهل المتشدن ثراء اللغة وتعدد معاني الكلمة والعبارة ويدعي أن النص صريح ومن يخالفه فهو مخالف لشرع الله، ويجد المتشدن في هذا التضييق للمعنى المقدس فرصة لكي يتقمص دور المعلم الواعظ المقرع المؤنب للناس، وبهذا يرفع نفسه فوقهم ويكتسب مكانة إجتماعية ماكان يمكنه إكتسابها وذلك بمجرد حفظه للنص المقدس وترديده له في لهجة من التقريع والزجر المتعالي للمستمعين له، فما أسهلها من وسيلة للتسلق الإجتماعي والتسلط على الاخرين بأبسط تكلفة.

لقد رأينا تعطيل الاخواني للعقل في الكثير من مواقف وأقوال الجماعة وقياداتها. فتعليلا لسماحهم بزواج البنت في التاسعة أو العاشرة يقولون: نحن لا يمكننا أن نحرم ما حلله الله. وفي بداية كل حوار سياسي في التلفزيون يبدأ الاخواني، والسلفي أيضا، حديثه بالآيات القرأنية، وكأنه يقول لك لا تعارضني فأنا أتكلم باسم السماء.

تعطيل العقل والركون إلى النقل والتفسير الحرفي البليد للنص المقدس حسب تفاسير الأقدمين من البشر يؤدي بالاخوان والمتشدنين بشكل عام إلى هجران التفكير والاعتماد على السمع والطاعة، وهو منهج الاخوان في علاقاتهم داخل الجماعة، وهو منهج يخمد طاقة الإبداع في الفرد ويحوله تدريجيا إلى إنسان شبه آلي، يسمع ويطيع وينفذ بلا تفكير. ولذلك لم يكن غريبا أو مفاجئا أن يفشل الاخوان في كل شيء، فكيف ينجح من فقد القدرة على التفكير المستقل والخلق والإبداع؟ فمن لا يستطيع أن يبدع في تطوير وتحديث فهمه للدين لن يبدع في أي مجال آخر، ومن لا يسمح لعقله بالجموح الفكري والإستكشاف الرائد لن يبتكر أو يخترع أو يتفوق في أي مجال، وسيكون فقر الأداء وتواضع الموهبة والعجز عن الإنجاز هي النتائج الطبيعية لهذا كله، وهو ما رأيناه في الاخوان نوابا وقادة ومحافظين ورئيسا ومستشارين ووزراء في كل المجالات.

5- الإنفصال عن الآخرين

يقيم الاخواني في عالمه الخاص المنغلق عليه متوهما أنه في حالة إكتفاء ذاتي لا يحتاج معه إلى أي نوع من المعرفة خارج حدود النص المقدس الذي يظنه جامعا لكل معارف الكون. فتجد مثلا من يقول أن القرآن الكريم يحتوي كافة المعلومات والنظريات العلمية التي يقدمها ويكتشفها العلم. وتحت هذه النظرة تضمر رغبة الفرد في إكتشاف المعارف المختلفة خارج المنظومة الدينية ولذلك تجد أن الاخواني محدود الثقافة بشكل كبير، بل تجد لديه نوعا من تقليل قيمة الثقافة والاداب والفنون واحتقارها واعتبارها مضيعة للوقت الذي يمكن توظيفه بشكل أفضل في الصلاة أو الاستماع إلى الفضائيات الدينية. وبهذا ينفصل الاخواني عن معارف العالم ويضيق أفقه، فنجد وزير ثقافتهم محدود الثقافة يأتي ليحاول إلغاء دار الأوبرا ويعزل رئيستها النشطة، ويفعلون نفس الشيء مع قصور الثقافة التي يمنحونها لأتباعهم ممن لا تخرج "ثقافتهم" عن حدود المعرفة الدينية السطحية المستمدة فقط من أقوال وكتابات حسن البنا أو سيد قطب. وليس غريبا بعد هذا أن نجد قيادتهم من الدعاة يكفرون عملاق الأدب المصري نجيب محفوظ فيخرج شاب مأفون منهم ليطعنه بالسكين في رقبته.

كما ينفصل الاخواني عن المختلفين عنه في المذهب والدين، فهو يبدأ علاقته بهم بنظرة استعلائية يتوهم فيها أن الحق كله معهم وأن "الآخر" كافر وعلى باطل وبالتالي لا يستحق أن يكون سوى تابعا صاغرا قد يتحملونه قليلا. وهم يلبسون رداء التسامح أو الديمقراطية ولكن سرعان ماينكشف احتقارهم للآخر ورغبتهم في استبعاده واستعباده، كما حدث في سلوكهم في لجنة تأسيسية الدستور التي انتهت باقتصارها على تيارهم وحلفائهم السلفيين، وكما حدث في خطابهم الاقصائي التحريضي ضد أصحاب الأديان والمذاهب الاخرى وعلاقتهم المتوترة مع أقباط مصر الذين وقع أول إعتداء على كاتدرائيتهم في التاريخ في عهد الاخوان، ومع الشيعة الذين ذبح عدد من قادتهم ودعاتهم لأول مرة في مصر في عهد الاخوان. ويؤدي هذا التعالي على الآخرين والانفصال عنهم إلى عدم القدرة على العمل الجماعي، وهو ما رأيناه في إنفراد الجماعة بالسلطة في مصر وإعتمادها على كوادرها التي اتضح مدى فقرها وانعدام موهبتها مما أدى إلى فشلهم الذريع في حكم مصر ثم الثورة عليهم وإسقاطهم.

6- العنف الفكري والفعلي

لا يمكن أن ينتهي المتشدن، أي المتشدد دينيا، إلا أن يلجأ إلى العنف كنهاية طبيعية لمسار تشدده المطرد. فالمتشدد يصبح مع الوقت متطرفا، والمتطرف يصبح مع الوقت إرهابيا. كان هذا هو تاريخ الاخوان كما أنه أيضا حاضرهم الذي كشف عن نفسه بعد سقوط مرسي في التحريض الصريح على العنف من قبل قيادات اخوانية مسؤلة، كما تجلى في ممارسة الاخوان وأصحابهم من التيار السلفي للعنف ضربا وقتلا وسحلا للأبرياء في الأيام التالية لإسقاط مرسي في ميادين وشوارع القاهرة، وبهذا يثبت الاخوان أن العنف هو مكون أصيل من مكونات جيناتهم الفكرية والنفسية، بل نجده في شعار جماعة الاخوان منذ تأسيسها، الذي يقول: "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". فلماذا تفكر جماعة المفروض أنها دينية سلمية أن يكون الموت في سبيل الله هو أسمى أمانيها؟ وذلك في سنوات تأسيسها حيث لم تكن في مصر وقتها حروب ضد الإسلام، ولا كانت هناك فتوحات أو غزوات، وكانت البشرية قد وصلت إلى مرحلة يدعو فيها الناس للدين بالكلمة والموعظة الحسنة، ولكن الاخوان كانوا منذ البدء يتمنون الموت في سبيل الله في حروب لا يتوهمها سواهم وسوى فكرهم الجانح إلى العنف الذي لا يرى في الحياة سوى الحروب الدينية ضد الآخرين المختلفين سواء من المسلمين أو من أصحاب الأديان الأخرى. ولعل من الدلائل أيضا على هذا الجنوح غير المبرر لضرورة العنف والحرب المقدسة وتمني الموت في سبيل الله أن حسن البنا أطلق على واحدة من بناته الست إسم "إستشهاد" وهو إسم من الغريب أن يطلقه أب على طفلته، إلا إذا كانت فكرة الإستشهاد مسيطرة بشكل غير صحي على فكر هذا الأب.

نزوع الجماعة للعنف كان في أساس تصميمها، فقد أسس حسن البنا "التنظيم السري" لهذا الهدف لا غيره، وإلا فما حاجة جماعة دينية إلى تنظيم سري؟ وقامت الجماعة بعدد من الاغتيالات المعروفة بالاضافة إلى محاولات فاشلة لاغتيال جمال عبدالناصر، كما قامت الجماعات المنبثقة عن الاخوان باغتيالات عديدة وأعمال قتل وحرق للسياسيين ورجال الدولة والدين والشرطة والأقباط. ولابد أن نستنتج من هذا كله أن الجماعة منذ تأسيسها هي تنظيم إرهابي في جوهره، يعتمد الإرهاب الفكري أولا للسيطرة على المراهقين من الشباب البريء المتحمس، ثم يلجأ إلى الإرهاب الفعلي الإجرامي كلما لزم لإستمرار الجماعة في تحقيق أطماعها السياسية طبقا لرؤيتها الصبيانية للتدين ولدورها في المجتمع والعالم.

السقوط الأخير

جماعة بكل هذه التشوهات الجينية الفكرية والنفسية التي تنخر في جسدها ووجدانها كالمرض الخبيث لا يمكن أن تنتج سوى الفشل الذريع في كل ما تقوم به، والعنف المريع كنهاية لمسار أهوج لرجال لم ينضجوا من أوهام المراهقة الفكرية ولم يشفوا من هوس التمكين والاستحواذ وصولا إلى هدفهم الأبله في "أستاذية العالم"، ولم يشفوا من هوس العنف وحلم الخلافة وتمني الشهادة في حرب يدعون أنها دينية وهي ليست سوى العنف الإجرامي للوصول إلى السلطة والتربع على كراسي الجاه والنفوذ والسلطان، جماعة بهذا الشكل لم يكن غريبا لها أن تكون منذ نشأتها في عداء مميت وممتد مع كل حاكم مصري، وأنتهت بعد أن رآها الشعب المصري عارية من ورقة التوت الدينية المزيفة التي كانت تغطي بها افتضاحها الفكري والسلوكي إلى أن تصبح في عداء وجودي ومصيري مع هذا الشعب المحب الوسطي الجميل، ولذلك أسقط الشعب هذه الجماعة مرة أخيرة ونهائية.



فرانسوا باسيلي
ميدل ايست أونلاين






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1190


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة