الأخبار
أخبار إقليمية
ثورات الربيع العربي وتحديات الواقع
ثورات الربيع العربي وتحديات الواقع



د.عبدالعليم محمد إسماعيل علي
09-07-2013 03:10 PM
تمر المجتمعات البشرية، عبر تاريخها، بمنعطفات وأحداث تتفاوت في درجات تأثيرها على مجمل المعطيات الحضارية ومفرداتها، فبعض الأحداث تأتي كالموضة العابرة، وبعضها يستمر لجيل كامل، ونوع ثالث يهدم كل البناءات القائمة؛ فارضاً على الناس البحث عن بدائل للأنقاض التي ركدت أمامهم.

والمجتمع العربي لا يشذ عن هذه القاعدة؛ فقد شهد، في بدايات القرن الواحد والعشرين، أحداثا مزلزلة ما زالت آثارها قائمة وبعضها لم تتبلور مآلاته بعد، وقد عرفتْ هذه الأحداث في القاموس السياسي بــ( ثورات الربيع العربي)، فهل حقاً تشكل تلك الأحداث ثورة؟ أم أنها خطوة في طريق الثورة الكبرى التي تنتظر اكتمال شروطها؟ وهل استندت هذه الثورات إلى نظرية سياسية أو اجتماعية أو الفلسفية تشكل إطاراً معرفياً أو مرجعية منظمة لأهدافها؟ أم أنها مجرد تحركات جماهرية حدثت بطريقة عفوية ووظيفة احتجاجية عرضية؟ ماهي القوى الفاعلة والمحركة لهذه الثورات؛ وما مدى تجانسها وقدرتها على بناء عقد اجتماعيّ، أو هدف استراتيجيّ يقود إلى تجنب مزالق ما بعد الثورة؟ ما هي الشروط التاريخية والسياقات الداخلية والخارجية التي حدثت أثناءها ثورات الربيع العربي؟

تشكل هذه الأسئلة وغيرها مداخل لفهم ثورات الربيع العربي، ووضعها في سياقها الذي يسهم في تحديد المشكلات التي تواجهها؛ بغية وضع الحلول المناسبة. فثورات الربيع العربي تمثل أحد أعنف الهزات التي أصابت بعض المجتمعات العربية في العصر الحديث، وقد تميزت هذه الثورات بخصائص غير مسبوقة؛ فمعظم هذه الثورات كانت، إلى حد بعيد، جماهيرية احتجاجية سلمية( تونس، مصر، اليمن)، كذلك تميزت بوضوح الأسئلة( الحرية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية). وقد بدأت هذه الثورات اعتراضا على اختلال مسارات التنمية والعدالة الاجتماعية والحرية وما أفرزته من مشكلات مست حياة الناس الاقتصادية والسياسية؛ لذا لم نلحظ هذه الثورات في الدول التي لها مشروعات واضحة في الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى بناء المؤسسات والأداء الاقتصادي المعرفي، فلم تحدث هذه الثورات في معظم دول الخليج العربي، فقد تخطت هذه الثورات الأمارات العربية المتحدة وقطر والكويت وعمان؛ وظهرت بوادرها في السعودية والبحرين بحياء، ولم تستطع حشد الشارع في المملكة الأردنية.

لقد أحدثت هذه الثورات تغييرات لا يمكن تجاهلها في الدول التي حدثت فيها؛ وقد أحدثت تغييرا يصعب معه إرجاع حركة التاريخ إلى ما قبل حدوثها. إلا أن هذه الثورات ينتظرها الكثير كي تضع نفسها ضمن أهم حقب التاريخ ونقاط تحولاته، فمع كونها استطاعت أن تضع أسئلة الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية أهم الأهداف والمبادئ التي تحركها – إلا أن مجموعة من المشكلات الخارجية والداخلية تشكل عائقا ماثلا أمام مستقبلها.

فعلي صعيد السياق الخارجي حدثت هذه الثورات في ظل أزمة اقتصادية عالمية عاصفة منذ العام 2008م؛ ولم يتعاف منها الاقتصاد العالمي بعد، وتكمن المعضلة في أن هذه الأزمة تعاني منها مجموعة من الدول المؤثرة في رسم السياسة العالمية، وهذا ما سينعكس بالضرورة على الخيارات المتاحة أمام هذه القوى في التعامل مع ثورات الربيع العربي باعتبارها ثورات تتحرك في جغرافية اقتصادية مؤثرة على مسار الاقتصاد العالمي.

ومن جهة أخرى حدثت هذه الثورات في منطقة تشكل موضوع صراع وساحة ومنطقة توترات داخلية وخارجية، فعلى الصعيد الداخلي تواجهها مسألة ما بعد الثورة في الانتقال من الحالة الثورية إلى الحالة المدنية، وعلى الصعيد الخارجي يشكل الموقف من عملية السلام والعلاقة مع إسرائيل وأمريكا وإيران أحد التحديات التي تواجهها حكومات ثورات الربيع العربي في اتخاذ مواقف داخلية أو خارجية، أو خيارات سياسية اقتصادية تنسجم مع أهداف الثورة وتطلعات الجماهير التي فجرت هذه الثورات.
على أن أصعب المعضلات التي تواجه ثورات الربيع العربي معضلات داخلية؛ فثورات الربيع العربي ليست كيانا متجانسا؛ فالقوى الفاعلة فيها تعصف بها التناقضات التي يصعب تجاوزها؛ فهي تمثل أزمنة متناقضة ستعيق بلورة مسارات سياسية متجانسة تعمل على رسم سياسات عامة تضمن تحقيق التبادل السلمي للسلطة أولا؛ والوفاق حول برامج ما بعد ثورات الربيع العربي ثانيا. فقد أوضحت مؤشرات ما بعد ثورات الربيع العربي صعود تيارات الإسلام السياسي ممثلة في تيار الأخوان المسلمين المتحالف مع التيارات الدينية السلفية بدعم من أمركيا وتركيا وقطر؛ وهذه القوى تنظر إلى الثورة باعتبارها فرصة تاريخية لانفرادها بالسلطة؛ ففي مصر دخل الإسلاميون الثورة بريبة عند إرهاصاتها الأولى؛ ولكنهم لحقوا بها؛ فسرّعوا إيقاعها بما لديهم من قوة منظمة وملتزمة عضويا، إلا أنهم لم يثتثمروا الفرصة بعقل مفتوح؛ فغادروا السلطة قبل إكمال عامهم الأول. وهناك التيارات السياسية الآيديولوجية، سواء أكانت قومية أو ليبرالية علمانية أو يسارية ماركسية؛ وهي تيارات لم تتوافق وتيارات الإسلام السياسي على طول مسار تأسيس الدولة العربية ما بعد الكولنيالية، وقد أخذ الصراع بين الاتجاهين طابعا دمويا في معظم جولاته، فخلف مرارات تجاوزت مبدأ الاختلاف إلى المؤامرات والكيد. كذلك ظهرت قوى جديدة خرجت من صلب أزمنة ما بعد الحداثة التي تعتمد القوى الناعمة المتمثلة في تكنولوجيا الاتصالات المرئية والمسموعة المتجاوزة لحدود الزمان والمكان؛ فعبر الرسائل SMS وشبكة التواصل الاجتماعي وغير ذلك من الوسائط التي تجمع وترصد وتضع الحدث في قلب العالم مباشرة- تكونت فئة مهمة كان لها الدور الأساس في وضع ثورات الربيع العربي داخل مسارات الحدث العالمي الذي لا يمكن تجاوزه أو إجهاضه مهما حذقت أجهزة الأمن والمخابرات والقوي المناوئة لفكرة الثورة؛ وهذه الفئة يمثلها الشباب الذي ينتمي إلى زمن مجتمع المعرفة الذي تسوره لغة الصورة التي هي أكثر سيولة في تموجاتها واختراقاتها لتوحيد الرأي أو تعديل المسارات والأمزجة والتوجهات، وهي فئة تمتلك الرؤيا والرؤية والمعرفة والإرادة؛ لكنها لا تستند إلى رأس مال رمزي ديني أو عشائري وظفته جماعات الأخوان المسلمين والتيارات السلفية إلى أقصى حد لمواجهة هذا التيار الشبابي؛ وهما تياران شكلا سوقا مفتوحة للقوى السياسية التقليدية بمختلف توجهاتها. كذلك شكلت المرأة حضورا بارزا في هذه الثورات، فقد شاركت في بلورة شعاراتها وزودتها- لا سيما في مصر وتونس- بطاقة قوية للصمود والاستمرار وتصحيح مسار الثورة.

بالإضافة إلى تناقضات القوى الموجهة والفاعلة لثورات الربيع العربي – هناك مشكلات ترتبط بالتكوين السوسيولوجي للمجتمعات العربية، فالانقسام المجتمعي الذي يتمحور حول النزعة العشائرية والمذهبية والطائفية تعد أبرز العوائق أمام بناء الدولة المدنية أو تحقيق أهداف الثورة؛ وهو انقسام وظفته الأنظمة العربية المنهارة لبقائها في الحكم، وقد أطلت هذه المشكلات قبل أن تحسم ثورات الربيع العربي معركتها في بعض الأحايين؛ فقد فرضت التوازنات العشائرية في اليمن تسوية سياسية أعاقت بناء الدولة المدنية، وجعلتها تراوح في ذات الصيغة التي كانت سائدة قبل الثورة اليمنية؛ مع وجود مساحة من الاعتراف بوجود أطراف فاعلة لا يمكن تجاوزها، وهي مشكلات تتجه لليمن إلى التقسيم. وفي سوريا شكلت النزعة المذهبية( سنة، ميسيحيون، شيعة) والنزعة الإثنية (عرب سنة، عرب علويون، أكراد) مدخلا مهما لتحويل سوريا إلى مسرح للعبة تجاوزت الأطراف الفاعلة في المشهد السوري الداخلي إلى مسرح للعبة المصالح الإقليمية والدولية؛ فتحولت الثورة في سوريا إلى تناقضات صارخة مع المبادئ والأهداف المعلنة والممارسة الفعلية، فتحولت من الصراع السياسي إلى صراع وجودي عنيف. وفي ليبيا أعاقت التكوينات العشائرية بناء الدولة الحديثة ما بعد القذافي؛ فقد عجزت الثورة الليبية عن بلورة خياراتها وتوحيد خطابها حول مفاهيم جوهرية عن طبيعة الدولة والتنظيم الاجتماعي؛ وأبانت الممارسة العملية –بعد سقوط القذافي – حجم التناقضات بين القوى الصانعة للحدث؛ إذ تحول سلاحها الذي حرر ليبيا من سطوة نظام القذافي إلى أحد أصعب المعضلات التي تواجه بناء الدولة؛ فأصبح الهم الأول- في ليبيا- هماً أمنياً. وفي تونس تتجه التناقضات الكبري بين القوى الفاعلة في ما بعد الثورة إلى صراع سياسي اجتماعي فئوي وتجنيسي، وذلك بسبب الصراع حول توجهات الدولة في مسار الحريات بين علمانية الدولة أو شرعنتها؛ خاصة الصراع حول ما حققه المجتمع التونسي قبل الثورة، وما تطرحه التيارات الدينية من مفاهيم حول قضية الشريعة والحاكمية، وقد قادت هذه المسارات إلى اغتيالات سياسية بارزة هزت تونس وإعادة التفكير حول الثورة نفسها قبل أن تضع عجلاتها في طريق معبد. وفي مصر يمثل الانقسام الطائفي والمذهبي أحد التحديات في تأسيس الدولة المدنية، فالطائفية والتحريض الطائفي ينذر بمعضلة ستتجاوز الخطاب السياسي للسلطة إلى النسيج الاجتماعي، فالتعبئة المذهبية والطائفية التي فرضتها مسارات الثورة السورية ألقت بظلالها على بروز تناقض لم يبرز إلى السطح قبل الربيع العربي بتلك الحدة؛ فقد برز في مصر تناقض مذهبي (سنة شيعة) (مسلم مسيحي) تجاوز مبدأ الأختلاف، وهو صراع قاد إلى إعادة النظر في مجمل ما أفرزته الثورة المصرية؛ وبلغت التناقضات المعيقة لبناء الدولة نزول المصريين إلى الشارع مرة أخرى لتصحيح مسار الثورة المصرية.

مجمل هذه التناقضات وغيرها ستضع ثورات الربيع العربي في امتحان عسير، فالتحديات الخارجية ستلعب دورا سلبيا في ترسيخ مبدأ الاستقلال في رسم المواقف المعلنة لثورت الربيع العربي، وهو ما يجعل سياسة فك الارتباط بالقوى المنتجة أمراً صعبا، وقد يقود ذلك إلى الاستمرار في ذات المسارات التنموية الاقتصادية والخيارات السياسية التي كانت تتبعها دول ما قبل ثورات الربيع العربي؛ فتكتفي ببعض الإصلاحات السياسية في مسألة الحريات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد على الصعيد الداخلى، وقد اتضح أثر هذه القوى في بعض الثورات التي لم تكتمل (سوريا)، وثبت الدور السلبي الذي تلعبه القوى الكبرى بانحيازها لمصالحها وضغوطها على أطراف الصراع بصورة واضحة، وهو ما أثر على الحكومات التي تشكلت بعد الثورة (ليبا، مصر، تونس)؛ حيث لم ترض الحكومات التي تم انتخابها بعد الثورة طموحات الجماهير العربية. أما التناقضات الداخلية للقوى المكونة لثورات الربيع العربي فستقف حاجزا أمام وضع دستور يرضي الجميع في شكل عقد اجتماعي يضمن الأمن والاستقرار والتداول السلمي للسلطة؛ فمن حيث القوى الرئيسية هناك صراع عنيف حول وضع الدستور بين الإسلاميين والعلمانيين، ومن حيث الفئات العمرية هناك التباين ما بين الشباب الذي ينتمي إلى زمن ما بعد الحداثة( post-modernism) والقيادات التاريخية. ومن حيث التجنيس فهناك المرأة التي شاركت في الثورة والقوى الإسلامية التي وصلت إلى الحكم؛ حيث توجد اختلافات جوهرية حول المفاهيم الدستورية ووضع المرأة. ومن حيث التدين فهناك المسلمون والمسيحيون. ومن حيث التمذهب فهناك السنة والشيعة. ومن حيث التكوين السوسيولوجي فهناك فهناك العشائر والطوائف.

وفي الختام نقترح القيام بدراسات جادة تضع ثورات الربيع العربي في سياقها التاريخي؛ بغية استثمارها بوصفها فرصة تاريخية يصعب تكرارها، وتوجيهها باعتبارها العتبة الأولى لثورة عربية كبرى تضع نظرية متكاملة لثورة عربية تستطيع فهم الشرط التاريخي وتفسره بغية إحداث التغيير المنشود؛ ثورة تضع العرب في مسار صناعة التاريخ بدلا من استهلاك الحدث والتماهي في حيثياته.

د.عبدالعليم محمد إسماعيل علي- السودان
0024914013878
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5805


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة