الأخبار
أخبار إقليمية
من جنرال إلى جنرال
من جنرال إلى جنرال


08-25-2013 04:17 AM
فؤاد مطر

بعد فعل التغيير الأهم الذي قام به مجموعة من الضباط المتوسطي الرتبة، يترأسهم جمال عبد الناصر، وعرف رسميا بـ«ثورة يوليو 1952»، ومن قبل هذا الفعل الانقلاب العسكري الأول، من حيث نجاحه كفعل، وليس كحركة تغيير نحو الأحسن، الذي قام به الضابط السوري العالي الرتبة حسني الزعيم صباح يوم الأربعاء 30 مارس (آذار) 1949.. بعد هذين الفعلين باتت عيون الجنرالات والأقل رتبة في بعض دول الأمة تتطلع إلى المنصب الأعلى في الدولة. وبين عامي 1952 و2012 لم تنجُ الدول العربية من أحلام الجنرالات، التي انعكست في معظمها كوابيس على الرأي العام.

في سوريا، تعددت أفعال التغيير لتستقر عند الفعل الانقلابي للواء حافظ الأسد، الذي استنبط صيغة الحزب في خدمة الجيش، والجيش في خدمة رئيس النظام، والنظام قضيته الأساسية تمتين أساسات الطائفة وإرجاء أي قضايا أخرى، تماما كما الحال بعد أربعة عقود في مصر، عندما قيض لجماعة «الإخوان المسلمين» الإمساك بمقاليد الحكم، فباتت قضيتهم الأساسية هي تطبيق مشروعهم، أو ما اصطُلح على تسميته «أخونة» الدولة بكل مفاصلها، من مؤسسة الرئاسة إلى المؤسسات الدينية والتشريعية والعسكرية، وكذلك إضفاء لمسات ا«أخونة» على الفن والسياحة.

بعد أفعال التغيير الانقلابي المتلاحقة في سوريا حدث فعل التغيير الأهم في العراق، حيث التف الشيوعيون حول الجنرال عبد الكريم قاسم، وأمعنوا دموية وتمثيلا بجثث كرام القوم، ومن أجل ذلك، التقى البعثيون في أشخاص بعض ضباطهم مع ضباط ناصريين، وأسقطوا الشيوعيين وقاسِمَهم من الكأس المرة نفسها.

في السودان، أمسك الجنرالات بقيادة إبراهيم عبود بالرئاسة ضد حكم مدني وطني الهدف والسلوك الاجتماعي، لكن أحزاب السودان العريقة من أنصار وختمية وإسلامية وشيوعيين ونقابات واتحادات نسائية اجتمعت على شعار «إلى الثكنات يا حشرات»، وأمكنهم توزيع مغانم نجاح فعل تغييرهم من دون إراقة دماء أحد، لكنهم لم يحسنوا توظيف «ثورتهم»، فجاءت مجموعة رواد في الجيش يترأسهم العقيد جعفر نميري، شتت شمل هذه القيادات الحزبية، وتنقل البعض منهم من السرايات إلى المعتقلات، تثبيتا لظاهرة أن الجيوش تحرس الوطن وتحكم البلاد خلافا للواجب الملقى على عاتقها، وهو حراسة الأوطان والدفاع عنها وترك الحكم للمدنيين. وعندما ضجر السودانيون من بقاء نميري يترأس، فإنهم تململوا، ثم كادت مشاعر التململ تتحول إلى انتفاضة، استبقها الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب، الذي سجّل حالة استثنائية في عالم أحلام الجنرالات في الإمساك برئاسة البلاد، حيث إنه قطع الطريق على عودة نميري الذي كان على سفر في أميركا. وكان الجنرال سوار الذهب عند كلمته، فغادر بعد سنة انتقالية ليعاود الحزبيون الحكم وفق أسلوب لم يصمد أمام جنرال جديد استنبط صيغة غير مطروحة، وهي معادلة العسكر والدين، على نحو معادلة تحالف العسكر والحزب في سوريا ثم العراق. وكما كان البعث هو التجربة الأولى التي فرقت أكثر مما وحدت وطورت مفهوم القيادة العنيفة والحديدية، بدل التطبيق الموضوعي والصادق لعقيدة الحزب ومبادئه، فإن تجربة السودان في شخص الشيخ الإخواني حسن الترابي رمزا دينيا، والجنرال عمر البشير رمزا عسكريا، سارت في المنحى نفسه للتجربة البعثية، ثم حدثت عسكرة الدين بزج الشيخ الترابي في السجن، مرة بعد أخرى، واستئثار الجنرال البشير بالسلطة، مدونا في كتاب أفعال التغيير تجربة سعى إليها «الإخوان» في مصر، الذين كانوا على نحو ما يجوز الافتراض يهيئون جنرالاتهم لكي يكملوا بهم الحلقة العسكرية من مشروع الأخونة، لكن كبير الجنرالات في جيش المحروسة عبد الفتاح السيسي بحذاقة خبرته الاستخباراتية وحسن قراءته لخصائص الشخصية المصرية، وإحاطته بحقائق تتعلق برموز المجتمع المدني والسياسي وتطلعات جيل الشباب، انتفض في اللحظة المناسبة، لتبدأ مصر كتابة حقبة جديدة مع جنرال أثبت من خلال إطلالته وتحليله وإغفاله لمظاهر طالما ارتبطت بجنرالات عرب سابقين، أنه قد يكون مثل سوار الذهب في السودان.

ووراء القضبان في توقيت متقارب مع فعل التغيير السوداني، على أيدي العقيد نميري ورفاقه الرواد، حدث في ليبيا السنوسية الملكية الفعل المشابه، على أيدي العقيد معمر القذافي ومجموعة من الضباط المتوسطي الرتبة. واستنسخ هؤلاء فيما فعلوه أسلوب ثورة عبد الناصر في مصر. وعاشت الجزائر ثلاثة أفعال تغيير على أيدي جنرالات. وانضمت تونس إلى الركب بفعل التغيير الذي قام به الجنرال المتمرس أمنيا زين العابدين بن علي، ثم حذت حذوها موريتانيا.

وكما كانت أفعال التغيير المشارقية مزيجا من الخيبة والعنف والقمع والكرامات المستباحة، فإن أفعال التغيير المغاربية كانت في معظمها من المزيج نفسه. ونستثني ونحن نقول ذلك حالة عابرة، هي الحالة اللبنانية التي تتسم بتميز تختلط فيه الإيجابية بالسلبية، ذلك أن لبنان بلد ديمقراطي. وفي الأنظمة التي من هذا النوع ليس محرما على الجنرال أن يتطلع إلى الترؤس، بدليل أن فرنسا العريقة ديمقراطيا ترأسها الجنرال شارل ديغول. لكن ترؤس هذا الجنرال لم يحدث على الطريقة العربية، أي باستعمال الدبابة واحتلال الإذاعة وإلقاء البيان رقم واحد وبقية البيانات، وإنما لأنه صاحب تاريخ عسكري مجيد، شأنه في ذلك شأن مثيله في المجد العسكري دوايت أيزنهاور، وكلاهما سجل (كل في بلده) أنه صاحب مبدئية وضمير وإنساني، وليس كما بعض الجنرالات الذين ترأسوا في العالم العربي.

ولقد بات ترؤس الجنرالات في لبنان كما لو أنه مادة غير منصوص عليها في الدستور، بعد ترؤس الجنرال فؤاد شهاب، ثم ترؤس الجنرال إميل لحود، فترؤس الجنرال ميشال سليمان، وتطلع قائد الجيش الحالي جان قهوجي إلى أن يترأس بعد الرئيس ميشال سليمان، الذي قاربت سنواته الست على الانتهاء.

ونتيجة هذا الترؤس، بات كل مَن يشغل منصب قائد الجيش في لبنان يتصرف على أساس أنه مشروع رئيس للبلاد، وهذا يجعل قيادته للمؤسسة العسكرية تسير في اتجاه الريح السياسية العامة.

وعند التأمل في أقوال هؤلاء القادة، نلاحظ أن قائد الجيش أحيانا سياسي في زي عسكري مرقط أو عادي وبكامل الأوسمة.

وما نريد قوله بالنسبة إلى أحدث جنرالات الأمة الفريق عبد الفتاح السيسي إنه، حتى إشعار آخر، مختلف من حيث التطلعات، ذلك أنه رأى بالعين البصيرة أن استمرار مصر على الحال التي هي عليها حتى آخر عام 2013، يعني أن احتمال التفكك وارد، وأن مصر ستصبح بالفعل أسيرة طوق إخواني. وحيث إن هذا الدور هو ضمانة للاستقرار في مصر وللمنطقة عموما، في ظل النمو السريع للقدرات العسكرية الإيرانية، فإن الفريق السيسي قام من وسط ركام التخبط السياسي والأمني في مصر، وأطلق صرخة تردد صداها في رحاب صاحب الرؤية الحكيمة الملك عبد الله بن عبد العزيز الأدرى بما يحاك للمنطقة من مشاريع ملتبسة، فكانت تحذيراته ونصائحه لمن يحتاج إلى النصح وتنبيهاته للغافلين من قادة أوروبا وأميركا عما يمكن أن يحدث. كما كانت على نحو عهد الأشقاء به وبإخوانه أبناء الملك عبد العزيز من قبل في التصرف بنخوة عند الشدة تواجه الأشقاء، وبالذات مصر الأمانة والأمينة.

ومن محاسن الأقدار أن جنرال الزمن المصري الراهن يملك من المواصفات وصدق النية ما يجعلنا نتفاءل.
الشرق الاوسط


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 3658

التعليقات
#752267 [ودالباشا]
0.00/5 (0 صوت)

08-26-2013 01:00 AM
ياMACROO الاولى لك والثانية عليك فربما هذه الاولى ديل ممكن يذوقوا براااااحة


#752172 [زاهراحمد]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 09:29 PM
يجب ان ثقف الاجيال بقيقة نضال رجال من اجل الحرية وعلىراسهم جمال عبد الناصر ونلسون منديلا وباات المجال لا يسعنا ان نتوسع فى تفاصيل مفيدة غابت عن ابناء الجيل الجديد وساقوم بنشر سيرة البطلين ان بقى فى العمر بقية


#752121 [umbadir]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 07:57 PM
فؤاد مطر .. أشهر لاحس بوت ، بجانب انه اوسخ ماسح جوخ لامراءالسعودية


#752087 [لتسالن]
5.00/5 (1 صوت)

08-25-2013 06:36 PM
امطر فؤاد مطر سردا مبتسرا لتاريخ الانقلابات العسكرية العربية في المنطقة العربية و قد ارخي عنان قلمه مدحا لانقلاب سيسي الدموي ليربطه عند بلاط عبدالله بن عبد العزيز و ذلك بيت قصيده.


#751843 [محمد حسن]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 12:37 PM
الشيخ دا بعصَر في البت دي ولا شنو ..


ردود على محمد حسن
European Union [macroo] 08-25-2013 11:19 PM
والله يا اخ محمد حيرتني هذه الصورة كثيرا اوليست هذه المراءة بأجنبية علية بل وكيف يطيل النظراليها خبروني يامن لكم عقول فقد طار عقلي من زمان


#751788 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 11:39 AM
برافو الهند والف مليون تفوووووا على اى انقلاب عسكرى عطل التطور الديمقراطى وخلق شعوب متخلفة عقليا وسياسيا وخلق مناخ مناسب للتطرف الدينى والعرقى والطائفى!!!!!!!
الحكم الانقلابى العسكرى او العقائدى ما زى الحكم الديمقراطى الفيه التسامح والراى والراى الآخر وحكم المؤسسات وسيادة القانون والشفافية الخ الخ الخ!!!!!!!!!!!!!!
بعدين يا فؤاد مطر سوار الدهب ما كان راضى بالانقلاب على النميرى وهو كان معطل الثورة الى ان امهله ضباط القيادة العامة ليقرر اهو مع الجيش والشعب فى انهاء حكم مايو او يحتجز فى بيته وفى النهاية قرر الانحياز للانتفاضة واستلم الحكم بوصفه اعلى رتبة فى الجيش ولمدة انتقالية محددة وهى سنة واحدة التى رفض تمديدها عندما طلبت منه الاحزاب ذلك الا حزب الجبهة الاسلامية التى كانت منظمة ومستعدة وذلك لمشاركتها نظام مايو خاصة بعد المصالحة مع الجبهة الوطنية الانسحبت ولم ينسحب الاسلامويون واستفادوا تنظيميا واقتصاديا من نظام مايو !!!!!!!!!


#751595 [صبري فخري]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2013 07:05 AM
الإنسان المقهور يفشل في عملية البناء.0000. عملية البناء تحتاج لفتح صفحة جديدة للتعامل مع الواقع والنظر للمستقبل دون الالتفات للانتقام فطاقة الإنسان محدودة لا تقبل القسمة 000. 0123652351


#751583 [حسن سليمان]
5.00/5 (2 صوت)

08-25-2013 06:03 AM
فؤاد مطر يبصم على كذب المصريين وتزويرهم للتاريخ المعاصر بان ثورة يوليو كانت بقيادة عبدالناصر وكأن اللواء محمد نجيب لم يكن .... لقد استطاع جمال عبد الناصر أن يبعد اللواء محمد نجيب أول رئيس فعلي لمصر وحدد إقامته بمسكن ناء في منطقة المرج بعيداً عن أعين الناس حتى ﻻ يرى المصريون ما فعله عبدالناصر بأول رئيس مصري بعد الثورة وحتى يتمكن من تزوير التاريخ ويوهم الناس أنه هو أول رئيس لمصر. وقد كان له ما أراد فجاء بترزية التاريخ فقاموا بكتابة تاريخ مزور لمصر على هوى عبد الناصر لم يكتب فيه اسم محمد نجيب كأول رئيس لمصر بعد الثورة بل ذكر فيه أن عبد الناصر هو أول رئيس لمصر رغم أن محمد نجيب ظل رئيسا لمصر لمدة سنتين .... ماهي مصلحة فؤاد مطر في تمرير تزوير التاريخ وهو يعلم من قائد تمرد الحركة المطلبية لنادي الضباط وهي التي لم تكن ثورة حتى في مخيلة من قام بها وظروف محدده جعلت الملك يرحل

ليس من جنرال الى جنرال يا فؤاد مطر بل من كاذب يزور الى كاذب يروج



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة