الأخبار
أخبار إقليمية
خطبة الجمعة التي ألقاها الزبير محمد علي في مسجد الهجرة بودنوباوي
خطبة الجمعة التي ألقاها الزبير محمد علي في مسجد الهجرة بودنوباوي
خطبة الجمعة التي ألقاها الزبير محمد علي في مسجد الهجرة بودنوباوي


01-26-2014 11:28 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

23 ربيع الأول 1435هـ الموافق 24 يناير 2014م

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد.
أحبتي في الله
يُصادف يوم بعد غدٍ الأحد أي السادس والعشرين من شهر يناير الذكرى السنوية التاسعة والعشرين بعد المائة لتحرير الخرطوم، وهى ذكرى لها خصوصيتُها بالنسبة لنا كأنصار وبالنسبة لكل أهل السودان، وذلك أنها تُمثَل ميلاد استقلال السودان الأول من الاحتلال الأجنبي. ونحن إذ نحتفي بتلك الذكرى المباركة إنما نحتفي بها من عدة زوايا:
- نحتفي بها من زاوية شكر النعمة التي حبى اللهُ تعالى بها أهل السودان، والتحدث بمثل هذه النعم مهم لأنه تذكيرٌ بآيام الله (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). ورسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم عضَد على هذا المعنى " ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها".
- نحتفي بها من زاوية المُجايلة أي التواصل بين الأجيال، فالتاريخ يُشكل مصدراً مُهماً يستطيع المجتمعُ من خلاله معايشة الأحداث ومعاصرتها، " كُنا نُعلم أبناءنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمُهم السورَ من القرآن"، ولهذا المعنى دورٌ كبير في تحصين الهوية الثقافية للأجيال الجديدة.
- نحتفي بها من زاوية التزود بإشراقاتها وتوظيِفها في بناء الحاضر. الوعي بالجوانب المُشرقة في التاريخ زاد معنوي كبير يرفع الهمم، ويُلهم الحماسة، ويدفع اليأس، ويُوقد في النفوس جذوة الاجتهاد تطلعاً نحو بلوغٍ المقاصد والغايات.
- نحتفي بها من زواية الوعي بالدروس والعِبر واستلهام القيَم (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) وللمعلومية التاريخ يُمثل ثلث القرآن وهذا يؤكد أهميته ودوره المعرفي، والمعنوي، والتربوي ولذلك قيل "من وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً إلى عمره".
أحبتي في الله
ماهو الاحتفاءُ الأفضلُ بتلك الذكرى؟ أهو الاكتفاء بإيراد تفاصيل الأحداث كما يغلب على بعض المناشط الاحتفالية بالانتصارات التاريخية؟ أم نتجاوز الاكتفاء إلى الاجتهاد في التعريف بالملامح الفكرية لصاحب الدعوة، والتعريف بالإضافات التي قدمَها لدينه ووطنه، وإمكانية الاستفادة من ذلك في ترقية الحاضر تطلعاً نحو مستقبلٍ أفضل؟
لاشك أن الخيار الثاني هو الأفضل والأبلغ حتى لا تتحول المُناسبة إلى مُجرد حكاوي للتسلية والسمر، ومُجرد سرد وجداني يلدُ انفعالاً لحظياً سُرعان ما تذوبه أضابير الحياة؛ ولذلك سيكون من المُفيد أكثر أن تدور هذه الخطبة حول المعاني الآتية:
ماذا قدَمت المهدية لحركة البعث الإسلامي في إطارها العام؟ وماذا قدَمت للإسلام في السودان؟ وماذا أضافت للسودان كوطن؟ وما الذي يجب علينا فعلُه في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ السودان؟
ماذا قدَمت المهدية لحركة البعث الإسلامي في إطارها العام؟
أولاً: تحرير التوحيد من التعقيدات الجدلية:
في عصر الإسلام الأول كان مفهومُ التوحيدِ بسيطاً ومباشراً، وكان يُشار إليه بمصطلح الإيمان كما سماه القرآن. وكان التوحيد لدى الصحابة هو نُطق الشهادتين دون الخوضِ في تفاصيل جدلية. وكان جهدهم مُنصباً حول تحقيق مقتضيات الإيمان في أرض الواقع لا الغوص في ثُنائية الجبر والاختيار، ولا الخوض في نزاع الأسماء والصفات. ولكن أتى على أمة الإسلام حينٌ من الدهر انشغلت بقضايا جدلية حولت جهد المسلمين في تحقيق مقتضيات الإيمان في عالم الشهادة كما كان الحال في عهد الصحابة إلى الغوص في تفاصيله المنتسبة إلى عالم الغيب كما حدث في عصر انقسام الكلام.
هذا الجدل العقيم مزق كيان الأمة الإسلامية تاريخياً، وما زالت أثارُه ممتدةً إلى عصرنا الحالي بحيث صار المسلمون منقسمون إلى فرق: خوارج، ومعتزلة، وأشاعرة، ومُشبهة، ومجبرة، ومحافظين ألخ.
المهدية حررت التوحيد من هذه التعقيدات الجدلية وأعادته إلى بساطته الأولى "اعلموا أن أصل التوحيدِ الشهادتانِ تتضمنُهما سورةُ الإخلاصِ مع معرفة المعنى". والمهدية اهتمت بالعمل الذي يُحقق الإيمان ويزيده لا الجدل الذي يُفسر الإيمان ويُعقَده "وحقق اللهم إيماني وكمله مع نور التداني، واخلط اللهم نور الإيمان بلحمي ودمي ومُخي وعظمي بعد أن تجعله في سويداء قلبي، وتُعظَم نوره في لبي حتى أُشاهد ملكوتي وغيبي، فأتحقق بتوحيدك من غير وهمٍ من ظاهري وباطني، حتى يفيض ذلك النور على أركاني فأوثرك وأسوق إليك بنورك أخواني وأقراني مع التسليم التام، والقيام بالأوامر والأحكام حتى لا أُعارضَ قضاءك لحسن الظن بك فأكتفي بما عندك، وأقومَ بأمرك يا ذا الجلال والإكرام" راتب الإمام المهدي.
هذا هو المخرج الأفضل لتجاوز الاستقطاب العقائدي. الاستقطاب الذي انقسمت الأمة بسببه أكثر من انقسامها بسبب الفقه الإسلامي.
ثانياً: تحرير الفقه الإسلامي من الجمود:
بذل الآئمة الأربعة قُصارى جهِدهم في تبصير الناس بأحكام الدين وإعانتهم على فهمه، وكانوا ينهون الناس عن تقليدهم، ويُصرَحون بأن مذهبهم هو الحديث الصحيح. ولكن أتى على أمتنا زمانٌ ضعُفت فيه عزائم الناس، وقل اجتهادهم، وفترت هممهم، وتحركت فيهم غريزةُ المُحاكاة كما قال سيد سابق، فاكتفت كلُ جماعة منهم بمذهبٍ مُعين تتعصب له، وتبذل قصارى جهِدها في نصرته فسُد باب الاجتهاد وصار العلمُ هو المتونُ والشروح والحواشي والتقريرات.
التقليد للمذاهب أذهب حيوية الأمة وأودى بها في مستنقع الجمود، والتعصب لها أسهم في اختلاف الأمة إلى شيع وأحزاب، حتى أنهم اختلفوا في حكم زواج الحنفية بالشافعي قال بعضهم: لا يصح، وقال آخرون: يصح قياساً على الذمية!.
ومثلما حررت المهدية التوحيد من التعقيدات الجدلية حررت الفقه الإسلامي من الجمود والتعصب مع الاعتراف بفضل الآئمة الأربعة "جزاهم الله خيرا قد درجوا الناس ووصلوهم إلينا، كمثل الرواية وصلَت الماء من منهل إلى منهل حتى وصلت صاحبها. فهم رجال ونحن رجال ولو أدركونا لاتبعونا. وأن مذهبنا الكتاب والسنة والتوكل على الله وقد طرحنا العمل بالمذاهب ورأي المشايخ" "لأن جميع الكتب المذكورة مصدرها القرآن العظيم. وأن من عمل بالقرآن بالآية المحكمة، والأحاديث الصحيحة كان بذلك جامعا لجميع ما ذكرته من الكتب" منشورات الإمام المهدي.
هذا هو السبيل الأمثل لتوحيد الأمة الإسلامية، والخروج بها من مُستنقع التفرق المذموم.
ثالثاً: تحرير الاتباع من الركون إلى الماضي
ساد في الساحة الإسلامية مبدأ التلازم بين اتباع سكة النبي صلى الله عليه وسلم والركون إلى الماضي. المهدية حرصِت على اقتفاء الأثر "وأدخلنا مُدخله يارب العالمين وأخرجنا مخرجه" " واجعلنا على سكته إلى أن نلقاك سالمين من الآثام"، ومع حرصها على اقتفاء الأثر دعت إلى التجديد "لا تعرضوا لي بنصوصكم وبعلومكم على المتقدمين: فلكل وقت ومقام حال، ولكل زمان وأوان رجال". المهدية حررت الاتباع من الركون إلى التقليد، وعقدت مُصالحة بين الاتباع والتجديد.
رابعاً: تحرير الإصلاح الديني من الشخصنة والوقتنة
المهدية حررت الإصلاح الديني من الارتباط بشخص غائب كما في الفكر الشيعي، وإن كان الخميني قد أحدث مُؤخراً تطوراً في الفكر الشيعي، ومن الارتباط بوقت "آخر الزمان" ليصير الإصلاح وظيفة إحيائية مُستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).
خامساً: تحرير العلاقة مع الله تعالى من التجزئة:
ركز قومٌ في علاقتهم مع الله تعالى على المحبة، وركز آخرون على الخوف، وركز فريقٌ ثالث على الرجاء. ولكن المهدية جمعت بين المحبة والخوف والرجاء "أن تهب لنا حلاوة ذكرك، وهيبة حضرتك، ومعرفة عظمتك، وخوف سطوتك، ورجاء رحمتك، والطمع فيما عندك، والشوق اليك، وشدة الحب فيك وإيثارك في كل حال والنظر الي قدسك وجمالك والجلال" الراتب. وهذا هو الذي يُوافق القرآن:
- المحبة (فسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).
- الخوف (لأَنتُم أَشَدُّ رَهبَةً في صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ) (وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ).
- الرجاء (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
سادساً: تحرير مفهوم الإمامة من الاشتراطات النسبية:
أهل السنة اشترطوا في خليفة المسلمين أن يكون قُرشياً، وأهل الشيعة اشترطوا في الإمام أن يكون فاطمياً ونسبوا إليه العصمة. المهدية حررت الإمامة من هذه المفاهيم ونقلتها إلى ميدان الكفاءة قال الإمام المهدي عن شروط القيادة "من تقلد بقلائد الدين ومالت إليه قلوبُ المسلمين".
سابعاً: تحرير الزهد من الكسل في عالم الشهادة:
بعض الناس سبحوا في مُحيط الزهد بصورةٍ فصلتهم عن الحياة، تركوا الانشغال بالاجتهاد في عالم الشهادة ولزموا الانشغال بالاجتهاد في عالم الغيب.
المهدية انشغلت بالاجتهاد في عالم الغيب وانشغلت بالاجتهاد في عالم الشهادة ولكن دون الركون إلى ملذاته "وشياطين الإنس والجن من الدنيا المُشاهدة بالعيان، وسحرا من اللذة والزينة والجاه الذي يُعقب الخُسران، فلا خلوص لنا إلا بك فأرفعنا منها بلطفك يا منان"، ولذلك مع زهدهم وتطلعهم نحو بلوغ الآخرة قدموا انجازات عظيمة بمقاييس عالم الشهادة: طردوا الاستعمار رغم اختلال ميزان القوى المادية، ووحدوا السودان، وأقاموا دولة قوية استطاعت أن تصمد ثلاثة عشر عاماً بعد وفاة الإمام المهدي رغم الطُوفان الاستعماري الذي أحاط بها من كل الاتجاهات.
سابعاً: الدعوة إلى تحرير الأمة الإسلامية من التفرق الداخلي:
ذكرنا كيف أن المهدية قدمت هدياً تجاوز الاستقطاب العقائدي والانقسام المذهبي الذي وقعت فيه الأمة. وبالإضافة إلى ذلك قدمت هدياً فكرياً جامعاً يحوي إشراقات المدارس الفكرية الإسلامية:
* فالمهدية تلتقي مع السلفية في التوحيد والاتباع دون الركون إلى التقليد.
* وتلتقي مع الصوفية في أن للواجبات الدينية أغواراً روحية لابد من إشباعها.
* وتلتقي مع الشيعة في أهمية القيادة الدينية "الإمامة" ولكن دون التقيدِ بسلسلة نسبية ودون القولِ بعصمة الآئمة.
* وتلتقي مع الإباظية في اشتراط الكفاءة في القيادة الدينية دون الالتزام بالنسب القرشي والفاطمي.
* وتلتقي مع تيارات الصحوة الإسلامية في التأكيد على أهمية التجديد والحركة في الفقه الإسلامي.
* وتلتقي مع تيارات الجهاد الإسلامي في دعوتها للجهاد ضد الاحتلال الأجنبي.
هذا النهج الفكري تجاوز صراعات الفكر الإسلامي وقدم هديا إسلاميا جامعاً يصلح أن يُشكل مستوى أعلى من الوفاق واتحادِ الكلمة بين المسلمين.
ثامناً: الدعوة إلى تحرير الأمة الإسلامية من الاستعمار الخارجي
وإضافة إلى دعوتها لتحرير الأمة من التفرق الداخلي دعت المهدية إلى التحرر من الاستعمار الخارجي، وترجمت تلك الدعوة بأن شكلت أول تحدٍ حقيقيٍ للحكم الاجنبي في السودان، واستطاعت بجدارة رغم ميلان ميزان القوى المادية لصالح الأعداء أن تُحرَر السودان من الاستعمار في زمنٍ قياسي، ولذلك قال الدكتور محمد عمارة "إن المهدية في السودان مثلت في بيئتها المحلية أساساً وبالدرجة الأولى التصدي الفكري والنضالي للتحدي الحضاري لأمتنا بجناحيه: التخلف العثماني والتقدم الأوروبي باستعماره وتغريبه". وبعد أن استتب الأمر للمهدي في السودان وجه الدعوة لخديوي مصر ولأهلها. ولأهالي مراكش، ومالي، وفاس، وكل هذه الدعوات تُطالب بتوحيد وتحرير الأمة الإسلامية.
هذه هي إضافات المهدية لحركة البعث الإسلامي في إطارها العام.
المحور الثاني: ماذا قدمت المهدية للإسلام في السودان؟
أولاً: نقاء العقيدة:
دخول الإسلامُ إلى السودان بصورةٍ سلمية مع إيجابيته خلط الإسلام ببعض المفاهيم السالبة. ومع تسامح التصوف امتَد الخلط حتى شمل التوحيد "الواسطة بين العبد وربه" "اعتقاد جلب المنفعة ودفع الضرر في الأموات". المهدية نقَت عقيدة التوحيد من الرواسب التي علقت بها قال الإمام المهدي "مذهبنُا التوكل على الله، حيث أنه النافع الضار وناصيةُ كل شيء بيده. بل لا يخرج من قدرته فلتة ناظر. فينبغي لمن كان تابعا لنا أن يسلك طريقنا ويتوكلَ على الله وحده ولا يلتفتَ إلى غيرٍ لا وجود له بشيء" وجاء في الراتب"واجعل مطمحنا قلوبنا إليك ولا تجعل نظرها إلى ما كان من عدم وكذا حقيقته الراهنة بغيرك عدم".
ثانياً: إكمال حلقات الالتزام الإسلامي:
كان الإسلامُ في السودان قبل المهدية يُشكل حضوراً ضعيفاً في المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والقانونية؛ ولكن هدي المهدية استوعب كلَ هذه المجالات وفق اجتهادٍ جديد غير مُتقيَد بمذهبٍ مُعيَن.
ثالثاً:اعتبار الإصلاح الذاتي مدخلاً للإصلاح العام:
نمط التدين السوداني قبل المهدية اهتم بالإصلاح الذاتي دون الانشغال كثيراً بالإصلاح الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي؛ أي الانشغال بنجاة الفرد دون الجماعة. ولكن المهدية اتخذت من الإصلاح الذاتي مدخلاً للإصلاح الشامل "وحيث أنه لم يعد من الدين إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه حصلت الغيرة، وغيرة الُمسلم على حرم الله أشد من غيرته على حرمه" منشورات الإمام المهدي.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

اللهم إني أحمدك وأثني لك الحمد يا جليل الذات ويا عظيم الكرم، وأشكرك شكر عبدٍ معترفٍ بتقصيره في طاعتك يا ذا الإحسان والنعم، وأسألك اللهم بحمدك القديم، أن تصلي وتسلم على نبيك الكريم، وآله وصحبه ذوي القلب السليم، وأن تُعلي لنا في رضائك الهمم، وأن تغفر لنا جميع ما اقترفناه من الذنب واللمم.
أحبتي في الله:
دارت خطبتنُا الأولى حول محورين: ماذا قدَمت المهدية لحركة البعث الإسلامي في إطارها العام، وماذا قدَمت للإسلام في السودان. في خطبتنا الثانية سندور أيضاً حول محورين: ماذا أضافت المهدية للسودان كوطن، وما الذي يجب علينا فعلُه في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ السودان.
- أول إضافة أحدثتها المهدية أنها صهرت القبائل السودانية المختلفة في بوتقة واحدة. لم تُلغ الانتماء القبلي ولكنَها شدَت السودانيين إلى انتماء أوسع من القبيلة. ومن ثمار ذلك أن القتال الذي كانت تُحركه دوافع عصبية موروثة صارت تُحركه دوافع إيمانية مُكتسبة.
- الإضافة الثانية: وحدتَ السودان
نعم عرِف السودان الوحدة بين أقاليمه المختلفة في أواخر العهد التركي ولكنها كانت وحدة فوقية. المهدية أضفت على هذه الوحدة الفوقية بعداً وجدانياً ولذلك لم تشترك الأقاليم السودانية في مرحلة عمل مُشترك إلا في ظل المهدية. كذلك كانت رايات المهدية وقادتُها أصدقٌ تعبير عن هذا التلاحم الوجداني: خليفه المهدي من الغرب، وعبد الرحمن النجومي من الشمال، وعلي ود حلو من الوسط، وعثمان دقنة من الشرق، وحمدان أبوعنجة من جبال النوبة والقائمة تطول.
الإضافة الثالثة: عرَفت السودان
كانت الحركة المهدية بمثابة إعلان وتعريف بالسودان ترابا وأهلا. فقد كان السودان قبلها ذا تاريخ حضاريٍ قديم ولكن طواه النسيان، وصار السودان قبيل المهدية محافظة نائية من محافظات مصر الخديوية تتأثر بالأحداث ولا تؤثر فيها. ولكن بعد قيام الدعوة المهدية صار السودان محلُ احترامٍ وإعجابٍ في نظر كثير من الشعوب. لقد شدَت المهدية انتباه العالم وقذفت بالسودان إلى الأمام في مسرح التاريخ فخلقت له ولأهله اسماً ذائع الصيت ما زال صداه يتردد حتى يومنَا هذا.
أحبتي في الله
كل هذه المعاني تُلقي علينا مسؤوليات كبيرة دينية ووطنية:
* مسؤوليةُ المحافظة على دور الدين في الشأن العام، ودورُه في تفجير الطاقات لمصلحة الأمة ولمصلحة الوطن. وليست هذه دعوةٌ لدولة دينية وإنما رفضٌ لإبعاد الإسلام من الشأن العام. ونحن اقترحنا نموذجاً لدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية تقبل المساواة في المواطنة، وتقبل التعددية الفكرية والسياسية، وتستوعب حقوق الإنسان، ولا تتناقض مع الوحدة الوطنية.
* مسؤولية المُحافظة على بقي من تراب الوطن، وكما هو معلوم أن السودان الذي سلمتنا له المهدية انفصل عنه الجنوب، وبقيت بعضُ أجزائِه تحت سيطرة دول أجنبية. والمسئولية تُلقي علينا أن نسعى نحو الوحدة مع الجنوب إن لم تكن في إطار الوطن الواحد ففي شكل اتحاد كونفدرالي مع التطلع للوحدة الكاملة في المستقبل. كذلك المسؤولية تُلقي علينا استرداد الأراضي السودانية الخاضعة لسيطرة دول أجنبية.
كذلك المسؤولية الوطنية تُوجب إيقاف نزيف الدم في دارفور، وهو أقليمٌ له قصب السبق في تأييد المهدية ودعمها في مرحلة التحرير وفي مرحلة تثبيت أركان الدولة.
ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل تحقيقُ ذلك في ظل وجود النظام الحالي، وكل الملفات لا يُرجى صلاحُها في ظله؛ ولذلك لابد من ظلٍ جديد وهنا تقفزُ إلينا المسؤولية الثالثة وهي تحرير السودان من الظلم والاستبداد الذي نشهدُه الآن إما بالتوافق الوطني سيراً خلف خُطى التجربة المغربية أو عبر الثورة الشعبية سيراً تحت خُطى الثورة السودانية التاريخية.
اللهم احفظ بلادنا وهيي لها مخرجاً سلمياً إنك قريبٌ مُجيب.



تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 4022

التعليقات
#898578 [مصطفى حجازي]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2014 02:42 AM
الاول فليحرر االمسمون انصاار انفسهم من تسلط الامام المزعووم صادق المهدي


#898127 [انت تريد وانا اريد والله يفعل مايريد]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2014 08:36 PM
الاخ الباشمهندس الزبير نحمد الله الذي وهبك هذه الطاقه فاعداد مثل هذه الخطبه يحتاج الي مجهود في زمن انعدام الرغيف والغاز والمواصلات نتمني لك التوفيق.


#898028 [عباس]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2014 05:52 PM
هذه الخطبة طويلة جدا لو كانت حصة فى فصل كان الطلبه ناموا ياخطباء الجمعة قصروا الخطبة حتى يطلع المصلى وهو فاهم حاجة تنفعوا بقية الاسبوع طول الخطبة غير ممدوح فى السنه والدليل حديث ابى اليظان عمار بن ياسر الذى قال فيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ان طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فاطيلوا الصلاة وافصروا الخطبة ) مئنة من فقهه معناها دلالة على فقهه . رياض الصالحين .


#897890 [منصور محمد صالح محمد العباسي]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2014 03:24 PM
نعم نحن انصار الله فقط،،قال الله تعالي يايها الذين امنو كونو اصار الله ولم يقل كونو انصارا للمهدي ولا اانصارا لغيره،، بعدين المهدي المنتظر سيظهر في مكة بين الركن والمقام وهذا كلام واضح لا تاويل فيه ،،وحكاية الركن هو الامام علي علي والمقام فاطمة هذا كلام شيعة فقط ،،،،،،يانصار المهدي ارجعو الي الله وكونو انصارا لله يرحمكم الله ،،وتكونو سندا قويا للدين الاسلامي ،،،قومو الي الصلاة يرحمكم الله.


#897882 [الفقير الي الله]
5.00/5 (1 صوت)

01-27-2014 03:16 PM
الامام المجاهد والعابد الزاهد محمداحمد رجل كان عذب لا من غضاضة ولكن كبر ان يقال به كبر

اللهم اجزه عنا خير الجزاء فانه والله ما عمل عملا الا يطمع فيه الي مرضاتك وابتغاء وجهك الكريم خالصا في القول والعمل لك وحدك يا رب العالمين اللهم اجعلنا مثله واكرمنا بعلمه وزهده واخبتاه وطاعته لك ولرسولك الكريم واجمعنا واياه مع الحبيب المصطفي وال بيته وصحابته الاطهار في جنان خلدك يوم لا ظل الا ظلك اللهم امين


#897577 [ود البطانه]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2014 10:56 AM
اولا وجه هذه الخطبة الجميلة مع بعض التحفظات الي الصادق المهدي خلينا نشوفو شايت علي وين..


#897318 [Almo3lim]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2014 07:37 AM
نحتفل معكم بذكرى المهدي كثائر و كَمَعْلَم في تاريخ السودان ..

أما دعاوى (مهدي منتظر) فذلك دجل عليكم تركه ..


ردود على Almo3lim
United States [tito aboazizi] 01-27-2014 04:55 PM
يا أخوى المهدى قال أنا (المهدى المنتظر) .. هذا يحتمل إحتمالين لا ثالث لهما... اما أن يكون صادقا أو كاذبا فيما ذهب إليه.. إن كان كاذبا فعليه كذبة.. وإن كان صادقا .... ما موقف الذين كذبوه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ز



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة