الأخبار
أخبار إقليمية
الغول والعنقاء والمشتركات السودانية
الغول والعنقاء والمشتركات السودانية


01-18-2014 08:00 AM

عادل إبراهيم حمد

ينشغل المفكرون والعلماء بالبحث عن محور واحد تدور حوله حياة البشر. أو -بعبارة أخرى- عن دافع واحد يحرك الحياة أو يفسر. هو بحث لإيجاد ما يعين على تقديم منظومة متكاملة تهتدي بها البشرية في تسيير وتنظيم حياتها، وهكذا طرح ماركس (الاقتصاد) كمحرك، وطرح فرويد (الجنس)، وكتب سارتر (الوجود والعدم) وقدم داروين نظرية (النشوء والارتقاء). جهد فكري مثير وإن لم يبلغ هدفه الكامل. للتعقيد المصاحب لحياة الإنسان بما يجعل محاصرة مسيرة الإنسان بعامل واحد ضربا من الخيال الخلاق، لكن تبقي حقيقة مهمة مفادها أن الجهد الفكري المبذول أثبت التأثير الخاص لبعض العوامل مما يجعلها موضع اهتمام خاص، وأبقت هذه الأفكار على ضرورة البحث عن عامل (أساسي) تتفرع عنه عوامل أخرى أو تسانده، حتى لا تكون المعالجات خبط عشواء.

الساسة والمفكرون في السودان ليسوا استثناء. فهم مشغولون أيضاً بالبحث عن عامل أساسي وراء المشكل السوداني، يرده البعض إلى السياسة فينصرفون على الفور إلى الديمقراطية باعتبارها الغائب الذي تحل بحضوره المشكلة من أساسها. ويعزوه آخرون إلى الاقتصاد مشيرين إلى ضعف الإنتاج أو القسمة غير العادلة للثروة. ويفهم ضمنياً من أصحاب الرأي الذين يقدمون الاقتصاد على السياسة أن الديمقراطية لن تعين شعباً لا ينتج قوته ولا تسعد مجتمعاً لا تسوده العدالة الاجتماعية. ويركز فريق ثالث على النظام الإداري فينسب مشكلات السودان إلى هيمنة المركز. ولا يرى هذا الفريق مخرجاً إلا في نظام لا مركزي يمنح الأطراف استقلالية عالية. ويركز آخرون على الدين لما فيه من قوة روحية وواعظ وبركة إلهية.

لكل حججه, وأدلى بدلوه في عملية البحث عن عامل أساسي. وأرى أن تجاهل المشتركات وإجهاد النفس في البحث عن الاختلافات ظاهرة سودانية عطلت المسيرة كثيراً. تقف وراء الظاهرة وتغذيها وتقويها عدة عوامل أبرزها التعصب وانعدام الثقة. أو قل -إن شئت- الشك المتبادل، ولنتناول كل عامل على حدة.

آفة التعصب تجعل كل فريق يرى أن الخير -كل الخير- فيما يطرح, وأن طرح غيره لا يستحق إلا التحقير. وهكذا تعامت كل جماعة عن رؤية ما يمكن أن يجمعها مع جماعة أخرى. ويعزز انعدام الثقة هذه الظاهرة حيث يتخيل كل حزب ثمة سم مدسوس في المبادرة التي يطرحها حزب آخر, ولو كان ظاهرها الخير. وتبقي القوى السياسية في جزر معزولة ينعدم بينها التواصل والتشاور.
فلا يستغرب مع حالة كهذه غياب المشتركات وسيادة لغة التشكيك والتخوين, حتى لم يعد في السودان رمز وطني يجمع عليه السودانيون بمن في ذلك قادة في قامة الزعيم إسماعيل الأزهري والإمام عبدالرحمن المهدي. وتستمر الحالة حتى الأجيال اللاحقة. فيكون السيد الصادق المهدي مبجلاً في حزبه بينما هو مجرد رجل كثير الكلام عند الآخرين, لا تجد مبادراته -على كثرتها- فرصة للنظر فيها. دعك عن أن تجد إمكانية للتأييد. وفي المقابل لا تجد مبادرات الميرغني حماساً من المهدي وأنصاره.
وفي تحالف قوى الإجماع الوطني يتبادل أركان المعارضة الاتهامات كدليل ساطع على عدم استعدادهم للوقوف على أرضية من المشتركات, رغم أنهم مجتمعون ظاهرياً على المعارضة. وفي ميدان آخر بعيد عن السياسة يتبارى أطباء الخرطوم في تأييد أو رفض خطة وزير الصحة الولائي في تفكيك مستشفى الخرطوم المركزي ونقل الخدمات الصحية للأطراف. ورغم إمكانية وجود مشتركات -في الجوهر- بين خطة مركزية الخدمات والخطة اللامركزية, فإن النفسية غير المهيأة للمشتركات, سارعت للبحث عن الخلافات حتى بدت خطة الوزير وكأنها جريمة, رغم ما فيها من منافع لا تخفى. مثال يكشف بوضوح أن من مضاعفات انعدام المشتركات اختلاط الغايات والوسائل.

فيتمسك أطباء بمركزية الخدمات الصحية وكأنها خيار مقدس. ويسوقنا اختلاط الغايات والوسائل إلى إيراد الخلط الذي وقع فيه ثوار انتفاضة أبريل التي أطاحت بالنميري, حين خلطوا بين النظام الديمقراطي كوسيلة وثمار الديمقراطية كغايات, فرفضوا غايات تحققت بشمولية نميري حتى كاد بعضهم أن يفتي بتحريمها. ودل السلوك العملي على تحريم الاعتقاد بإمكانية وجود (مشتركات) مع نظام مايو, فقد تفتقت عقلية أحدهم فأشار بتقصير عمود في السور المحيط بمبنى (مجلس الشعب) لتكون الأعمدة أربعة وعشرين بدلاً عن خمسة وعشرين, أي الرقم الذي يشير إلى يوم انقلاب النميري في شهر مايو 1969؛ لكن بقي المبنى الجميل الذي بناه النميري رغم أنف وحنق صاحب الاقتراح السطحي, وانعقدت فيه جلسات برلمان النظام (الديمقراطي) الذي أعقب نظام نميري الشمولي.

غياب المشتركات جعل من المستحيل الالتقاء على حد أدنى مريح, يجعل إدارة الشأن الوطني (ممكنة).

العرب
عادل إبراهيم حمد
كاتب سوداني
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1041


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة