الأخبار
أخبار إقليمية
يوم الحشر العظيم : هل الي خلاص من سبيل؟
يوم الحشر العظيم : هل الي خلاص من سبيل؟


02-03-2014 12:26 PM

دكتور الوليد ادم مادبو

جاءوا مرغمين، حُشروا مكرهين، استمعوا منصِتين، تجمعوا آملين، تفرقوا طامعين، تراضوا متعاقبين، جٌبِلوا حاقدين، عاشوا كَرِهين، صلوا نافرين، جلسوا متتلمذين، تسالموا غارمين، استوصوا غافلين، اصطفوا منشدين، تعاقبوا مُرْغَمين، مدحوا مُبْغِضِين، تَرَدْوا مجرمين، حنثوا مقسمين، اسْتَصْغَروا متعاظمين، أفِلوا غانمين، لُعِنوا مرتلين، تباهوا ماجنين، اصْطَلوا واقفين، ظلموا مستكبرين، كذبوا متعمِّدين، لُعِنوا مُجْتَمِعين، تكاثروا قابرين، شَخَصوا جَبِنين، سكتوا مستسلمين، عُمِّروا مُبْتَلين، تجمَّلوا وَرِمِين، استكثروا مُفْلِسين، تمسكنوا ماكرين، حُشدوا مُنْهَكِين، ادخروا شائنين، سهوا جاحدين، اغْتَنَوا سارقين، احتفوا مارقين، تفوهوا فَحِشين، انصتوا متعالمين، حللوا مبررين، تمنطقوا عاجزين، تنحوا شائهين، ذكروا غافلين، نطقوا متوجسين، استُدْرِجوا لسنين، غرهم التمكين،

"فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم ان كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون الا يدخلنَّها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حردٍ قادرين، فلمَّا رأوها قالوا انَّا لضالون، بل نحن محرومون، قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون" (قصة اصحاب الجنة في الكتاب الكريم).

لو لم يكن إلا هذا جزاءً لهم لكفي، لكنَّ طلة الدَّجال أعظم. بعد ان اثني علي ذاته المَقِيتة قال لهم: يا عبيدي، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، انها ساعة جور وعناء. ابشركم بمهانة ليس بعدها عز وبعذاب لا تعقبه شفاعة!

إن تلكم الطلة مهمة بالدرجة التي يكشف فيها الخطيب عمق الهوة بينه وبين المخاطب (في هذه الحالة الامَّة المسمَّاة مجازا الامَّة السودانية) وليس فقط الهوة بينه وبين الخطاب الذي أعدته جهة ارادت ان تقفز فوق الواقع وان تلتف حول الحقائق --وهذا دأبها دوما-- دون ادني مراعاة لانكشاف عورتهم وانفضاح مناوراتهم على الشعب او إعطاء اقل اعتبار لإمكانية الرجل المتواضعة حسا ومعنا، مما تسبب له في حرج شخصي ومعاناة بدت جلية اثناء استعراضه للخطاب الذي كانت لغته انسب بلغة الكتاب.

لم يكن الرئيس متسقا مع ذاته يوما لكنه لم يكن منفصما (من الناحية الفنية هنالك فرق بين من درج علي الكذب وبين المنفصم، إذ ان الكاذب يتعمد تلبيس الحيثيات ولا يتوهمها بالكلية. علما بأن الاول قد ينحدر فيلحق بالأخير حسب الظروف. من هذا المنطلق يمكن ان نقول بأنه يجوز للجماعة ان تسعي لإنتاج نفسها لكنها لا يمكن ان تفعل ذلك متناسية تماما للواقع، بل ومتقافزة فوقه)، ومن ارادوا إحراجه فقد أحرجوا أنفسهم إذ بدوا منفصمين بعد ان كانوا منفصلين. أود ان استعرض بعض حالات الانفصال والانفصام التي ادرجت في طي الخطاب وهي كالآتي:

1

* حديث عن الهوية الجامعة يقابله إمعانا في العنصرية واستعلاء تسبب في انشطار ثلث البلاد، الأدهى حسبان ذلك من المنجزات، بل الضروريات كي يحدث الانسجام الرؤيوي، كما يكذبه مشهد بنات درجيل (المساليت) وأحفاد ابراهيم قرض (الفور) وهو يقبعون في معسكرات النزوح منذ اكثر من عشرة سنوات.

* تجيير كامل لإرادة الشعب تجعل الطائفية والامبريالية الاسلامية ممثلة للسودان الشمالي النيل وسطي -- مهد الحضارة الانسانية، وتجعل الاخير وصيا علي باقي الريف السوداني.

* مبادرات سلام تفتقر الي المصداقية ناهيك عن تضعضع الآليّة والاستخفاف بمجهودات كآفة الوسطاء الاقليمين والدوليين.

* رؤية مستقبلية عقيمة وقصيرة النظر في مواجهة مأزق استراتيجي ومحنة تاريخية قد تستدرج الجميع الي ساحة القرون الوسطي وما افريقيا الوسطي منا ببعيد.

* مرافعة أخلاقية في ظل حيثيات عسكرية لمشهد إجرامي مهيب في جبال النوبة، دارفور، جنوب كردفان وبقية نواحي السودان.

* حديث عن انفراج سياسي وخارطة طريق يناقضه سعي حثيث للانتقال بالبلاد من خانة الاستبداد المدني الي خانة الاستبداد العسكري.

* احلام تنموية في ظل عجز هيكلي وإخفاق إداري مريع.

* آفاق استثمارية يحجبها حصار اقتصادي وتحتويها منافع شخصية ضيقه، الأدهى مطاردة ملحة من قبل الجنائية الدولية لأفراد العصابة المركزية.

* حديث عن مأسسة الشفافية وتقنين سبل المحاسبية تدحضه يوميات التفتيش وحيثيات خط هيثرو والتقاوي الفاسدة وتهريب شبه يومي للعملة الصعبة عبر الموانئ البرية والبحرية. (لم يكتف الآباء بالسرقة فاطلقوا العنان للأبناء وصدق المثل القائل "ال في والدك بغالدك."، قد أفلح هؤلاء إذ سلخوا جلود ابهاتهم ودخلوا فيها).

لا اعتقد ان المواطن يمكن ان يكون قد فوجئ بأي من المواضيع الآنف ذكرها، فهو الواطي جمرها والخابر سرها صباح مساء. لكنه يحتاج حتما الي رؤية أخلاقية ومنصة سياسية/مدنية وهمة تعينه علي مغالبة اليأس وتحفزه علي استشراف مستقبل أرحب. هناك هوة حتما بين واقعنا وبين ما نستشرف من مستقبل وصعاب لا يمكن ان تذلل او يتم التغلب عليها بالأماني او المعجزات إنما الخطوات الراسخات سيما اليقين بتأييد المولي عز وعلا للمستضعفين. نحتاج الي منهجية تهيء لنا فرصة التعرف علي خياراتنا العلمية والموضوعية، فقد اعيتنا الاوهام وبترت اطرافنا الوثبات الجائرات ومحاولات القفز فوق المعضلات (هناك فرق عند اخصائي التعليم بين ال Self-Esteem "احترام الذات" وال Self-Efficacy" الكفاءة الذاتية").

اولي هذه الخطوات ادراك الشعب يقينا ان من يتصدون لتمثيله اليوم هم خائنيه وخاذليه وقد تحقق ذلك من خلال

تاريخ طويل لا يفسح المجال لعرضه. وان فرية البديل (ومن هو البديل؟) مردودة عليهم لان اقل المواطنين كفاءة اشرف وانبل

من هؤلاء المجرمين. ثانيها عدم انشغاله، اي الشعب، من الآن فصاعدا باحاديث المدينة التي تتوهم إمكانية حدوث إفاقة او صحوة ضمير لأفراد العصابة وان يدع اللهث وراء الشائعات التي تقول بأن خلافا يوشك ان يحدث بين الاسلاميين أو ان خلافا حدث بين المدنيين والعسكريين او العسكريين فيما بينهم (فقد سرح الجيش وقوضت المؤسسة العسكرية منذ امد بعيد ولم يبق إلا بعض النفعيين والانتهازيين).

لقد وقعنا مرارا في احابيل هذه العصابة التي تستخدم الشائعات لا الانجازات وسيلة لتمديد حكمها المتهاوي. كما يكفي تقفيا "لنظرية المؤامرة" التي تزعم ان هناك حكومة خفية او غير مرئية يمكنها ان تنقذ البلاد من موبقات التخبط او جهالات الجاهلين، فهذا كله يفضي بالمرء للسبح في ساحة المعجزة او الخوض في مغارة العجز.

اشتكى احد المزارعين إلى أبن أخيه المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية اجتراء الفئران على مزرعته. بعد استشارة احد العلماء الامريكيين تم الاتفاق على ارسال فأرة إلى الحقل المأزوم. استغرب العم على هذه الفكرة، لكنه اذعن ريثما تأتي التكنولوجيا بأعجوبة تعينه على التخلص من الفئران التي التهمت محصوله بشره متزايد. ما ان توسط العم --المتحير حتي هذه اللحظة-- الحقل حتى اطلقت الفأرة بعد تشغيل البطارية ازيزا كهربائيا تداعت له ثائر الفئران. ما إن تحولقت الاخوات حتي أصدرت الفأرة المستوردة صوتا مُدويا انفجرت من بعده موديه بحياة كافة المعتدين الاثمين. انشرح صدر العم محتفيا ببراعة ابن اخيه، لكنه سرعان ما استأنف قائلا "دحين يا ود اخوي ما عندكم واحدة عندها دِغَينه صغيرة!"

كتب غارسيا ماركيز في روايته الفضلي "خريف البطريك" واصفا الديكتاتور بالجنرال الذي كان يطوف في السنوات الاولي من سلطته جميع أرجاء البلاد مما اكسبه شعبية دائمة جعلت الشعب يتحاشى توجيه اللوم اليه في كل ما حل به من المصائب، بل يتنهدون من أعماقهم في كل مرة يسمعون فيها عن عمل وحشي جديد قائلين "آه لو ان الجنرال يعلم!" (سيرة حياة غابرييل غارسيا ماركيز، جيرالد مارتن، الدار العربية للعلوم ناشرون، ص:474).

هل ايقن السودانيون بعد المهزلة التي حدثت مؤخرا )حيث أنها حتما لن تكون الأخيرة فهنالك مذكرة تفسيره للرؤية الفلسفية التي قدمها المشير على غرار "حزمة الإصلاحات الاقتصادية" التي وعدنا بها الرئيس بعد المؤتمر الصحفي الذي اعلنت فيه زيادة الأسعار)، انه لا يوجد جنرال انما مسخ لعسكري تم استدراجه في الانضمام لتنظيم الاسلاميين قبل ان توكل لعلى (بيلو) مهمة توفيق اوضاعه المعيشية وتثقيفه في جامعة افريقيا العالمية. الامر الذي لم يفت علي بديهة طلاب جامعة الخرطوم الذين خرجوا في مظاهرة تلقائية في اول يوم للانقلاب مرددين هتافا اثبتت صدقيته الايام (كضاب كضاب الجبهة تحت الكاب)!

ليس الاشكال في العسكريين انما في النوع الذي ارتضي لنفسه التعامل مع مجموعات ايديولوجية ضاربا بعرض الحائط المصلحة القومية والوطنية. مع ضرورة بل اهمية الانتباه للفرق النوعي بين البشير ومن سبقه الي الحكم من العسكريين والفرق الدرجي بين النميري وعبود رحمهما الله جميعا واكرم مثواهما في الجنة.

الحق أن الجنائية قد وضعت الشعب في خانة لا يحسد عليها، فرئيس الجمهورية هو الحاكم بأمر الله (بعد أن كان متحكما فيه) ولن يأل جهدا في التمديد واصطناع الحيثيات لشرعنة الانتخابات وتزويرها علي رأس الاشهاد، ولو ان يستعين بكارتر وسارتر. لا تعجب ان قال لك بعض موظفي المنظمات الدولية انهم يتنافسون علي المجيء الي السودان اذ ان مقدم احدهم او احداهنَّ قمين بإغنائه او اغنائها في فترة وجيزة مختصرة المدة عليهم: المسألة لا تعدو كونها مجرد تصريح هايف واذا اقتضي الامر فبلع الذمة يضع صاحبه في مصاف الوجهاء من جراء الآتاوات التي تدفع يمينا وشمالا. لماذا يتورع الاجانب اذاً ذا كان اهل البلد متطوعين بإسداء الجميل للغريب، وللحبيب وللنسيب؟ الم يصرح المسؤولون مرارا ان الانقاذ ما عندها كبير فسواء عندها الجمل والحمل؟

يخطئ الإنقاذيون إن ظنوا أنهم قد ورطوا البشير ، لأنهم هم المتورطين إذ لم يعد لديهم ما يراهنون عليه غير التسامي فوق الارضي وقد إستنفدوا حيل التسيس لما هو سماوي. صدق امام المتقين علي (رضي) يوم ان قال: وهل اغتني غني الا بفقر فقير! وهذه لعمري قمة الفلسفة الاخلاقية، من لها غير ابا الحسنين؟

ثالث هذه المستدركات هو تأهب الشعب لتحمل التبعات التي يقتضيها التغيير فلم يك يوما "تقيئ التاريخ لامعائه" يسيرا، وتهيئ قادته الميدانيين لاتخاذ تدابير غير تقليدية وقادته السياسيين والمدنيين الحداثيين غير الاثمين لاتباع سبل ناجعة لنفض الغبار بل الادران، الرجس، والدنس الذى علق على جلباب الحركة السياسية واستنفارها حتى تستنهض الشعب وتسير به قدما نحو باحة الحرية، التنمية و الاخاء.

متى في مجمع البحرين أقرن سالفي بغدي

ويصبح جوهر الأزمان حيث الآن ملء يدي

وأحيا بي بلا كيفٍ أضل به ولا عدد

متى يا وقدة الميلاد من قبلي أرى مددي

(الاستاذ الدكتور النور حمد)

قبل الانتقال الي منصة التأسيس وتشكيل هيئة (محتزية بتجربة مؤتمر الخريجين ومتفادية اخطاؤه قدر المستطاع) عمادها النخب السودانية النبيلة التي لم تسع يوما لاستثمار محنة اهاليها (بل آثرت الاغتراب عن الوطن او الصبر علي مذاق الغربة بداخله)، ينبغي التيقن بأن هذا النظام فاقد لأي مشروعية أخلاقية وفكرية تؤهله لإدارة البلاد والخروج بها من الأزمة. عليه يجب التفكير جديا في خصائص المشروع البديل وعدم إهدار الجهد والعمر (ما بقي منه) في محاولة إصلاحه، وهي كالاتي:

اولا، إن استنهاض هِمَّة الوسط السوداني (الذي من دونه لا يمكن للديمقراطية أن تستمر ناهيك عن أن تزدهر)، وذلك من خلال فك الاشتباك بين القوى التقدمية والقوى التقليدانية، لن يتم إلا باستحداث نظم مؤسسية ودستورية، تضمن قيام وحدة سودانية، مبنية على أسس أخلاقية وفكرية، تهيئ لهذا الشعب استلهام عبر التاريخ واستشراف آفاق المستقبل، من خلال التعامل الموضوعي مع واقع التفاوت الاقتصادي وحقائق الاحتقان السياسي والاجتماعي.

متى ما تعافي هذا الشعب من أمراض العنصرية وأوهام الاستعلاء العرقي فإنه لا شك سيكون نبراساً لأفريقيا التي لم تزل ذاخرة بالعطاء مذ فجرت الحضارة النوبية أسباب النهضة العلمية الأولي ومهدت سبل التواصل الإنساني بين الشعوب السودانوية. كي يتحقق هذا الأمر يجب أن تتغير الأطر الإعلامية والتعليمية فاسحة المجال للحرية.

ثانيا، إن إفساح المجال للفرد لمناقشة الحدود الأخلاقية التي يراد له الامتثال بها ينشئ علاقة تعاقدية تحقق على المدي البعيد توازناً اجتماعياً.إن الحرية تجعل من الفرد شخصاً لأنها تحرر وجدانه وتحرر نطاق توجهاته الفكرية. ليس هذا فقط بل إنها أيضاً تجعل من الشخص كائناً منتجاً إذ تغريه للإنعتاق من الخرافة وتستدفعه نحو الابتكار الذي من دونه يستحيل السيل إلي جلمود والأفق إلي شاهد مسدود.

إن التساؤل حول مفهوم الحرية هو تساؤل حيوي حول علاقة الفرد بالذات، الذات بالمجتمع، المجتمع بالدولة، الدولة بالمجتمع الدولي الكبير. إذن هو تساؤل حول ماهية الوجود وفرض الموجود ولذا يلزم التعامل مع هذا الأمر على أساس أنه قوت الحياة المتداخلة التي تنشد التوازن وليس ترف ينشده المثقفون . نتيجة لسياسات القمع فإن الحرية تتضاءل في واقع الحياة وتتضخم في الذهن مما يحدث أرقاً هو أشبه بالانفصام منه بالعنت. ومن هنا نفهم جدلية العلاقة بين ضعف مؤثرات التحرر في المجتمعات العربية وقوة المطالبة بها (دليل التنمية العربية 2005 م).

ثالثا، إن العوامل البنيوية والمؤسسية قد حيَّدت إمكانية المثقف للتأثير كما ثبطت همته وأقعدته عن خوض معركة الوعي. إن العوامل البنيوية تتبدي في الانقسام أفقياً بين فهم إيديولوجي للنص وآخر تأريخي اجتماعي (حتي نخرج من ازدواجية علماني إسلامي)، ورأسياً بين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية . أمَّا العوامل المؤسسية فهي الإصرار على منهجية أحادية تصر على الاستحواذ بالكلية على الفضاء الأثيري والإمعان في نفي الأخر من خلال الإنكار (الواعي وغير الواعي) لحقوقه الدستورية.

رابعا، يجب استصدار قرار بفصل السلطة الزمنية من السلطة الروحية، مع إحالة كافة رموز الطائفية والامبريالية الاسلامية الي المحاكمات الثورية ووضع بقية النخب المتواطئة علي ذمة التحقيق. هذا الترتيب يهيئ للدين أن يكون عقلانياً وللسياسة أن تكون أخلاقية، إذ أن ما يحدث الآن هو وأد لمقدرات الوسط وهدر لهمة العملاق الذي ظل قعيداً حيناً من الدهر. حينها يمكن تقديم الدعم اللوجستي والمادي اللازم للمؤسسة السياسية الحزبية حتي تتأهل لتحمل المسؤولية المنوطة بها فدراليا وتهيئ للحكم مركزيا من خلال فترة انتقالية مطولة (لا تتجاوز ال 7 سنوات).

خامسا، إن النظام الرئاسي ( على الطريقة الأمريكية) يضمن وحدة البلاد من حيث أنه يلبي للريف أشواقه الروحية دون




أن يتعرض لمحاولة ابتزاز سياسي كتلك التي شهدناها في الديمقراطية الثالثة. كما إن استحداث مجلس شيوخ يضمن

للزعامات الدينية والعشائرية واصحاب الامتياز من العلماء والعسكريين وكبار الموظفين حقها السيادي شريطة أن تمتنع عن منافسة القوى الحديثة في مجلس العموم ( أو البرلمان السوداني) .

إن إفساح المجال للشباب الذي هو وقود المستقبل لن يكون إلاِّ باستصدار قرار يمنع كل أولئك الذين تقلدوا مناصب تشريعية ، دستورية أو سياسية حزبية منذ الاستقلال من المساهمة في العمل العام . هكذا ، وبضربة مُعلم نكون أن قد تخلصنا من ظاهرة العهر السياسي التي أعيت من كان قبلنا.

سادسا، للخروج من مأزق الحرب المتفاقم لابد من التركيز على مبدأ التنمية الريفية المتكاملة. إذ أن التنمية تقلل من الغبن الذي هو وقود الحرب المعنوي، ومن ثم تساعد الدولة على تخفيض منصرفاتها الأمنية. بالعدم ستظل الدولة تصرف مواردها على حرب ضروس كما تسعي لتحقيق هدف ميؤوس. إن ما يرد إلي الولايات على قلته لا يصرف على التنمية إنما يوجه ( 80%) منه الي الأمن ويوجه ما تبقي على المرتبات ومستلزمات الوزراء، المفوضين والمعتمدين.

إن التقسيمات الإدارية غير المبررة اقتصادياً لم يقصد منها تذويب العصبية إنما تأجيجها ، بهذا تكون هذه الترتيبات قد أضعفت الوضع التفاوضي لهذه الجهات في الإطار الكلي مما جعلها في منأي عن مركز القرار. إن اللامركزية لا تعني التسيب الإداري ، وإذا تشابهت علينا المفاهيم فيمكن أن نسترجع مفهوم ال 7 أقاليم (22 مديرية) من منظور فدرالي يحقق توازنا سياسيا وتوافقا إداريا. سيما أن التجارب قد أثبتت عملياً أن هذا البلد أفخم من أن يحتويه قالب أيدولوجي أو أن تستخفه أوهام نخبة تتعامل إصطفائياً مع الخصائص الثقافية للشعوب في محاولة لدرء الخصائص المتنافرة والإبقاء على تلكم المتجانسة.

سابعا، بالرغم من مشروعيتها السياسية فإن معظم الاتفاقيات باتت تفتقر إلي سند جماهيري لأن قادتها فهموا أن " السكات رضا " فعمدوا على القفز فوق معاناة الأغلبية الصامتة لتحقيق طموحاتهم الشخصية وأهدافهم الآنية. عليه فيجب إتخاذ تدابير صارمة تمنع أي جهة من فرض رؤاها عسكرياً على المواطنين، سيما أن ضعف الجبهة الداخلية وتضعضع الدولة المركزية قد هيأ لاضمحلال الحدود شيئاً فشيئاً حتي ظن الاكلة أن القصعة لا راعي لها. هذا الخطر لن يدرأه فقط الحسم العسكري إنما الدبلوماسية النابهة التي تجعل المجتمع الدولي يوقن بأن سوداناً مبنياً على أسس عدلية وتوافقية يمكن أن يكون أساساً للاستقرار في المنطقة بأكملها.

ثامنا، في غياب الكادر المؤهل الذي يمكن الاعتماد عليه في إدارة الخدمة المدنية ، يلزم انتداب لجان مختصة في مجالات الاستراتيجية، الإعلام، الاقتصاد، إلي أخره من كافة أنحاء المعمورة. هنالك كوادر محلية لم تزل لديها قدرة على العطاء يلزم ، والتقنية مع المكتسبات الميدانية. يوكل إلي المختصين مهمة الإعداد لمؤتمر جامع تسبقه حوارات جزئية (بين تدعيمها بسودانيين اكتسبوا خبرات متميزة في الولايات المتحدة، أوربا، الخليج، إلي أخره حتي يتوافق المنظور العالمي مع الخبرة

المحلية) وتدعمه دولة راغبة (وليست فقط مانحة) في استثمار علاقتها مع السودان استثمار حيوي يعود على الطرفين بالإيجاب.

تاسعا، تعميق مفهوم الديمقراطية مع إعطاء الأولوية للحكمانية (أو ما يسمي تجوزاً الحكم الراشد) التي توازن بين الإستقرار المعنوي (توجيه العاطفة) وذاك المادي (إمكانية المؤسسة على تحمل الأوزان غير المرشدة وتصويب تلك النافذة بمقدار). من الناحية التطبيقية يلزم التوفيق بين الارادة السياسية والسياسة الادارية. وذلك لا يكون إلا بتكوين حكومة تمزج بين الكفاءة والرشد السياسي.

ختاما، إن الأرق الذي ينتابني هذه الأيام، هو من مثل الأرق الذي يحسـُّه المثقف عندما يلقى بإحدى أذنيه على الأرض فيسمع قارعة الطبول تستحثه أن يجيب عن سؤال: ما الذي يجب فعله حال وجود فراغ سياسي (Power Vacuum) وقد اعتاد أن يسأل نفسه: كيف يمكن فهم الواقع؟ وبأي أدوات يمكن أن نلج إلي العمق دون أن نألو جهداً للإمساك بأطناب الموضوع؟ إنها محنة يعيشها مثقفو دول العالم الثالث ولابد من خوضها، لكن على نحو متوازن يجعل الثقافة موجهة للسياسة وليس العكس. أرجو أن يعذرني القارئ لأنني أغفلت متعمَّدا التعرض لكيفية الانتقال من الواقع المزرى الي استشراف الرؤية البهية، وما ذلك إلا لأنني موقن بأنه متي ما ايقن الشعب (كل الشعب: الكلية هنا قرينة الانسانوية وليس الدغمائية التي كررها الخطاب المقيت) بجدوي المشروع البديل فسيلهمنا هذا الهمام عبقرية للتخلص من هؤلاء الآبقين الراكنين (ولا تركنوا الي الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)(هود:113 ).


تعليقات 17 | إهداء 0 | زيارات 3470

التعليقات
#906008 [ست الدار]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2014 03:44 PM
عقل وفكر ومنطق ولغة تليق بالسودان وأهلة سلمت يا دكتور الوليد ودمت زخرا لوطنك .. ولكن للأسف أين نحن من ناس "لحس الكوع" و"دغمسة" و"البت ما ركزت للجلد" و "السودانيين شحادين" والقائمة تطول..


#905725 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

02-04-2014 11:11 AM
اذا نظام الانقاذ الانقلابى اللاشرعى الانقلب على الديمقراطية والشرعية فى 30 يونيو 1989 لا يدرك ان حل مشاكل السودان يتمثل فى الحكومة القومية والمؤتمر القومى الدستورى واطلاق الحريات ووقف مؤقت لاطلاق النار لحين الفراغ من المؤتمر فهذه مصيبة وان كان يدرك ذلك ولا يريد عمل هذا الشىء فهذه مصيبة اكبر!!
هذا النظام فقد شرعيته واهليته لادارة السودان ولابد من تغييره لان فى استمراره خطورة على الوطن وتنفيذ اجندة اعداء الوطن وبكل غباء !!!
هل يوجد افضل من وقف العدائيات واجتماع شمل اهل السودان للحوار الوطنى وبدون شروط من احد ليتفقوا على الحد الادنى لكيف يحكم السودان ؟؟؟؟
اى زول او حزب يرفض هذا الكلام يكون عميل وخاين للوطن وعنده اجندة اجنبية !!!
لا عرب ولا عجم بل سودانيين فقط يضعوا السودان اولا وثانيا وللمرة المليون قبل اى شعب او دولة مهما كانت جربتوا حكم الانظمة القذرة الواطية ناس القومجيين العرب واخيرا حكم الاسلامويين القذر نريد نظام حكم راقى مثل بريطانيا والهند وبنكهة سودانية نقوم ونقع حتى نمسك الطريق كويس ونصير نجوم وتانى خلى ود رقاصة او من هم معهم يتطاولوا علينا عشان يعرفوا الله واحد!!!!


#905308 [ود أحمد السودانى]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 11:03 PM
الأخ د الوليد لفد وصل معظم أفراد الشعب السودانى الى قناعة تامة أن هذا النظام فاسد ومجرم وظالم ولكن ماهو الحل وإتخاذ الخطوات الجادة للخلاص بدل أن نقف فى مكاننا حيارى.
1. لتنطلق الثورة من الأحياء لنجعل شباب خلايا الثورة بالاحياء أداة الثورة للتخلص من هذه الطغمة الفاسدة.
2. الاستفادة من المغتربين بالخارج لدعم الثورة اعلاميا وماديا والتواصل الالكترونى . على المغتربين الناشطين فى مناهضة هذا النظام الفاسد التفكير جديا فى تشكيل جسم سياسى بعد أن فشل التحالف الوطنى بالداخل من تحريك الشارع( مجلس وطنى أو مجلس انتقالى أو قوى التغيير أو أى مسمى يعبر عن هذه المرحلة ) يضم كل أطياف المعارضة السودانية بالخارج مهمته ايجاد الدعم السياسى والدبلوماسى والاعلامى للاعتراف بالثورة السودانية ولرفع معنويات الشباب الثائرين بالداخل. عليهم التوافد إلى قاهرة المعز والإستفادة من التجربة المصرية والإعلام المصرى فى تعرية وعزل تنظيم الإخوان.
3. العصيان المدنى يمكن أن يكون بعدة طرق مبتكرة منها: يجب مقاطعة كل المناسبات الرسمية والإحتفالات التى تقيمها حكومة المؤتمر الوطنى, مقاطعة الإعلام الرسمى للحكومة من تلفزيون, إذاعة والصحف. على طلاب الجامعات مقاطعة إتحاد طلاب المؤتمر الوطنى والحفلات التى أصبح يقيمها يومياً لإلهاء الطلاب عن قضايا الوطن. مقاطعة كل الأنشطة التى تقيمها نقابات التزوير. وهذه صورة من صور العصيان المدنى لعزل النظام.
4. على الجبهة الثورية وإن إختلفنا معهم فى طريقة إسقاط النظام مع أن الهدف واحد تقوية خطابها السياسى والإعلامى لإزالة كثير من الأكاذيب التى بثها إعلام المؤتمر الوطنى. على الجبهة الثورية تنظيم شبابها فى الجامعات والأحياء فى جسم سياسى موحد لمناصرة شباب الثورة لمواصلة إنتفاضة 23 سبتمبر الشعبية.
(إن الله لايصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون)صدق الله العظيم. المصلحون يأتى بهم الله من رحم هذا الشعب الصابر.


#905011 [AburishA]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 04:57 PM
لك التحية اخ د.مادبو... نعم لقد تبين الرشد من الغي...لقد تمايزت الصفوف وهذا خير كبير في صالح المناضلين الشرفاء.. الحمد لله لقد (اتلم) و (اندغم) المغضوب عليهم مع الضالين في جهة واحدة..لقد حزمنا أمرنا..لاتراجع ولا تخاذل بل تضحية.. كل التضحية لاسقاط الطاغوت.. مشكورين يادكتورين.. الان اكتبوا لنا عن أي آليات اسقاط النظام..عن أدبيات وثقافةاسقاط النظام..عن نماذج مناضلين لاسقاط النظام ..عن ما بعد اسقاط النظام.. لأنه ساقط ساقط لا محالة ولو أنكر المخذلون ومثبطي الهمم من ذوي الجلاليب البيضا مكوية والظهرية والزرقا..ولو كره الأفاكون.. لقد اصبح الموت والحياة لنا سيان.. بل نسعي لن يكون موتنا بشرف.. فاما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ هؤلاء البلهاء... تاني مافي لون (أغبش)او رمادي يا ابيض يا اسود.. فمتى نحسم أمرنا!! أبعد نصف قرن من الزمان!! اصح ايها الشعب البطل! والا حتما ستلعننا الاجيال..سيتُف على وجهنا التاريخ...


ردود على AburishA
[AburishA] 02-04-2014 12:37 AM
تصحيح مطبعي لايفوت على فطنةالقاري الكريم
(بل نسعي ان يكون موتنا بشرف) بدلا عن (بل نسعي لن يكون..) وشكرا


#905009 [kamal]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 04:55 PM
مقال رائع و اوافقك على كل ما جاء به فقط انبه ان امام المتقين هو سيد المرسلين سيدنا محمد عليه افضل الصلاة و اتم التسليم و ايضااى قول فصل له سيد المرسلين اولا و نحفظ لسيدنا على كرم الله وجهه مكانتهو تقبل تحياتى


#904979 [كاره الكيزان محب السودان]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 04:44 PM
مقال أكثر من رائع يا دكتور حفظك الله، ويا ريت الشعب السوداني يتذكر هذه الحقائق التي ذكرتها في هذا المقال الرائع.


#904967 [kamal]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 04:33 PM
دكتور/ الوليد
( علم وزيادة....)
اسمعت اذ ناديت حيا....ولكن لا حياة لمن تنادي
أللهم هل من مجيب ؟


#904953 [ابو احمد]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 04:15 PM
very nice indeed


#904951 [صبري فخري]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 04:09 PM
الحل سارع بالانضمام إلى حركة تغيير السودان من اجل إسقاط النظام و من اجل سودان حضاري ارسل اسمك ورغم تلفونك على الأيميل [email protected] كن إيجابي لا تخف كن التغيير


#904945 [madibo]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 03:57 PM
أهم نقطة في المقال ( التعافي من أمراض العنصرية وأوهام الاستعلاء ) وبعدها السودان إلي الامام انشاء الله.


#904934 [ابوكرشولا]
5.00/5 (1 صوت)

02-03-2014 03:38 PM
روعة فى كل شىء وترتيب فى كل شىء وبلاغة فوق كل شىء - السودان بخير مادام فيه ناس بهذا المستوى الفكرى المتقدم - حفظك الله


#904919 [محمد]
5.00/5 (1 صوت)

02-03-2014 03:20 PM
brilliant


#904891 [مسؤل مقال]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 02:52 PM
يتكلف السيد( ولي )الوان البلاغة محاولا ايهامنا انه خلع جلابيه علي بيلوا بينما طاقيتها تمد لسانها ساخرة من علي راسه !عندما يضرب احدهم يقولو لماذا ضرب ؟وليس ,كيف ضرب ؟فهل لك ان تقول لماذا ضربت ؟؟!!


#904883 [المشتهى السخينه]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 02:41 PM
من الذين ادمنوا العهر السياسى كما جاء فى افادة الدكتور الوليد نقول بعض الاسماء .. اسماعيل الحاج موسى .. تيتاوى ..سبدرات ..على شمو .. سوار الدهب ..الصادق المهدى .. الميرغنى .الترابى .قيقم الفنان ..احمد البلال ..عمر الجزلى .بدريه سليمان ..


#904850 [abumojtaba]
0.00/5 (0 صوت)

02-03-2014 01:59 PM
لم يستبينو النصح حتي ضي الفجر اليتهم يفقهون قولك يادكتور هؤلا لايتمتعون الا بازلال شعبهم


#904848 [abu shawarib]
5.00/5 (1 صوت)

02-03-2014 01:54 PM
راقى ونؤيد رؤاك


#904832 [محجوب]
5.00/5 (1 صوت)

02-03-2014 01:30 PM
السيد الدكتور الوليد ماشاءالله عليك فى كل شئ ترتيب الافكار واللغة العالية الرصينة والمنطق والحجة فى تعرية نظام الضلال المتأسلم انت بالجد تشرف كل سودانى والله اثلجت صدرى لك من كل قلبى تحية نقية كنقاء انسان السودان قبل مجئ الانقاذودمت زخرا لنا.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
9.13/10 (4 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة