الأخبار
منوعات سودانية
" مسرحية كولاج " إنتصارات الممكن وصرخة الأنا



جسدت صراع الأنسان ضد ذاته والكل
01-01-2014 08:11 PM
مروة التجانى

لم تتعدد الشخوص هنا يكفى شخص واحد منقسم على ذاته حتى يظهر لك شخصان هما مقدمى العرض جسدهم الممثل " سخن " و " عصام " على المسرح البرشتى هنا فى السودان فاتحاً حدود إدراكنا على عالم برشت المعقد والبسيط فى وقتٍ واحد والذى ننتمى إليه بشكل ما وينتمى إلينا فيجعلنا نرى الأمور الأعتيادية بخلافها نشاركه الحدث ويشاركنا .
يحمل الطرف الأول الأنسان " عصام " اللون مضيفاً شيئاً جديداً فى مساحة العرض عبر الوان مختلفة شارك فيها الجمهور ، هذا التغيير الذى يبدو بسيطاً للوهلة الأولى " ما تعنى إضافة لون " يمتد فى مسار عميق آخر لا نلبث إلا ونركز فيه إنه تغيير يأخذك للتأمل فى أى فعل يقوم به الأنسان على واقعه بغض النظر عن ماهية الفعل أهو شرب شاى أم تشييد بناء أم إختراع أو حرب تفتعل وكيف يكون بالتالى ساراً ومبهجاً فى بعض الأحيان وفى بعضها الآخر قاتل ومخيف ، وفى محاولة لخلق توازن بين الأنسان وفعله الذى تحول لأمر إعتيادى ظهر الأنسان الآخر أو الأنــا الرافضة " سخن " تحاول أن تمحو وتعدل الفعل الذى نتج وحين تكاتفتها الهموم وخبرت عناء التجربة أطلقت صرختها داعية العقل حتى يعود لمساره الموضوعى والمتزن ، كل ذلك تم فى صمت وسكون ، نعم عزيزى القارئ إنه " المسرح الصامت " تصلك فيه الرسالة أوالغاية عبر وسائط غير لغة الحديث فهناك لغات أخرى جديرة بأن نوليها الأهتمام تنطق أحياناً بما لا تقدر الكلمات العادية على التعبير عنه ، إنها لغة الجسد واللون والموسيقى الساحرة .

لا مكان ، لا جدار رابع
ليس لقصة المسرحية مكان محدد تدور أحداثها فيه ورغم إنها قد عرضت فى صالة داخل الـ(مركز الثقافى الألمانى ) إلا إنها كان من الممكن ان تعرض فى أى مكان آخر لنقل حديقة ، مدرسة ، شارع أو مزرعة كبيرة ، هنا حيث الـلا مكان وفيه يتحول الجمهور من مجرد المشاهدة الى الفعل المباشر والمشارك فيما يقدم ، ليسقط الجدار الرابع إذن ، ونعنى به ذاك الجدار غير المرئى الذى يفصل بين المشاهد والممثل حيث أن الصورة التقليدية للمسرح إنه يشبه غرفة ثلاثية الأبعاد أو بها ثلاث حوائط ، هناك حائط مخفى يضع المشاهد فى حالة سكون ، يجعله يكتفى بالمتابعة والضحك والتصفيق هذا هو الدور التاريخى الذى ظل المشاهد يمارسه لفترة طويلة ولكن هنا الوضع مختلف تماماً يسألنى أحد القراء كيف ذلك ؟ أقول كما هو معلوم للجميع أن " لكل فعل رد فعل " ومن هذا المنطلق سعت " مسرحية كولاج " لأشراك الجمهور فى إحداث الفعل بدلاً من الأكتفاء بالمتابعة ، أشركتهم عبر إستخدامهم فعلياً داخل العرض حيث تنقل الممثلون بينهم ونقلوا لهم إنفعالاتهم فهم ليسوا مجرد متابعين بل صناع أصليين فى الحدث وهكذا أصبحث " كولاج " حدثاً للكل لا للفرد الواحد ، عدم تأطير المكان بفواصل مرئية كالجدار والخشبة مثلاً يدخلك الى عالم المسرح دون حواجز أو قيود يجعلك تهتم حقاً بهذا العالم الغرائبى ، ترى أبعاداً غير مألوفة حتى ليخيل إليك أن مسألة وجودنا بذاتها هى عرض كبير تكون الأرض فيه مسرحاً كبيراً لهذا تدفعنا " كولاج " للمشاركة الفاعلة ، لعدم الحياد فى كل ما يتصل بواقعنا فنحن جزء من هذا العالم ومن الأنسانية ، لنا حق الرائ والتفاعل بغية تحقيق ذاتنا التى لا يجوز أن نقول عنها مكتملة بعيداً عن ذوات المجموع الذى يشاركنا الوجود فعلياً .
لنختصر الواقع فى 7 دقائق
" والذى ما زال يضحك لم يسمع بعد بالنبأ الرهيب ، أى زمنٍ هذا ؟ "
برتولد بريشت
نعم أى زمنٍ هذا الذى نعيش فيه ، جملة طالما رددتها الأجيال المختلفة فكل زمان ملئ بالعجائب والغرائب وله نسقه الخاص ، كيف لنا أن نختصر هموم زمننا الراهن ونقدمه خلال 7 دقائق؟ هو تحدى يبدو مستحيلاً للبعض الذين أن هم تحدثوا عن أحداث الزمن لألفوا روايات ولأنقضت أمسيات كثيرة وطويلة تبعثر فيها الحكى والكلمات فى محاولة لوصف مجتزاء لهذا الواقع بما يحمله من أزمات ومآسى ومرح عنيف أن "كولاج" لم تنجح فقط فى إعطاء وصف دقيق للواقع بل سلكت طريقاً آخر أيضاَ برهنت فيه أن الحياة اليومية الأعتيادية ليست كما تبدو على بساطتها التى تخيل لنا إنها رحلة أكثر عمقاً من أن نتجاهلها إنها النمط المحير فى السلوك البشرى ولننظر فى هذا المثال البسيط لنرى عمق ما نتحدث عنه : " فتاة تجلس فى مقهى وتتناول كوب شاى " للوهلة الأولى يبدو هذا أمراً مألوفاً وغير مثير للدهشة ولكن حين ننظر له ببعد آخر نلاحظ أن الـ" قطة " مثلاً ككائن حى يشاركنا الوجود لن يكون بمقدورها أن تعى ماهية الذهاب لمقهى وتطلب من الجرسون كوباً من الشاى ثم هى تخرج النقود لدفع الحساب لذا علينا أن نكون شاكرين على ماهية الوعى وعلى جميع الأحداث اليومية الأعتيادية التى نمارسها وهو ما يطلق عليه فى المسرح البريشتى بـ " التغريب " ، " سخن " يمارس الرسم فى حياته اليومية لذا كانت الرسوم التى أنجزها تتحرك فى " بروجكتر" حتى تعكس لنا هذا الفعل الغريب الذى يمارسه البعض ونراه نحن عادياً ولا نلقى له إهتماماً ، إنه سلوك بشرى غريب جدير بأن نتوقف عنده قليلاً لمزيدٍ من التأمل وحتى نغوص عميقاً فى ذواتنا وفى الوجود ككل .

الموسيقى لها سحرها الخاص وعبقها الرائع لم تتوقف للحظة خلال الـ7 دقائق ما يحدث خلال الـــــ" كولاج" يجعل العقل يبحر فى جميع الأتجاهات دون خوف من التشتت ، يذهب بحدود العقل الى الأعماق دون الخوف من الغرق فهاهى موسيقى تنبعث من مكان ما وها هو المكان بذاته لا فواصل به وهاهو الزمن يتسارع ويركض فى فوضى مختصراً واقعاً يصعب الأمساك بأطرافه وهاهم الممثلون يتحركون فى مساحاتٍ واسعة ونسبية والحضور مشارك فى الفعل وهاهو الرسم واللون " كحدث يومى " يزين لنا صورة ما نراه ، هنا يتصارع اللون مع الموسيقى كأهداف نبيلة تفرض وجودها إنها الأرث البشرى من الحياة وما يتبقى بعد الفناء ، هو صراع لا يقود مطلقاً للعنف والكراهية وإنما طريقاً مفتوح نحو النقاء وتعالى الروح على قبح المادة ، هذا الصراع هو الوجه الآخر للعاصفة وللحياة التى تعبث بنا إنها الوجه الأجمل المحمول بعبء التفكير والمعاناة ، بتحويل كل ما هو مألوف الى غير مألوف فى المنطق .
يقول بريشت: " نقف هنا مصدومين ، نشاهد بتأثر الستارة وهي تغلق وما زالت كل الأسئلة مطروحة للإجابات " .
يا لهذه التراجيديا التى رسمتها " كولاج " فلا وقت للضحك غير المجدى بل هناك مرح مؤلم ، هناك دوماً اسئلة تطرح ودماغ مرهق بالتفكير ، هناك قضية عليك بحثها خلال 7 دقائق من وجودك على قيدك الحياة ، إنها الدقائق الأخيرة والأولى فى آنٍ واحد وتجلت بصورة واضحة فى ملامح مشاهدى العرض وتعابيرهم حيث إختلط السؤال بالمرح ، إختلطت الدهشة بالممكن ، التصفيق بالركض السريع لمسابقة أزمنة الحياة بما تحملة هى الأخرى من خيبات قاتلة وإنتصارات .
من المدهش حقاً أن تغير 7 دقائق طريقة تفكيرك ونظرتك للأمور ، كانت " كولاج " بالنسبة للكثير من الحضور الرحيل نحو الذات والضحك بحذرٍ وإداراك الواقع بأبعاد مختلفة وجديدة .

نبذة عن مسرح بريشت
تميز بالمسرح الملحمى وهو مذهب حديث في المسرح يعتبر المضمون أهم من الشكل ، والحقيقة أهم من المجاز والإيهام المسرحي ، أسلوبه قصصي وتعليمي ، وقد ظهرت هذه الحركة في ألمانيا على يد المخرج المسرحي إرفن بيسكاتور ، وبيرتولت بريشت بعد الحرب العالمية الأولى .
أما عن مؤسس هذا المذهب بريشت فهو : أديب ألماني ولد عام 1898م في أوجسبورج ومات عام 1956م في برلين . درس بريشت الطب في ميونخ وعمل في مسرح كارل فالنتين، وفي عام 1922م ، حصل على جائزة كلايست عن أول أعماله المسرحية . وفي 1924م ذهب إلى برلين حيث عمل منذ عام 1928م مخرجاً مسرحياً وهناك اخرج العديد من مسرحياته ، وفي عام 1933م ترك ألمانيا وعاش في الدنمارك ، وعرضت أعماله في السنوات التالية في أوروبا وأمريكا ، وفي عام 1941م هرب من القوات الألمانية التي كانت تتوغل داخل أوروبا إلى روسيا ، وفي عام 1948م عاد إلى المانيا مرة أخرى ، ولكن لم يسمح له بالدخول إلى المانيا الغربية ، فذهب إلى برلين الشرقية حيث تولى هناك إدارة المسرح الألماني ، ثم أسس في عام 1949م "مسرح برلينر انسامبل " .
تولى عام 1953م رئاسة نادي القلم الألماني ، وحصل في عام 1954م على جائزة ستالين للسلام ، وقد أثر" مسرح برلينر انسامبل " تأثيراً كبيراَ في المسرح الألماني بعد الحرب العالمية الثانية ، وظل بريشت يعمل في هذا المسرح حتى مماته .

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1112


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
8.00/10 (2 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة