'نبضات' .. بين الوجدان وتأريخ اللحظة الشعورية


12-22-2013 09:37 AM



مجموعة فاطمة وهيدي محاولة لتشكيل العالم الخاص من خلال نبضات حقيقية، وإن تشابهت في مضمونها في بعض الحالات النصية.




بقلم: محمد عطية محمود

متكاملان

تفرض التجربة الإنسانية الوجدانية وجودها من خلال العديد من آليات التعبير التي تتعامل مع المفردات الدالة عليها وعلى الوجود الإنساني، واستفهاماته واستيهاماته التي تشكل زخما شعوريا تتميز فيه الحالة المبدعة على نحو من براعة استخدام تلك المفردة المتورطة في الحالة تضفيرا مع عدة عناصر، قد يكون منها ما هو مغاير للسائد في الكتابات السردية أو الشعرية الخالصة، مما قد ينتج نصا مغايرا يحمل سمات التركيز والتكثيف والدخول المباشر في غمار تلك الحالات المنبثقة من الوجدان، والباحثة عن ماهية الوجود والذات فيما تدركه من حولها تواشجات علاقات مع الآخر، ذلك الذي قد تمثله بوتقة الذات الداخلية، أو قد يتمثل في الطبيعة وكونية الوجود، ذلك التواجد الذي يندفع بالأساس من داخل الكون الإنساني الداخلي المنفعل به، لتكتمل الدائرة، وهو ما قد نجده بوضوح في الشكل النص المقترب من حالات الهايكو التي تتخذ من الطبيعة ملاذا لها تتوحد بها وتتفاعل معها، لكننا هنا بصدد تعبير مزجي، ربما أتت به بعض نصوص "نبضات" لفاطمة وهيدي، التي تتجه بالأساس للتعبير عن الذات/ الداخل وتتفاعل معه في نطاق أثيري محلق تنطلق فيه الروح العاشقة لتحاول تجسيد ما تود الانتماء إليه والتشابك معه حد التوحد.

ربما كانت تلك الرؤية التي تنبثق حال التعامل مع هذه النماذج من النصوص النثرية، من خلال ما يربو على مائة وخمس وعشرين نبضة/ حالة مشحونة بالشجن الوجداني، والمرتبط بماهية وجود الذات وعلاقتها بهذا الآخر الذي أشرنا إليه، والذي يمثل شطر الحياة الآخر/ المكمل:

"عندما نختلف في شيء/ لا أحزن/ بل أسعد/ لأننا متكاملان" ص80

إذاً هي رسائل بوح وامضة تقترب بها الذات الشاعرة من حالات وجودها المتحقق أو المشتهى على حد السواء، من خلال تلك التقنية التلغرافية المختزلة التي تجمع بين روح السرد والشعر معا في أغلب حالاتها، اتكاءً أصيلا على قدرة المفردة اللغوية على التعبير وتفجير فضاءات التأويل التي تحبل بها هذه النبضات/ الومضات، والتي تحتفي أغلبها بضمير المخاطب الموجه الذي بقدر ما يوحي بالحميمية والاقتراب والمواجهة الصريحة، ربما يوحي بمدى الحس بالاغتراب والغياب ورغبة التغلب على حدوده وسدوده في آن واحد، وهو الحس المزدوج الذي يبدو في تقديم الكاتبة لنبضاتها، قائلة:

"أحيانا تعصف بنا "رياح مشاعر" فتجردنا من الرغبة في البوح بإسهاب، ويهفو القلب إلى "الهمس" وتأريخ اللحظة، هنا تأتي الكلمات خافقة وتنثال التبضات".

ذلك مما يؤسس للحالة التي تفرض وجودها دائما ومنذ انهمار البداية، على عكس ما تشي به مفردة "أحيانا"، وتحاول الذات الكاتبة تسجيلها/ تأريخها، لكي تكون شاهدة على تاريخ الروح والقلب.. تلك الروح التي تسرح على مدار الكتاب بين دوامات هذا البوح "الهامس" بالخارج، الموَّار بالداخل، الرافض ضمنيا وشكليا لكل آليات الغياب التي تحيط بكل شيء وتأبى اكتمال حضوره وتجسيده، فتقول في نبضة "رفض": "انزع كفك من يدي حتى أؤمن بغيابك".

فهنا تفرض دلالات اللغة وجودها الساطع لتفجر أبعاد العلاقة التي ينتابها الغياب المادي، أو عدم اكتمال الوجود برغم الحضور، لتعطي نهاية الشعور بالفقد والالتصاق معا، مما يجسد أنات هذه الذات الباحثة دوما عمن يكمل عتاصر وجودها المادي إلى جانب المعنوي.. تلك التي ربما امتدت رؤيتها أو انزاحت لتتجسد في نبضة أخرى، قد يتجدد بها الأمل، كما في "رجاء":

"وحين تتحقق أمنيتي/ ويجمعني بك لقاء/ سأطعم فقراء/ بعدد ليالي جوعي لرؤيتك".

(نلحظ هنا الحس المتماس مع العقيدي في التناص مع معنى الكفارة التي يشير إليها النص ضمنيا، مما يعكس جانبا آخر من جوانب الشعور الوجداني المتأثر بالتراث الديني، والذي قد نحيله إلى النبضة الأخيرة التي تختتم بها الكاتبة نصوصها في اتجاهها شعوريا ووجدانيا نحو (الله) بالدعاء، أو الحس الوجداني المطلق بالحب والمشاعر السامية).

يتواصل الشعور بوطأة الغياب، التي يراد لها أن تنقشع كما تنقشع سود الليلي، كما في الشطر الأخير من نبضة "انتظار":

"وفي انتظاره/ يحبس الصبح أنفاسه/ ولا يفرج عنها/ إلا بقدوم/ شمسه".

هنا يتغير ضمير الكتابة إلى ضمير غائب غير مباشر، غير محدد، غير موجه، ربما كان يحمل لهجة اللوم والعتاب أو التمني لشيء في البعد، ليجسد صورة تقترب من أجواء الطبيعة وروح الهايكو كما في نص "إشراقة":

"أترنم بشوقي مساءاتي/ فتشرق الشمس!/ وأهيم بحبك، فتبتسم صباحاتي، ويضوي القمر!".

لتؤكد مظاهر الكون حضورها الدال في صورة الشمس التي تمثل دلالة التحقق، وهي الحالة التي تجسدها النبضة على نحو من المقابلة الحسية المتخيلة التي يثمر عنها وجود القمر الذي يقترن بالليل، ليأتي بالنهار لتحقيق معادلة الذات التي تصبو إلى اللحظة السرمدية التي يتوقف معها الزمن وظواهره الطبيعية من تعاقب ليل ونهار وشمس وقمر، ومن ثم اجتماعهما معا هنا.. وهو ذات الحس الذي يمتد في نبضة "لغة":

"حتى أجيد لغة تجيد وصفك كما أتمنى/ اسمح لي باللجوء للـ زهر والموسيقى/ ولا تمل صمتي".

تلك اللغة الخاصة التي تتموسق بها الكتابة، هي لغة الروح التي عانقت نشوتها من خلال ظواهر طبيعية وحسية متمثلة في الزهر والموسيقى، وتنشأ بالصمت توحدا واتساقا مع الحالة الوجدانية، وهي التي ربما تحولت وتشبعت بصوفية المعنى والحالة، والتوحد الذي تؤكد عليه نبضة "تهجد" التي يختلط بها الحس الصوفي مع ذاك الحس المطلق بالكون الخارجي وظواهره وما يدل على روحانيته وشفافيته:

"لـ أكتب/ عنك.. منك.. لك/ أستحضر طيقك وموسيقى صوتك/ وأيمم حرقي ليجتهد في "تهجده".."

حيث تأتي مفردات اللغة هنا معبرة على الدخول في طقوس الحالة الوجدانية التي شفت لتدخل في حالة "الحضرة" أو"الخلوة" التي يصل فيها العاشق المتبتل إلى حد الابتهال والتهجد كي ينال رضى المحبوب، وهو ارتقاء طبيعي لحالة التوحد والوجد التي تنطلق من الروح التي تتآلف حسيا لترتقي حد الانصهار والذوبان، وهو ما تجسده نبضة "تراتيل":

"ولي حب أرتله بحرفي في الصلوات"

وهو ما أكدت عليه نبضة "منتهى" بشكل أعمق وأقرب إلى الانغماس في الحالة والتغلغل فيها: "أنت/ منتهى نبض/ وليس/ نبض منتهي!!"

فهل ذهبت الذات هنا إلى نقطة الـ "منتهى"، التي تقابلت لفظيا ومعنويا مع مفردة "منتهي" كنعت، لتدلل على هذا المعنى السرمدي الصوفي لعدم الانتهاء المتعانق مع تلك الحالة اتلتي وصلت إلى هذا التوحد واليقين التام، الذي تفرضه نهاية طقوس الحالة الصوفية؟!

كما تقول في نبضة "تكامل" التي أشرنا إليها في المفتتح "عندما نختلف في شيء/ لا أحزن/ بل أسعد/ لأننا متكاملان".. ربما كان متناصا مع نص الحلاج: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا/ نحن روحان حللنا بدنا"،

وهو أيضا مما يعززه بصورة أو بأخرى نبضة "أسر" حيث تقول:

"أتعجب/ كيف يسعى الجميع للتحرير/ وأن أتمنى الأسر!"

فهنا برغم تغير نمط التعامل مع المفردة لتكون جامدة ظاهريا، يلعب فيها التضاد بين التحرير والأسر دورا هاما في تشكيل الحالة النصية التي تجعل من الحالة الإنسانية الوجدانية حالة من حالات الحرب أو الأسر أو الاعتقال غير المعلن مادياً، كما تقول في نبضة "احتلال": "أحتمل نبضي ليحررني".. وكما جاء في نموذج سابق هو نبضة "لغة" حيث جاء التعبير بمفردة (اللجوء)، ليبدو التنوع اللفظي والمعنوي على مدار النصوص للتعامل مع تلك الحالة الوجدانية، ليتأثر التعبير أيضا في نبض "اعتراض" بهذه الأجواء المشحونة ظاهريا بمفردات الحياة السياسية التي تجعل النبضة تتناص مع هذه الحالة/ الحب الجارف، وربما تتماس مع صيغة التساؤل الذي يشكل لحمة النص بأكمله:

"متى يقرون توصيات "منظمة حقوق" الـ "حنان" ويمنحون القلوب العاشقة حق "اللجوء العاطفي" وإعادة ترتيب الدول والقارات".

هنا يتكرر استخدام مفردة "اللجوء" تعبيرا عن هذه الرغبة العارمة المكبوتة للانعتاق من أسر الحالة المادية الواقعة/ المهيمنة، لصالح الهيمنة الشعورية التي تتجه ظاهريا إلى تسييس هذه العلاقات الوجدانية حين تدخل في زحام المادي والمتاح في الحياة، فتتوارى في تماس السياسي مع الوجداني، كما تنزع إلى فكرة تحقيق الحلم الذي يعيد ترتيب كيان الذات من خلال الوجود الطبيعي في مجتمعها، في تعبيرها بـ "ترتيب الدول والقارات".

تلك النزعة إلى الحلم التي تجسدها بصورة جلية، نبضة "حلم" لتحقيق معادلة جزئية من معادلات وجود الذات وطموحاتها وأحلامها المرسلة، التي تخرج بها إلى العيان مع محاولة إعادة تشكيل العالم وترتيب الدول/ الكيانات الإنسانية وما ترمز إليه بالنموذج السابق "اعتراض"، فتقول في نبضة "حلم":

"نم ودع لي أحلامك/ لـ أصففها وأرتبها وأشكلها/ كما يحلو لـ أمنياتي".

إذاً هي محاولة لتشكيل العالم الخاص من خلال نبضات حقيقية، وإن تشابهت في مضمونها في بعض الحالات النصية، ولكن اشتبك فيها الوجدان مع تفاصيل اللحظة الشعورية الملتحمة بالطبيعة من حولها ومن داخلها، لتعبر عن تاريخ ذاتي يتماس إلى حد كبير مع الشعور الإنساني بصفة عامة، بل ويصل إلى حد التطابق معه، لينتج هذه النبضات المعبرة التي ربما احتاجت إلى المزيد من الاعتناء اللفظي، والضبط اللغوي والنحوي في بعض المواضع، كي يكتمل الإيقاع ويبدو أكثر تماسكا واتزانا وتعبيرا، برغم شاعريتها العالية والمغدقة، وعزفها على أوتار التقابل والتناغم وانزياح المعنى من خلال استلهام العديد من تقنيات الكتابة التي تتداخل فيها روح السرد مع روح الشعر مع الاختزال والتكثيف لإبراز دلالة عمق المعاني وتفجير فضاءات التأويل والتأمل معا.

محمد عطية محمود ـ الإسكندرية

[email protected]
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1058


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
5.43/10 (8 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة