الأخبار
أخبار سياسية
عندما يتعرّى الرئيس
عندما يتعرّى الرئيس



09-19-2013 04:03 AM



بدا أوباما أكثر تلهفاً على الصفقة السوفيتية الذكية، وكأنما هو من وقع في مأزق لا نظام الأسد.



بقلم: د. سالم حميد

لرئيس كل دولة من الدول شخصيته الاعتبارية الخاصة، فهو لا يمثّل شخصية عادية في دولته باعتباره أعلى قمة في هرم السلطة، وأهم شخصية في البلاد، وممثلاً مُفترضاً لكافة مواطنيها، وهو ما يفرض عليه وزن أقواله وأفعاله وتحركاته وسكناته بميزان دقيق لا يقبل الخطأ أبدا، لأن خطأ الرئيس ليس محسوباً عليه، ولكنه يُحسب على كل أفراد الشعب، ويكون له تأثيره الإيجابي أو السلبي على دولته، والنماذج حولنا لا تخطئها عين، فكم من علاقات توترت بين دولة وأخرى بسبب تصريحات أو أفعال رئيس هذه الدولة أو تلك، وكم من حروب قامت فقضت على الخضر واليابس نتيجة لقرار رئيس الدولة وليس شعبها، وكم من مشاريع عملاقة قامت بين الدول بسبب رؤسائها وحدهم.

وفي دولة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية، يحرص الرؤساء دائما حتى على هيئة الوقفة حينما يخاطبون الرأي العام، ويعمل جيش جرار على رسم ومراقبة حركات وإيماءات ولفتات الرئيس أثناء حديثه، ويقف العالم بأجمعه منتظراً رأيه حول عدد من القضايا التي ربما قد تكون في خارج اميركا، فأحداث المنطقة الحالية تشكّل نموذجاً مثالياً لثقة الشعوب، خاصة شعوب الشرق الأوسط التي تنتظر قرارات تخص دولها وشئونها الداخلية ومعرفة ما يحيطها من جوانب من الرئيس الأميركي لا رؤسائها الذين يُفترض أن يكون القرار بأيديهم، وهي فجوة كبيرة يجب على حكام وشعوب معظم دول الشرق الأوسط التنبّه لها.

الرئيس الأميركي الذي انتظرت شعوب المنطقة أن يقول خيراً ينهي مأساة الدولة والشعب السوريين، كان من أول الخارجين بقرار صنّفه الكثيرون بالشّجاع عندما أعلن قبل عام بأن الرئيس السوري فقد شرعيته، وهو ما أعطى الأطراف الأخرى التي تقف على الطرف المعارض للرئيس السوري، دفعات معنوية كبيرة، تحققت بموجبها العديد من الانتصارات، واحتلت المعارضة بعد تلك التصريحات عدداً مقدّراً من المناطق.

وجاء موضوع تسليح المعارضة السورية، والتي تأرجح فيها رأي رئيس العالم الأول بين منح دولته للمعارضة سلاحاً أميركياً تتمكن عبره من البقاء في صلب الصراع ومقاومة الأسد، رغم أنه بالمقابل في أفغانستان ظلّ يشكو من هذه الجماعات التي لم تتوقف أنشطتها رغم العنف الحازم الذي اتخذته القوات الأميركية في أفغانستان رغم غموض الأسباب الحقيقية التي دعت دولته لخوض هذا الصراع المكلف مادياً ومعنوياً وبشرياً.

وعندما تمّ عرض ضحايا السلاح الكيماوي بسوريا، أصرّ الرئيس أوباما على أن الأمر لا يمكن أن يمر، وأنه سيضرب بيد من حديد على نظام بشار، حتى يكون عبرة لغيره ممن يملكون هذا السلاح الحلال على أميركا ومن ترضى عنه، والحرام على كل من يشق عصا الطاعة العمياء، وأن الأمر لن يكون وخزة دبوس يزول ألمها سريعا، ولكنه سيخلّف آلاماً لن يتعافى منها بشّار ونظامه، وربما سوريا جميعها، مدى الحياة، وحشد طاقاته لاقناع الكونغرس الأميركي الذي بدأ منذ الوهلة الأولى بعكس البرلمان البريطاني، جاهزا لإصدار قرارات التأييد التي تناسى فيها الجمهوريون والديمقراطيون كافة خلافاتهم، فالأمر يتعلق بسوريا التي تجاور دولة الكيان الإسرائيلي، وهي أقرب ما تكون من الخط الأحمر الذي لا تجيز الاستراتيجية الرئاسية في أميركا لأحد أن يتعداه.

ولم يشأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتأخّر عن الحدث، فالعظمة ليست ماركة أميركية أو بريطانيا مسجلة، والدبّ الروسي رغم أمراضه المزمنة لم يمت بعد، فقرر أن يقلب كل الموازين منذ بداية الصراع، ويحيل الإنطباع الذهني لشعوب المنطقة عن الدبّ الروسي بعدم جدارته في الاعتماد عليه بعد تجارب مريرة في المنطقة، فقد خذل عبدالناصر مرتين في أهم حربين عربيتين ضد إسرائيل، وخذل الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي، ومن قبله الرئيس العراقي صدّام حسين، وقبلهما معا آخر رؤساء اليمن الجنوبي قبل الوحدة، الرئيس الأسبق علي سالم البيض، والنماذج لا تتوقف، وها هي ذي الكرة قد تهيأت أمامه في أفضل فرص إمكانية إيلاجها المرمى، وهي الفرصة الأخيرة لتغيير الانطباع الذهني الذي استمر عقودا طويلة، وهو انطباع أفقده معظم جغرافيا نفوذه السابقة في المنطقة، والتي لم يتبق منها غير القليل ومنها سوريا التي يعلم أنه سيفقدها تماما لو فقد الرئيس الأسد.

ومن خبرة كبيرة بالسياسة، ومعرفة عميقة بخصمه اللدود المتمثّل في الولايات المتحدة الأميركية، والفهم التام للأسباب التي دعت أوباما للقيام بردة الفعل العنيفة تلك، حاول جاهدا تفنيد كل الأسباب التي أبداها أوباما للتدخل، والتي حاول إلصاقها بميزان الإنسانية الأخلاقي، فرمى إليه بالطعم الحقيقي، وهو السلاح الكيماوي السوري الذي يهدد المدللة إسرائيل.

وجاءت ردّة الفعل عفوية صادقة لا مداراة فيها، حيث علّقت صحيفة أميركية شهيرة موضحة أن الرئيس أوباما تلقّف المبادرة أكثر من الرئيس الأسد، وكأنما هو الذي يعيش المأزق لا الأسد، وهدأت لهجته المنفعلة التي أجبرت من تبقّى من السوريين في سوريا، إلى التدافع حول أماكن الخبز والمواد الغذائية للحصول على مخزون يكفي فترة الترقّب والجلوس بالمخابئ الآمنة، وغير ذلك من أمور، وبدأ أوباما فاترا بشأن تصريحاته وكأنه لم يقلها، فماذا سيحدث لو ماطل بشار في تنفيذ تعهداته، خاصة بعدما كشف للعالم كله وبذكاء شديد أن الهدف من كل ما يدور هو هذا السلاح الكيماوي، وتمكن أيضاً من أن يعيد لنظامه الشرعية الأميركية التي صرح رئيسها من قبل أن الأسد قد فقدها، ثم عاد للاعتراف غير المباشر به عبر هذه الصفقة السوفيتية الخبيثة الذكية.



د. سالم حميد

كاتب من الإمارات


ميدل ايست أونلاين


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1304

التعليقات
#769771 [Gyuoop]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2013 11:08 AM
العوير ده


#769584 [ديامي قديم]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2013 08:11 AM
أوباما طلع أي كلام وأعطى ضوء أخضر للأسد ليستمر في إبادة الشعب السوري الفضل



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة