الأخبار
أخبار السودان
نعم ... إعفاؤهم من المسؤولية مثل إعفائهم من الحرية.. هم مسؤولون لأنهم أحرار
نعم ... إعفاؤهم من المسؤولية مثل إعفائهم من الحرية.. هم مسؤولون لأنهم أحرار


السؤال الثاني: وهل يتحمل الإسلاميون المسؤولية؟
08-11-2013 12:07 PM
دلال البزري

المقصود هنا مصر طبعا، وما حدث فيها من سقوط لرئيسها «الإخواني». وبالتالي، فإن الذي سقط هم الإخوان المسلمون، أي فصيل واحد مؤسّس لـ«الإسلام السياسي».. وليس كله. فبالإضافة إلى «الإخوان» هناك الإسلاميون السلفيون والإسلاميون «الجهاديون»، الذين تعنيهم عبارة «الإسلام السياسي» في السؤال.

توضيح آخر: ليس مقصودا بـ«المسؤولية» التي سأتناولها في إجابتي قصاصا أو محاكمة أو اعتقالات. فـ«الإخوان» فعلوا ما فعلوه بحكم حركة التاريخ الذي يصبّون في مجراه. كان ضروريا بل حتميا أن ينقضّوا على الثورة، وأن يركبوا أمواجها الأخيرة، وأن يكونوا أول الفائزين بانتخاباتها النيابية والرئاسية. لم يكن هناك من ينافسهم على هذا الفوز سوى إسلاميين آخرين، سلفيين، ومن بعدهم جهاديون. والكتلة الوحيدة التي وقفت بوجههم في الانتخابات الرئاسية كانت «فلولية». أما الباقون، فموزّعون بين ناصريين ويساريين وعلمانيين، وكلهم أطرياء العود، نرجسيون، نجوم، لا يملكون لا عراقة التاريخ ولا التنظيم ولا المال ولا العقيدة ولا العصبية. ولو فازوا، بصدفة تاريخية، لما كانوا أقل فشلا من «الإخوان». كنا تنعّمنا ببعض المظاهر «الحداثية»، وبشيء من «العلمانية» الآتية معها.. ولكن من حيث النجاح أو الفشل، ما كان لغير الإخوان المسلمين أن يتفوقوا عليهم في مجالات حيوية وأخرى أقل أهمية.

الإخوان المسلمون، مع ذلك، مسؤولون عن أفعالهم وعن فشلهم. إن إعفاءهم من المسؤولية مثل إعفائهم من الحرية. هم مسؤولون لأنهم أحرار، أي ولدوا أحرارا؛ وذلك على الرغم من، أو تماشيا مع الحتمية التاريخية التي أوجبت تصرفهم على النحو الذي عايشناه خلال سنة من حكمهم، أو بالأحرى من محاولتهم التحكم بمصر. والمقصود هنا بـ«الحتمية التاريخية» تلك العوامل الخارجة عن الإرادة، عوامل موضوعية تساهم بقوة في خلق الظاهرة. الإخوان المسلمون ليسوا ديمقراطيين، لكنهم وصلوا إلى السلطة بعملية ديمقراطية. هم أمضوا ثمانين سنة من الغل والنكد والتصبر، من أجل تلك اللحظة الثمينة النادرة التي لن تتكرر. فعاثوا ما عاثوه.. مثل كل من ارتوى بجرعة السلطة السحرية. انتشوا.. من دون شراب فراحوا «يؤخْونون» (أخْوَنة) يمينا وشمالا حتى الثمالة. بوجههم وقف الثوار والمعارضة وحشود الخائبين؛ غالبيتهم صوّتوا للإخوان، وهم الآن نادمون. خلال السنة المنصرمة هذه حصلت مواجهات معهم، بالضحك والتظاهر والحملات والحشد الإعلامي المضاد، والاعتصام والعصيان على قرارات، مع بعض الاصطدام المباشر. فأصيبوا بالطرش، بالعمى، وبتدفق الوعيد والتهديد.. ونوع من التوتر خاص بالذين وصلت اللقمة الكبيرة إلى فمهم، غير مصدقين بأحقية غيرهم لها، أو أجزاء منها.

لست إخوانية ولا سلفية. وقد سُررتُ بهذا السقوط المدوي لـ«الإخوان». واعتبرت مع كثيرين أن هذا السقوط يحررنا معنويا، ولو قليلا، من وطأة «الإسلام السياسي» كله.. وليس فقط الإخوان المسلمين. ولكن ليس بوسعي أن أتجاهل هذا المناخ الجديد المغالي بشراسته ضد «الإخوان» الذي ينقض عليهم بأكثر مما انقض على حسني مبارك، بتحميلهم كل المصائب والويلات بالتشهير والتحريض.. بتحميلهم كل المسؤوليات. المعسكر المضاد لم يسكنه ملائكة بأجنحة. الدولة العميقة، الجيش طبعا، وكذلك القضاء وكل المؤسسات (الإدارة)، وضعت سكة تفشيل «الإخوان»، بصورة أقرب إلى منهجية؛ وذلك على خط مواز لعملية «الأخونة» التي اعتمدوها. فضلا عن رجال الأعمال والإعلام.

ولقد بلغ الإعلام ذروته بعد صدور البيان الأول للجيش بخريطة طريق تخاطب الملايين المتظاهرين الصارخين بسقوط محمد مرسي؛ فما إن صدر هذا البيان حتى أخذ الإعلاميون يتكلمون عن «الإخوان»، بل يصرخون.. وعلى وجوههم ملامح محاكم التفتيش. وبهذا هم مخطئون؛ ليس فقط لأنهم يمارسون نوعا من الاجتثاث العنيف، سيدفع «الإخوان» إلى أحضان الجهاديين أو يوقظ جانبهم العنيف، الذي كان غافيا طوال عقود كانت «الوسطية» و«السلمية» هما لسان حالهم فيها.

أقول، ليس هذا وحسب؛ بل لأن المشكلات المقبلة التي ستواجهها السلطة الجديدة لن تختلف كثيرا عن تلك التي طرحت على سلطة «الإخوان» السالفة، وكذلك حلولها؛ إذ إنها لن تجترع إلا الوصفات الدولية، فضلا عن المساعدات، المشروطة طبعا. هي أزمة مصر الاقتصادية، المعطوفة على الأزمة الاقتصادية العالمية؛ والاثنتان ذاهبتان إلى حلول على نفس الدرجة من الليبرالية «الإخوانية». أي تقشف وبطالة.. بينما مصر لا تبيع الكثير إلى العالم؛ لا صناعة ولا زراعة، ولقد دمرتهما عهود الانفتاح المجنون على عالم لا يرحم.

مسؤولية من سوف تكون في الفشل المقبل؟ من الآن أسمع أصواتا تهمس بأن «الإخوان» سوف ينتقمون، بأنهم لن يريحوا العهد الجديد: العين بالعين.. وهذه وحدها حجة فشل عند السلطة الجديدة، وحتمية جديدة مع التاريخ..

كل هذا لا يعني أن الثورة الثانية انتهت، أو أن الثالثة غير ممكنة، ولو بعد حين.

* باحثة وكاتبة لبنانية
الشرق الاوسط






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1094


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة