في



الأخبار
منوعات سودانية
ذكرى المغني محمود عبد العزيز
ذكرى المغني محمود عبد العزيز



01-17-2014 07:02 PM
يوسف حمد
قلت له: "أحمد ربّك أنك لم تكن كإبراهيم الكاشف، الذي تمّ اكتشاف أثره بعد موته، إذ اكتشفنا عبقريته، ولم يستمتع بهذا الإعجاب المهول به".. يوسف الموصلي متحدّثاً إلى محمود.
لم يزلْ ثمة حضور لافت، يفرضه المغني الراحل، محمود عبدالعزيز؛ الذي مات قبل عام من الآن [17 يناير 2013]، وهو حضورٌ مرشّح بسهولة لقرون من الخلود، عبْر أغنياته التي رأت النور، أول ما رأت، متحديةٌ صلفٌ عقدي متزمت، وناهضت باقتدار جهاز حزبي، عبَّأَ كلَّ الفنون بإملاءات سياسية، ودينية،، وعسكرية، وذلك في خضم ما سُمِّي بـ(المشروع الحضاري) للحركة الإسلاميّة، التي حكمت السودان، خفية، في بادئ أمر حكومة الإنقاذ. فحين كان حملة المشروع الحضاري من المغنّين يهزجون: "الطاغية الأمريكان، ليكم تدربنا....." وأيضاً: "لما الجيش للشعب انحاز، هبت ثورة الإنقاذ" وغيرهما؛ كان صوت محمود يسمع وحيداً وسطها، وهو يحيي ألحاناً قديمة:
"من يوم ما زازا
أخدت نظرة أنا من قصاد الطاقة
توب الكرب الجابوهو النقادة
يا سيد الناس أنا عاشقك زيادة
وفوق الجيد أنا ببقى ليك قلادة
العجب حبيبي
ما أداني تحية...."!.
يقول الموسيقار يوسف الموصلي، وهو يحكي عن تجربته مع محمود: " تعرفتُ على محمود في العام ١٩٨٩، بعد عودتي من القاهرة، حيث نلت في تلك السنة ماجستير التأليف الموسيقي من الـ(كونسرفتوار) هناك، وفي ذلك الوقت كانت فرقتا عقد الجلاد والسمندل في حالة لمعان فريد، وعلى التوّ بدأت بروفاتي مع السمندل من أجل حفلاتنا المشتركة، وفي حفل بقاعة الصداقة قدم لي الموسيقار د. الفاتح حسين، وهو قائد فرقة السمندل حينها، شاباً صغيراً نحيفاً يافعاً، هو محمود عبدالعزيز؛ وقال لي هذا الشاب له صوت مهول، ونريده أن يشارك معنا في الحفل. ولأنني فضولي بطبعي قلت لنفسي إن د. الفاتح لن يقدم لي شخصاً غير موهوب؛ فوافقت، وألقيت التحية على محمود، وما إن دخل محمود إلى المسرح كي يغني إلا وأصابتني دهشة لم تغادر مخيلتي حتى هذه اللحظة".
لكن البصر المتتبع لمسيرة محمود لا يزيغُ من رؤية: كيف أنه نجا من الرعي الجائر للمقالات الصحفية الهازئة، التي كتبتْ بخفة، ومن الكاريكاتيرات العجلى التي تصوِّره كمسخ إنسان برأس حمار، هو المطرب هناق، وكذلك نجا من الانتقادات الانطباعية الغاضبة التي كان أصحابها كطيورِ البطريق: تتابع ما يعلوها مُحلقاً حتى تقع على قفاها. وكان أيٌّ من هذه الآثار الصحفية يتعين عليها أن تهزم المغني محمود. لكنه شقها جميعاً، طولاً وعرضاً، ليصل بشقائه المقدور إلى أسوأ محطة يُمكن أن يصل إليها فنان.. إذ دخل مصحةً للأمراض العقلية، وكذلك سُجنَ غارماً، ومع ذلكْ خرج من السجن ليغني:
"أصلي زول من قمت طيب
أسألوا العرفوني فيكم
ما جنيت على زول سليتو
سكبت روحي وفني ليكم
جنيت على روحي المسالمة
وليّ ما حنت إيديكم.. وما بلومكم... في ظنونكم..."!.
والأمر كهذا، يبْدو السؤال عن سر جماهيرية محمود سؤالاً فارغاً، مثل الاستفهام عن: لماذا مذاق السكر حلو؟ وإن كان لبلاغة التأطير موضع في مثل هذا اليوم، فيمكن القول إن محموداً ولد ليكون فناناً وحسب، إذ وفّر ميلاده الفني، آلاف المبررات، لملايين الشباب، كي ينخرطوا في صراعهم مع الحياة المسجونة البائسة، وبرّهم بملايين العبارات الغنائية الرائعة، التي سيتمثلونها لاستنهاض عواطف الشباب المتوارية خلف أذهان مكدودة:
"طرّوني ليك
وأنا كنت قايل أصلي ما بطراك تاني
وكنت فاكر طول غيابك
بيمحو ريدك عن زماني
إلا تاري، البينا لسه
لا نسيتو ولا نساني..."!.
يغني محمود بصوت من فصيلة التينور العريض، وهو - طبقاً للموصلي - أكثر أصوات الرجال حدة. ولكن العجيب، أن صوته يلامس خفيفا في غلظته (الباريتون) في مداه العالي، "والباريتون هو الصوت الثاني من حيث الغلظة في الأصوات الرجالية بعد الباص".
وربما لفرط دلالة أغنية محمود وموسيقاها المكثفة، لدى معجبيه، يكتفون منها بكلمة أو عبارة واحدة، تُكتَبُ على زجاج السيارات اللامع، وغيرها من الأسطح البارزة المصقولة: (يا مدهشة)، (سكت الرباب)، (لهيب الشوق)، (ياريتني في بالها)... ألخ. وبالطبع، أيٌّ من تلك العبارات تبعث على السلوى، ويتعيّن عليها أن تحيل في الوقت نفسه إلى سمت المغني المحبوب، باذخ الحضور؛ محمود عبدالعزيز.
ولأنّ الأمر يحتمل القول بالإجمال؛ يتيسر للخاطر أن يركن إلى جملة: إنّ في كلٍّ من الشباب السودانيين قبسٌ من الفتى المغنّي محمود عبدالعزيز.. قبسٌ ينقص ويزيد كالإيمان بالرسالات المقدسة.وفي الكتابة عنه ضربٌ من المجازفة، لكونها اقترابٌ للفراشات من النار الموقدة. إذْ من أيّ تعلّة يحدِّث الكاتب الناسْ؟ وبأيّ ادعاء يقول لهم عن أنفسهم، ويكتب لهم عن محمود الذي هو: فيهم ومنهم وبهم؟ وأنعمْ بها من رفقةٍ محمودة: رفقة محمود؛ رفقةٌ يباركها الشيوخ والأمهات، ويقدح زنادها عشقُ الصبايا والشباب. رفقة لا تنتهي عندهم، إلا لتبدأ بتوسّلاتها من جديد:
"على أي حال، إن شاء الله ما آخر وداع..
عشم اللقاء بيك ما انقطع لو مستطاع
أصلو الحياة بين الأمل والموت صراع
لكنُّو زورق حبي ليك يا غالية ما داير شراع".
من منهم لم يستل عنقه طويلةٌ طويلة، ليحاكي محمود المغني؟! ومن منهم لم يمتع نفسه بالغناء العذب الذي يهدهدُ الكيان ويرممُ تلف النفس؟!
"عمري..
بعدّو بالساعات، عشان خاطر مواعيدك".
تستل أعناقهم لتطال وتماثل هامة محمود. يسعدون بتلك الاستطالة، وذلك التطريب المنسرب وهماً، كأنّه من صوت محمود. كلّهم محمود استطالتئذٍ! إلا أنّهم سرعان ما يتطابقون مع واقعهم ويعودون إلى الحزن. هو حزن يخصهم كجيل سوداني بائس، أخرج من هذه الدنيا (ملوص)، حين قيل له إن القطار الذهبي للإبداع، في الغناء والموسيقى وكرة القدم؛ غادر المحطة قبل (40) سنة، وحمل معه "جيل البطولات وجيل التضحيات....."!
فيهم من جلس القرفصاء على هذه الكوشة الخالية من الإبداع، يندب تأخّره عن القطار، وفيهم من ذهب بحذر إلى المستقبل، لكن عنقه معسّمة إلى الماضي، حدّ الالتواء، ولن يظنَّ ظانٌّ إنّ لمحمود صلة بحزنهم هذا، ولا محنتهم تلك، إلا كون محمود هو نقطة العسل التي دلقت، هكذا مصادفة، على كوشة، أو "ليمونة في بلد يعاني أهلها الغثيان"، فكان ضرورياً لحياتهم هم رواد هذا الزمن؛ أبناء الحاضر المأزوم، والغد المفتوح أو المفضوح! سيان لا فرق.
ما أصعب الإحاطة بمحمود حيّاً، وكذلك حين ينازل الموت بألف طريقةٍ وطريقة، هناك في المشفى بعمان، وهنا وهو يتوسدُ الثرى. يتفق النقاد على أنّ محموداً استطاع أن يضيّق - إلى أقصر مدىً- مساحات الخلاف بين السودانيين، رغم أن الأوصاف تتقاذفه، فهو عند البعض: رمزاً، وعند آخرين: ظاهرة، وعند فئة أخرى: أسطورة شديدة اللمعان، وعند طائفة: سقطُ متاعٍ لا يستحقّ حتى رحمة الذي فطره من عدم!! وما للفتى معايب لتسجى.
ورغم ما يُنحلُ حول محمود من خطايا، إلا أنّه ظلّ محبوباً، ولا يرى معجبوه ما يسيء في خلقه، لأنّ محمود ظهر لاحقاً، بمآثر تقرّبه من الملاماتية المتصوّفة، الذين يأتون أفعالاً منكرة - توبيخاً وهضماً للنفس- ليتجنّبوا التدليل على صلاحهم، ومثلهم في ذلك الشيخ إسماعيل صاحب الربابة؛ الذي عاش في القرن الثامن عشر، وكان مثلاً، يهيم بثلاث نساء متزوجات، منهن واحدة تسمى هيبة، وكان يتغزّل فيهن غزلاً فاحشاً، ويغنّي لهن بربابته على رؤوس الأشهاد:
"صب مطر الصعيد وطلق علينا بردو
خشم هيبة يشبه طيات البحردوا
تعجبك في الرقيص حين ما تهردو
يا هنية من حواها وقضى غردو".
وكذلك الشيخ سلمان الطوّالي الزغرات؛ وروى صاحب الطبقات أن سلمان كان "بابكولاً، يجلب الماء للمرّاسة"، وكذلك الشيخ خليل بن الرومي، الذي طلب "برمة مريسة وبصلتيْن وديكاً خصياً"، فأتوه بها جميعاً، "فصفّى المريسة وشربها هو ودناقلته الذين معه". ورغم هذه المنكرات الظاهرة، إلا أنّهم كانوا شيوخاً ذوي حضور صوفي مهيب.
وكذلك محمود، وذاك قبره ظاهر يزار. لقد انفكّ أسره، وإلى الأبد، من مكارثيّة الغناء، وتجاوز باقتدار حرج السؤال الزائد عن حاجتنا إلى الطرب: هل كان محمود شيوعياً..؟ هل كان حركة شعبية..؟ هل صار محمود مؤتمر وطني؟ كلهم يدّعي نسباً إليه.. فليكن كل ذلك؛ إذ خير للضحية أن تُعلم جلادها بدل أن تتعلم منه. ويكفي أنّه نجا الكثيرين، بقدرة عجيبة، من نهيق الرطان الثقافي ورأسمالية احتكار الإبداع، وكان كمن يصفع الجميع من (قفا) وهو يشرح ببساطة ما غاب عنهم في شأن (الريدة) وشؤونها:
"سبب الريد عينيك وعينيا
هم الجارو عليك وعليّ....".
ثم يضعُ نقطة ويبدأ سطراً جديداً، منظوماً بالكبرياء المحمود:
"جاي كايس لي أعيدو
بعد ما راح كل شيء
وكان فؤادي ملك يمينو
والغرام بيناتنا حي
عدى راح زمن الندم... ذكرى ضماها العدم
والغرام غير مسارو".
الفرقة الأولى التي شاركت محمود كانت فرقة مميزة جدا في رأي الموصلي واسمها (النورس)، ويشير إلى أن الوتريات فيها كانت مميزة للغاية، ثم تحول إلى فرقة (البعد الخامس الموسيقية)، وهي مجموعة تكونت من بعض عناصر النورس بعد تفرُّق أعضائها، إلا أنها كانت أكثر حجماً وأكثر تنوعاً من حيث تنوع الآلات والعدد. هذه المجموعة استمرت حتى النهاية مع محمود، خصوصاً بعد أن أصابه نجاحاً مهولاً.
ويتّفق النقاد الموسيقيون - ومنهم الموصلي بالطبع - على أن محمود له قدرة عالية وغير مسبوقة على أداء مختلف الأنماط الموسيقية والغنائية، ففي أدائه للأغنيات القديمة مع فرقته يبعث روح التجديد، وفي أدائه لألبومه (خلّي بالك) ينغمس في الحداثة، وفي (سكت الرباب) يتغرَّب، فيتّجه إلى عالم (البوب).
نشأ محمود نشأة طبيعية، لكنّها، في طبيعيَّتها، كسرت الحاجز بين سمت الفتى المتمدّن بحكم نجوميته، ومماثله الفتى الريفي، فكان يتحرّك في الثقافتيْن باقتدار، وفي هذا المضمار لا يمكن مقاومة الإغراء الذي تمارسه كتابة البروفيسور؛ عبدالله علي إبراهيم، وهو باحث مهيب ومرموق في حقل الدراسات الأنثربلوجية، عن الراحل محمود؛ فقد ذهب عبدالله مذهباً يحيلُ محمود إلى رمز لتكونات ما يسميه (انبعاج المدينة). يقول: "الحوت ابن ما سماه الدكتور عبده ملقيم سيمون (انبعاج المدينة)، أي التي اختلط فيها الناس اختلاطاً عظيماً، انبهمت به الحدود العرقية والقبلية واللغوية. فكتب كتاباً عن هُجنة أحياء أطراف الخرطوم، ووصفها بـ(الانحطاط)، لتوحشها طالما اعتزلتها الصفوة. فقال إن عوالمها سيريالية - فوق واقعية، تصنعُ قواعدَ حياتها المبتكرة خلال اللعب. فهيَّ في حالة كرنفالية هازئة بالصفاء الثقافي العرقي. وهيَّ ذاتها المدينة التي فرض شبابها (إزجاء الفراغ) على الدولة الشرعانية المتجهمة. فتجمهروا على ضفاف النيل الليل بطولِه، أُسراً وعشاقاً (ذراع في ذراع)، كما قال أحمد عبدالمعطي حجازي. ولعنهم الأئمة من فوق المنابر لاحتفالهم بالفالنتاين ورأس السنة. نقل الحوت المدينة، التي كانت تخترع صور إزجاء فراغها، من (الحفلة) إلى (الكونسرت) في صورته الغربية".
ليست أغنيات محمود، بكلماتها، سوى تذكير ماكر بقيم قديمة، لكنها توضح بعمقٍ ودون لعثمة، معنى استمرارية الإبداع، وتقولُ إن حواء الغناء السوداني لم تمت؛ لا في آذان الناس، ولا مع أفواه الذين سبقوا محمود بالغناء في زفة القطار الذي حمل (جيل البطولات وجيل التضحيات).
قد تحتاج التواريخ جميعها إلى قعدة طويلة مع النفس، لترتِّبَ بعض أوراق الفتى محمود المُسجّى في مقابر حلة حمد؛ وستقولُ التواريخ بدءاً للترتيب، إنه لحقَ بالمفكر محمود محمد طه في تاريخ مطابق. لكن كتابة التاريخ لا تمانع في أن يسبقها أحدهم، ويكتب في الصفحة الأولى: كان محمود عبدالعزيز رمزاً، والرمز لا يفنى، وكذلك لا يصنع.


yousafa.hamed9@gmail.com






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 859


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة