11-06-2013 07:49 AM



أطلق المصريون على محاكمة مبارك لقب 'محاكمة القرن'، واكتفوا بتسمية محاكمة مرسي 'محاكمة المعزول'، لأن الأول كان في نظرهم رئيساً والثاني مجرد رجل عادي.




بقلم: محمد أبو الفضل

لم يكن مشهد بدء أولى جلسات محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي عاديا للمصريين، فقد انشغل عدد كبير منهم بالمقارنة بينه وسلفه حسني مبارك، ولم تتوقف المقارنة عند الشكل والمضمون والأجواء، لكنها امتدت إلى التداعيات والانعكاسات. ووصل كثيرون إلى وجود اختلافات كبيرة بين المحاكمتين.

ومع أن كليهما لديه قائمة طويلة من الاتهامات في قضايا مختلفة، إلا أن قضية قتل المتظاهرين كانت القاسم المشترك، وتصدرت الجلسة الأولى لكل منهما. كما أن مكان انعقاد المحاكمة (أكاديمية الشرطة) والقفص الذي وضعا فيه وطريقة النقل من المحبس (الطائرة) واحد في الحالتين.

حزمة التباينات شاسعة، تبدأ من طريقة دخول قاعة المحكمة وحتى مكان الحبس. فحسني مبارك دخل على سرير طبي، وسواء كان ذلك لدواعي مرضية أو مسرحية هزلية، فالرجل ظل طريح الفراش (على سرير أو كرسي طبي) في جميع جلسات محاكمته، بينما ترجل مرسي وحاول أن يكون متماسكاً مثل مبارك، لكن عصبيته سبقته، وانكاره الشديد للواقع واصراره على أنه ما زال رئيساً أثار استهجان قطاع كبير من المصريين، وقارنوه بمبارك الذي كان ثابتاً وواثقاً من نفسه ومتجاوباً مع المحكمة، وملتزما بزي الحبس الاحتياطي، ووكل عنه محاميا للدفاع عنه، وهو ما رفضه مرسي.

وشهدت مسألة الزي شدا وجذبا كبيرين، حتى أدت إلى رفع الجلسة الأولى لبعض الوقت، بسبب تشبث مرسي بارتداء زيه الخاص. وإذا كان مبارك بدا متمارضا من وجهة نظر البعض، فإن مرسي بدا تقياً أكثر من اللازم في نظر آخرين عندما أصر على أداء صلاة الظهر مع إخوانه داخل القفص.

في حالة مبارك كان المشهد منقولا على الهواء مباشرة والمصريون وغيرهم تابعوا الوقائع لحظة بلحظة، في حين مع مرسي الوضع كان مختلفا جدا، والعلاقة مع وسائل الإعلام أخذت نصيبا وافرا من التجاذبات.

فالمحكمة رأت حجب البث التلفزيوني في حالة مرسي، لأنها توقعت حدوث تجاوزات في حديث المتهمين، أي مرسي وإخوانه، لكن اللقطات المصورة التي جرى تسريبها عن قصد أو بدونه كانت كافية لمعرفة بعض التفاصيل الدقيقة، وأهمها العشوائية التي يتصرف بها مرسي.

كما كشف التعدي الذي تعرض له الكثير من العاملين في وسائل الإعلام المصرية والعربية ومعداتها عن مدى الكره الذي تكنه جماعة الإخوان للإعلام، ورغبتها الشديدة في تكميم الأفواه ورفض وصول الحقيقة للناس.

لذلك ترحم كثيرون على أيام جماعة "آسفين ياريس" التي رفعت اللافتات وساندت مبارك أثناء محاكمته ولم تكن خشنة في تعاملها مع الإعلام، والتزمت الهدوء خلال دعمها له.

لكن الوضع اختلف مع أنصار مرسي الذين لجأوا للعنف المفرط مع المختلفين معهم، مستفيدين من كثافتهم العددية التي تجاوزت مؤيدي مبارك عشرات المرات، خارج قاعة المحاكمة بأكاديمية الشرطة. واتخذت من المقار القضائية، مثل المحكمة الدستورية ودار القضاء العالي بالقاهرة ومحكمة الاسكندرية، أماكن للتظاهر، لرمزيتها القضائية، وفي إشارة سياسية تدل على رفض المحاكمة.

مبارك الذي شهد عهده تخبطاً وفساداً قادا لخلعه، عرف عنه احترام القضاء ولم يلجأ إلى أساليب ملتوية لتحصين نفسه، بل صدرت أحكام من القضاء الإدارى ومجلس الدولة ضد إرادته والتزم بتنفيذها.

لكن الوضع اختلف تماما مع مرسي، الذي حاول تقليص دور القضاء وتكبيله بسلسلة من القيود الحديدية. والمهم أن الأول امتثل بتواضع، والثاني رفض وخاطب رئيس الجلسة في المحكمة بغطرسة وأنه رئيسه.

وانتهت الجلسة لتأجيل المحاكمة إلى جلسة 8 يناير- كانون الثاني المقبل، بما أدى إلى نقل مرسي إلى سجن برج العرب بالاسكندرية، بينما نقل مبارك إلى سجن طرة بجنوب القاهرة. وفي برج العرب ارتدى مرسي زي الحبس الاحتياطي المعروف بلونه الأبيض.

مشهد البداية والنهاية في الجلسة الأولى للمحاكمتين حمل جملة من الدلالات السياسية. أبرزها، أن المصريين أطلقوا على محاكمة مبارك لقب "محاكمة القرن"، واكتفوا في حالة مرسي بوصف "محاكمة المعزول".

ففي حالة مبارك كنا نشهد لأول مرة محاكمة لرئيس مصري ويوضع داخل القفص. وفي المرة الثانية بدا الأمر عادياً. وإذا كانت محاكمة مبارك أنعشت غالبية المصريين وعززت ثقتهم في ثورتهم، فإن محاكمة مرسي أغضبت قطاعا منهم (الإخوان وأنصارهم) وأصيب بنوع من الإحباط، لأنها أكدت أن القضاء ماض في طريقه والعدالة ستأخذ مجراها الطبيعي.

ومنيت خرافة عودة الشرعية المزعومة بضربة قاضية، بعد هذه المحاكمة، وتيقن الإخوان ومحبيهم أن الموضوع جد، وأمنية عودة مرسي تحولت فعلا إلى خرافة صدقوها لبعض الوقت.

الأمر الذي سيلقي بظلاله على ناحيتين. الأولى، المظاهرات التي تخرج في شوارع وميادين مختلفة سوف تتأثر عملية الحشد لها وتتراجع أعدادها، وستجد المزيد من المصدات الشعبية، إلى جانب التأثير السيئ للاحباط الذي ولدته إجراءات محاكمة مرسي. والثانية، توقف الاتهامات للحكومة بأنها مرتعشة ومترددة.

فالحنكة التي تعاملت بها مع المحاكمة، من التمويه على مكان المحاكمة وتجهيزه باحترافية أمنية وحتى نقل مرسي لسجن برج العرب، أكسبتها ثقة مضاعفة من المصريين، وأن موقفها من الإخوان محسوم في اتجاه معاقبة المخطئين.

الحاصل أن بدء محاكمة مرسي وعدد من أعوانه، بعثت بمجموعة من الرسائل السياسية، أهمها، أن جماعة الإخوان تلقت ضربات أمنية موجعة خلال الفترة الماضية، بدليل فقدانها القدرة على القيام بتصرفات يمكن أن تتسبب في ارباك المشهدين الأمنى والسياسي، وأن القاء القبض على كل هذا العدد من القيادات في الفترة الماضية قطع العلاقة بين المركز والقواعد، وبدت بعض التصرفات عشوائية. كما أن أفق التفكير لم يتطور.

فخطة الإخوان التي بنيت على أن مكان المحاكمة هو معهد أمناء الشرطة بجنوب القاهرة، انهارت تقريبا عندما نقلت المحاكمة إلى أكاديمية الشرطة بشمال القاهرة. أضف إلى ذلك أن الانشغال بالمحاكمة وتداعياتها في هذا التوقيت سيؤثر حتماً على ما تبقى لدى الجماعة من قدرة على الاختراق الشعبي، خاصة وأن الانتخابات البرلمانية على الأبواب.

في كل الأحوال، المقارنة بين محاكمتي مبارك ومرسي أكدت للمصريين أن جماعة الإخوان مصرة على الإنكار والابتعاد عن الواقع بكل تجلياته، والعيش في عالمها الافتراضي الزائف، وأنها كانت تتربص بالقضاء وتسعى للنيل منه. تمتدحه عندما يمنح أعضاءها البراءات، وتنتقص من قدره إذا أدان أياً من عناصرها. وهي ازدواجية جعلتها تصطدم بحوائط سياسية ودستورية متباينة. من أهم نتائجها التعرض لخسائر باهظة، تجعلها بحاجة لعشرات السنين لتفوق من كبوتها الكبيرة.



محمد أبو الفضل
ميدل ايست أونلاين






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 645


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة