الأخبار
أخبار إقليمية
السلام وطريق الحوار القومي في السودان



02-12-2014 04:21 PM

عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحرب، إذن، ليست علاقة بين إنسان وإنسان، بل بين دولة ودولة، يتحول فيها الأفراد إلى أعداء بمحض الصدفة) جان جاك روسو.
تمثل مراكز الدراسات والبحوث، أحد وسائل المعرفة المنهجية، وتقديم الإستشارات والإستفسارات العلمية الهامة، في مختلف حقول المعرفة وأنشطة الحياة الإجتماعية وأمهات القضايا الراهنة، وهي أحد إفرازات الدولة الحديثة، في سعيها نحو التخصصية وتجويِّد المعرفة الدقيقة والمهنية في مختلف المجالات. وإضافة الي إستفادتها من القدرات الفكرية والعلمية للأفراد ودعمها ورعايتها للمواهب، فإنها تُقدم لمُتخذ القرار، الرؤية الشاملة والإحاطة بكل جوانب الموضوع قيد البت في شأنه، وتاليا الإختيار بين عدد من التفضيلات، او أكثرها قربا من تحقيق المصلحة العامة، لدي مظان مُتخذ القرار. وأغلب هذه المراكز المُتخصصة، وبغض النظر عن مصادر دعمها او تأثُرها بمصالح ونفوذ الدول التابعة لها، فإنها تتميز بالمهنية والجدية وقتل نفسها وعصف ذهنها، فيما نذرت نفسها للتصدي له. وطبيعي أن هذه المراكز تتأثر بالمحيط الذي تعمل من خلاله، أي يختلف أداء ونتائج دراسات المراكز، التي تعمل في بيئات ديمقراطية، عن نظيراتها التي تعمل في بيئات شمولية وإستبدادية! بوصف هذه الأخيرة توظف كل الوسائل بما فيها هذه المراكز، لتعمل كأحد آليات إستمرار هذه النظم القهرية، ولكن بصيغة أكثر علمية وبنوع من الحياد الخجول! ولكن ورغما عن المجهودات التي تبذلها هذه المراكز في البيئات الإستبدادية، إلا أنها كغيرها من مؤسسات الدولة الشمولية، فهي مُجرد مُلحق، ومنتجاتها تتخذ صفة الديكور او كسمة حداثية، لأ أكثر ولأ أقل! وتاليا تصبح مجهوداتها سواء أكانت موجهة او حيادية، جادة او هزلية، هباءً منثوراً! بمعني، إن الإستبداد وكجزء من طبائعه، يعمل علي إفراغ الدولة ومؤسساتها ومراكزها من مضمونها، لأن المضمون الوحيد في الدولة الإستبدادية، هو السيد الزعيم!!

وبعيد عن التعميم وبالتركيز علي المُبادرة المطروحة من قبل معهد السلام الأمريكي، والمعنونة ب(الطريق للحوار القومي في السودان) بقلم كل من برنستون ليمان وجون تيمن وبترجمة مُتقنة للدكتور عبدالرحمن الغالي، والمنشورة في عدد من المواقع الإلكترونية. نجد هذه النشرة/الورقة/المبادرة، وفي إعتقادي الشخصي، تُمثل أحد ثمرات هذه المراكز، وعينة لنوعية الجهد المبذول والإنضباط العلمي والإلمام بالقضية قيد البحث والحيادية، التي تتوافق مع أهداف المعهد الساعي لنشر السلام وتدعيِّم أُسس إستقراره وبقائه. ليس لمردوده الأخلاقي فقط، الذي لأ تنتطح فيه عنزان مُكابرتان! ولكن أيضا لمردوده السياسي والإقتصادي والإجتماعي، علي تماسُك اللحظة الحضارية الراهنة، التي تجني ثمارها الشعوب المتقدمة خاصة، وغالبية شعوب العالم ولو بدرجة أقل!

الورقة كما أشرنا سابقا منشورة لمن أراد الإطلاع عليها، لذلك التركيز سينصب علي محاولة إنزالها علي أرض الواقع! او علي الأقل الإستفادة من مزاياها داخليا، او التعامل معها كمخرج(نفاج) تلج منه الفاعليات الناشطة سياسيا ومدنيا، لإحداث إختراق جدي، في أزمة الوطن المُستحكمة وحروبه التي لأ تتوقف. وذلك بعد تجريدها من المخاوف، وهي مخاوف بعضها مبرر ومعظمها متوهم، عن نوايا مُطلقيها او اهداف المركز المتبني لها! وعموما هي هواجس تُعبر عن نخب ودول العالم تحت الثالث، لإحساسها بالنقص والعجز، تجاه مُنجزات الدول المتقدمة، وطُغيان أثرها وتاثيرها وجاذبية نموذجها، ومخالطته حتي لأحلام وتطلعات كارهيه ظاهريا او (لأ وعييَّا) لوجاز التعبير! وتتمثل أكبر عقبة في إنزال تلك الأفكار والمبادئ العامة والتساؤلات الموضوعية، المُتضمنة داخل صلب تلك المُبادرة، في أنها تُمثل في حد ذاتها مواجهة بين عقليتين مُختلفتين إن لم تكونا مُتضادتين!! وذلك لأن المُبادرة تمثل إنعكاس للتفكير البراغماتي الواقعي العملي، الذي يُميز الفكر الغربي! بمعني أنه فكر مركب ومعقد ومستوعب للواقع بكل تناقضاته وعقباته، وكذلك فرصه المُتاحة وكيفية إستثمارها والإستفادة منها لأقصي مدي، وهو الأهم لتلك النزعة البراغماتية الواقعية! اي ليس بالمعني الأخلاقي المُجرد، الذي ينحو نحو المُطابقة بين المبادئ والواقع بكل تعقيداته وتقلباته وضبابية إستيعابه أحيانا، وهو مطلب قد يمثل ذروة سنام المساعي الإنسانية في ترقيها نحو الكمال. وبكلام أوضح، إنه في خياراته يحاول إغتنام الفُرص المُتاحة كما هي في الواقع، او كما تتناسب مع موازين القوي الحاكمة للواقع، وليس ما يناسب رغباته او إمنياته او حقوقه القصوي! ومن ثم يعمل علي توسيعها ودعمها والإنطلاق منها لخلق فرص أخري، وهو يتجه نحو إنجاز المصلحة العامة بالتدرج، او تغيير موازين القوي التي تحكم الواقع، لتعمل في صالحه سلميا! أي ليس السعي للإنتصار بالضربة القاضية، وبغض النظر عن الإمكانات والظروف المحيطة وتكلفة ذلك الإنتصار، والمخاطر التي تتهدده، وخفضه من قيمة المصلحة العامة المرتجاة نفسها! وهو في سعيه ذلك يعلم حجم العقبات والتحديات، وهو يواجِهها ويوجِهها نحو هدفه المركزي، وهو الوصول للمصلحة العامة، في أقصر مدي وبأقل ثمن ومخاطر! وبكلمة واحدة هو عقل يُعلي من قيمة الحياة الإنسانية! وذلك بالعكس تماما من العقل الرعوي (او الذهنية الباديوية "من البادية") الذي يحكُم البيئة المراد تنزيل المبادرة إليها! بمعني أنه عقل تبسيطي وحدي، يؤمن بالقبول الكامل او الرفض الكامل للأشياء او الخيارات! أي يعمل بآلية مع او ضد، إما كل الأشياء بيضاء او سوداء، سالبة او موجبة! أي إما إمتلاك كل الأشياء، السلطة، الدين، الفضاء العام..الخ، او رفض ما هو قائم رفضا قاطعا! لأ يقبل أي محاولات او تأويلات، تُساعد في تقريب الشُقَة بين الفُرقاء، سياسيا، دينيا، قبليا، مناطقيا، إيدولوجيا...الخ، وتدعم المُشتركات، والتي غالبا ما ينكر وجودها، خوفا علي النقاء الكامل والمتوهم، عرقيا وثقافيا وتاريخيا وإجتماعيا...الخ، الذي يُسيطر عليه! وهو عقل أسوته الحسنة، ونحن أناس لا توسط عندنا لنا الصدر دون العالمين او القبر! ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا!! وهو عقل لأ يمتنع علي قبول الآخر فقط! ولكن لأ يوجد فيه للآخر مساحة أساسا، ليتم قبوله فيها، فكل المساحة مشغولة بالأنا في عليائها وبرجها العاجي!! وهذه العقلية وبتكوينها التخيُلي هذا، تُشكل بيئة خصبة لنمو نظريات المؤامرة والإستهداف، المدمرة للذات، بسبب الهروب من مواجهتها وتخليصها من عيوبها وأوهامها! وأيضا تُشكل أرضية مُلاءمة لإستزراع الإيديولوجيات الخلاصية! التي تعيد إنتاج الواقع والأصح قسره، ليستجيب لحلولها او قراءتها للواقع، وأغلبها قراءة ماضوية تحِنْ لمُتخيل نموذجي، او تحيِّل الي مثال ذهبي، لكي تردم الهوة السحيقة بينها وبين تفلتات الواقع، وصعوبة ضبطه علي ميقاتها المفوت تاريخيا والمُعاند لسُنة التغيير! أو لمُعالجة حالة إفتراقها المُستعصية للواقع، وغُربتها عن المجتمع وقوانينه الحاكمة والناظمة لإيقاع حركته! وبتعبير محدد، هي ذهنية تعبُدية وليست نقدية! كرصيفتها الغربية، التي خضعت لتجارب قاسية وشروط صعبة ومعقدة، لتجتاز حالة الشلل والركود التي ميزتها لعدة أجيال، وللأسف ما زالت مجتمعاتنا ترزح تحت نيرها!! بمعني، إن أول خطوة لنجاح المبادرة، تتعلق بالتخلي عن العقلية الرعوية، التي تتطلع لنيل أقصي المطالب ما ظهر منها وما بطن! والتسلح بالعقلية الغربية، التي تتفاعل مع المُمكنات، وتبني عليها خطط المستقبل وطموحاته.
ونبهت المبادرة بوضوح، الي أهم مخارج الأزمة الوطنية، وهو ضرورة الإبتعاد عن الحلول الجزئية والإتفاقات الثنائية، التي أثبتت واقعيا أنها لأ تعالج جذور الأزمة، وهي تؤدي إما للإنفصال او ظهور مناوئين جدد ومطالب جديدة وهكذا دواليك! هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فهي تصب في مصلحة النظام، الباحث عن تفريق وتشتيت جهود المعارضة، وإظهارها بمظهر الباحثة عن مصالحها الخاصة او السلطة والإمتيازات حصريا، او كأن النظام رسول سلام ووفاق! وهذا شرف لا يستحقه نظام تخريبي تقتيلي بإمتياز! كما أنها تشوش علي الرؤية الواضحة، والمتعلقة بالأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد، والمسؤول عنها النظام حصريا! وتاليا تحتاج لمواجهة النظام وإجباره علي قبول الحل الشامل. الذي يؤسس للدولة الواسعة، التي تستوعب الجميع وتعبر عن كل مكونات المجتمع ومناطقه، وتقطع نهائيا مع الدولة الضيِّقة، المُسيطرة تاريخيا، والتي عبرت عن بعض المناطق والأفراد والإيديولوجيات! وأوصلتنا الي الطريق المسدود الحالي، بكل فشله وأزماته ورهنه للدولة والمواطنين الي المجهول! بمعني أن الأزمة الوطنية طالت كل المناطق، وتضررت منها جميع شرائح المجتمع وطبقاته، لذلك أي حل لأ يمر عبر إشراك الجميع بواسطة ممثليهم، وتلمس همومهم وتطمين مخاوفهم، يمثل إعادة لإنتاج الأزمة، ولكن في صورة أكثر خطورة ومأساوية!!

والمبادرة كما أسلفنا تنطلق من أرضية محددة، وهي إرساء دعائم السلام، وذلك بالطبع لن يتم، إلا بعد الإعتراف بمسببات زعزعة ركائز السلام المنشود. ومن ثم السعي الجاد لحلحلتها، وخلق شروط إستدامته كما هو مطلوب بإلحاح، وهدفت إليه هذه المبادرة. والسلام بالطبع قيمة لأ يرفضها عاقل، بل حتي أشد الدكتاتورين فتكا وإشعالا للحروبات، نجدهم يتحدثون عن السلام، وسعيهم لإحلاله! بمعني، إن القضية ليست في السلام، كقيمة إنسانية مطلوبة علي الدوام، ولكن الإشكال يكمن في تفسير تلك القيمة، وكيفية الوصول إليها، ومعالجة جذور مهدداتها من أجل إستدامتها، وهنا مربط الفرس!! وأفضل وسيلة لمعرفة تلك الإشكالية المحورية، يتمثل في جلوس الفرقاء او المتنازعين علي طاولة حوار، تساوي بينهم جميعا! بمعني إتاحت الفرصة لعرض كل المشاكل والتصورات المتباينة للمشكلة، أي بالتضاد مع فرض الراي الواحد او وجهة النظر الواحدة او الطرف الواحد، وإرغام الآخر علي القبول!! لأن ذلك يلغي معني الحوار أساسا، كآلية حضارية لحل الخصومات والخلافات، وجعل الصراع المُرادف لحالة الوجود البشري، يتفاعل في فضاء سلمي، ليُبرِز الرؤي الأفضل والأفيد لإستمرار الحياة بطريقة أكثر أمان وسلاسة! وكذلك لأبد للفرقاء من، أن يأتوا للحوار، بعقل مفتوح ورغبة صادقة، في إنجاز قضية الحوار والوصول بها الي بر الأمان. وكل ذلك لن يتم إلا إذا ما وضعت، أرواح وممتلكات ومصالح المواطنين، ومستقبل الأجيال القادمة، موضع الإهتمام والتركيز، او كهدف حصري لأي طاولة مباحثات او حوارات تعقد. ولكن وكما أشارت المبادرة، يعاني الفرقاء السودانيون من حالة إنعدام ثقة مُتجذرة، خاصة تجاه النظام. وذلك لعدة أسباب منها، عدم إيفائه بالوعود او إهتمامه بالمعاهدات التي يبرمها بنفسه! وإستخدامها فقط، كأحد وسائل التمويه لأمساكه بالسلطة منفردا. وكذلك لأن النظام هو من يملك معظم مفاتيح الحل، ولكنه لأ يرغب في الحلول الجدية! بكلام آخر، إن المشاكل منصبة بالتحديد علي إستيلاء النظام بطريقة غير صحيحة، علي الدولة بكل إمتيازاتها، مقابل حرمان الآخرين من حقهم فيها، أي نظام فاقد للشرعية والمصداقية! وبكلام محدد، إن المشكلة تكمن في النظام، فكيف يتأتي له أن يكون جزءً من الحل او صاحب كل الحلول، وبنفس الأساليب والعقلية المتحكمة!! بمعني أن النظام هو الطرف الذي يتوجب عليه، أن يبذل أقصي درجة من المرونة، ويقدم أكبر قدر من التنازلات، وتاليا يجب أن يتوجه معظم الضغط، وآليات الإكراه المباشرة تجاهه! وعند هذه النقطة بالتحديد يستبين ضعف المبادرة، او نقطة ضعفها المحورية التي تحتاج لمزيد من المراجعة والإضافة! ونقطة الضعف هذه تنقسم الي شقين، اولهما، لم تتحدث المبادرة عن وسائل الضغط الدولية، كآلية هامة وفعَّالة ومجربة ومضمونة النتائج! خاصة إذا ما أُتبعت بتهديدات جدية يفهما النظام جيدا! ولمسنا أثرها في قضية دخول القوات الدولية، بعد الحلف باليمين المُغلظ رفضا لدخولها، وهوان الموت مقارنة بتدنيس أقدامها لأرض الوطن!! وكذلك في تمرير الإستفتاء علي حق تقرير المصير لدولة جنوب السودان، دون الأعيب يدمنها النظام!! وثانيها أنها تركت آلية الضغط او الوساطة و إجراءات بناء الثقة، في يد الآلية الإفريقية، قليلة الخبرة وعاجزة الحيلة! لإعتقاد أنها أقرب وجدانيا للفرقاء وخاصة النظام، بعكس الأجنبي الغريب! ولإعتبار أن لها تجارب سابقة مع قضايا سودانية. ولكن كل الدلائل والمؤشرات تشي بعكس ذلك، بل وبمرور الزمن، تتحول هذه الآلية نفسها، الي احد وسائل النظام في المماطلة والإلتفاف والتسويف وشراء الوقت، علي حساب تضاعف أعداد الضحايا وإهدار فرص النجاة!! لذلك من الأفضل لنجاح المبادرة ولتخطي حاجز إنعدام الثقة، أن تتبني المبادرة القوي الدولية، بسطوتها ونفوذها المؤثر علي كل الفرقاء! ولكن لأ يعني ذلك وضع البيض كله في سلتها، حتي لأ نقع في فخ الحالة السورية، ولعُبة المصالح الدولية المتناقضة، وتمهُلها الذي يعني المزيد من إهدار الدماء وفرص التسوية وحفظ كيان الدولة من التفكك والتذرر. وفي هذا الإتجاه من الأهمية بمكان الأ تُتخذ قضية او مطلب السلام، كشأن يخُص المعارضة والنظام فقط. ولكن علي المعارضة أن تعمل علي تشكيل رأي عام داخلي، يعمل علي دعم قضية السلام والحل السلمي للمشكلة الوطنية، وتاليا دعم المعارضة في مواجهتها لنظام يعادي الجميع! وبهذا يتم وضع النظام النظام أمام خيارين، إما قبول السلام والتسوية السلمية، لمعالجة معضلة السياسة العامة! أو الثورة وإقتلاع النظام من جذوره، ومحاسبته حسابا عسيرا، علي إقترافاته الآثمة التي لا حد لها!! بمعني أن يعمل الضغط الخارجي بموازة الضغط الداخلي، وهذا هو الدور التنسيقي، الذي يجب أن تضطلع به القوي السياسية المعارضة وجماعات المجتمع المدني بأطيافهما العريضة. مما يستدعي تكتلها وتوحدها علي الأقل علي الحد الأدني، وهو إقتلاع النظام من جذوره.

ولكن التطرق لهذه المبادرة، بعد خطاب البشير الكارثي ووثبته المضحكة والمبكية في آن!! يُعتبر تحصيل حاصل، او كوضع العربة أما الحصان، بإعتبار أن خطابه الأخير كان أكبر خصم علي قضية السلام بصورة خاصة، وإستدعاء الحلول السلمية والعقلانية لمُعالجة الوضع السياسي المُرتبك والمحتقن بصورة عامة! ولكن أهمية السياسيين الحقيقيين، تظهر عند هذه المُنعطفات، أي عندما تدلهم الخطوب، وتتوه الدروب، وينتشر اليأس بين الناس! يظهر هولاء السياسيون الحقيقيون، لصناعة الأمل، بل إحيائه من العدم، ولفتح كوة ضوء في جدار الإحبط الصلد، بمعني أن ما يُميِّزهم هو القدرة علي إنتاج الفرص والبدائل والتصدي للمستحيل!! بهذا المعني، وعلي الرغم من صعوبة الحديث عن حل سلمي، مع نظام عدمي عقيدته حربية وشرعيته مطعون فيها! إلا أن ذلك لأ يجعل الحل السلمي مُستحيلا! خاصة ما يخُص جانب الحركات المُسلحة، بمعني إعطاء فرصة حقيقية للحلول السلمية والسياسية، ولكن بضمانات دولية قادرة علي إنفاذ التسويات. وبتعبير أكثر وضوح، علي الحركات المسلحة بصف خاصة، والمعارضة بصفة عامة. تبني هذه المبادرة، بالتنسيق مع الجهات الدولية، بل وإقناعها بوجهة نظرها وتحفظاتها علي بعض بنودها، علي أن يتم ذلك تحت سقف قبول المبادرة والتسوية السلمية. بمعني أن التسوية نفسها، يجب أن تقوم علي إحداث تحول حقيقي، في بنية النظام والدولة السودانية، بحيث يقطع هذا التحول مع أي إرتدادات، لأ للدولة الشمولية والإنقلابات العسكرية، أو لإحياء مُسببات النزاع والحروبات. وكل ذلك تُمثله وبكل بساطة، دولة المواطنة والحريات والقانون والمؤسسات، أو الدولة العامة او الدولة المحايدة، أي الدولة المُنحازة لوظيفتها وممتنعة علي الإستغلال. بمعني أنه يقع علي الحركات المسلحة والقوي السياسية، المُناهضة لنظام الإنقاذ، مُنتهي الصلاحية والجدارة السياسية والسلطوية! عبء إقناع المجتمع الدولي، برغبتها الصادقة في السلام والحلول السلمية. والطريق الي ذلك، يمكن أن يتم عبر تبني هذه المبادرة كما أسلفنا. لأنه وبهذا المسلك، يتم حشر النظام في زاوية ضيقة، وتجعله أمام خيارين أحلاهما مر في حلقه، أي إما تقبل خيار السلام والحل السلمي، تحت الإشراف الدولي ومتابعته ومراقبته، مما يؤدي الي تفككه سلميا وبأقل الخسائر! وإما أن (يركب رأسه) ويعاند ويرفض المبادرة المدعومة دوليا، وعندها يصبح هو الجاني والمجرم، وتتكشف حقيقته، كنظام إنقلابي يستخدم الأجندة الحربية، عوضا عن الأدوات السياسية ودعم السلام، في الوصول الي أهدافه السلطوية غير المُستحقة!! وعندها أيضا يصبح هدفا للعقوبات والمحاسبات والمحاكمات الدولية. وهي أشد وطأة وأقوم حيلة، مُقارنة بالإستجابة للمطالب الداخلية المُستحقة! ويحمد للمبادرة ذكرها لتجربة جنوب أفريقيا، كمثال يمكن الإستفادة منه، مع عدم إغفال الخصوصية السودانية، وتجربتها السياسة السابقة، وإرتهانها للدائرة الشريرة، ثورة ثم ديمقراطة لم يكتمل بدرها، يعقبها إنقلاب متطاول وغشيم ومهلك للحرث والنسل، ومعطل لحركة التاريخ! وكذلك يمكن الإستفادة من تجربة العدالة الإنتقالية التي إنجزتها بعض الشعوب. وكل ذلك لن يتم إلا بعد الإيمان ولإقتناع الكامل للفرقاء، بقيمة السلام وحق الشعوب في الحرية والكرامة والتقدم، أو إجبارهم علي الإقتناع بذلك!!

ركزت المُبادرة كذلك علي عدم إبعاد الإسلامويين، كفصيل من مكونات الحياة السياسية والإجتماعية، رغما عن أخطائه الفادحة وتنكره للتجربة الديمقراطية الحاكمة للبلاد سابقا! والمراد إستعادتها مرة أخري!! بمعني أن هنالك شكوك كثيفة تحوم حول قناعة وسلوك هذا الفصيل بالتحديد، تجاه إتباع النهج الديمقراطي الخالص، والخالي من الشُبهات وتأويلات الشوري وغيرها! أي دونما مُراجعة جذرية لكل المُنطلقات المُعادية للديُمقراطية، التي يرتكز عليها هذا الفصيل، وأقلاها دعم الإنقلابات العسكرية والتبرير لها دينيا!! لتكسبه هذا القدر الهائل من المراوغة والألاعيب المُطلقة! أي يصعُب الركون الي هولاء القوم، وتصديقهم وهم ينتهجون، النهج (المُسيلمي) في ممارسة العملية السياسية! وكل ذلك يحتاج لضمانات مُغلظة وإحتياطات لصيقة او جهاز إنذار مُبكر، للجم أي إنحرافات عن النهج الديمقراطي، قد يقع فيه هذا الفصيل(الذي يُمثل مسمار جحا في اي تجربة ديُمقراطية قادمة، ولكن سعة الديمقراطية تحتم وجوده وإحترام حقه!). وكذلك تم الإشارة الي أن هُنالك قطاعات إستفادة إقتصاديا، من هكذا نظام فاسد، وفق أي تحليل منصف او تقييم عادل! وتاليا يصعُب عليهم التخلي عنها بكل سهولة او دون ضمانات تُشجعهم علي فك الإرتباط به!! وعند هذه النقاط السالفة بالتحديد تكمن الصعوبة، او مرارة إبتلاع او قبول مثل هذه المبادرات! خاصة وهي بهذه الكيفية تتناقض مع مفهوم العدالة والمحاسبة، وغيرها من القيم النبيلة والآليات الهامة، لنزع المرارة والأحقاد التي سببها المجرمون من النفوس، ولحماية البلاد والعباد من التجاوزات والأخطاء المُستقبلية، التي يفتح بابها، التغاضي عن الأخطاء والتسامح مع المجرمين! ولكن يمكن الوصول الي نقاط إلتقاء عند هذه العقبة، وكما حدث في تجارب مُشابهة( لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا او المغرب) او إبتكار آلية جديدة توازن بين الإستقرار وعدم أرتكاب الأخطاء في المستقبل! وبما أن هذه العقبة تمثل العقدة في المنشار، فهي تحتاج لمزيد من فضيلة التسامح، او الروح المانديلية كما ذكرت في مادة سابقة. علي حساب روح التشفي والإنتقام من قبل المعارضة! ولكن لكي يتم ذلك ولو في حده الأدني، فهو يستدعي علي الأقل الإعتراف بالأخطاء وإرجاع الحقوق وتعويض الضحايا والإعتذار الصريح، وقبول الضمانات التي تضمن عدم العودة مرة أخري، لمُمارسة الإستبداد او مُناصرة الإنقلابات العسكرية! ولتسهيِّل هذه الخطوة وكما ذكرت أيضا في مادة سابقة، يمكن أن تجري محاولة لتقسيم النظام نفسه اي تبعيضه، او عدم رؤيته كحالة واحدة مُتماسكة. بمعني، أنه نظام فاسد وغير مؤتمن هذه حقيقة! كما أن خصوماته ومنازعاته وصراعاته الداخلية، تتم تحت سقف إستمراره في السلطة، والنأي عن المحاسبة وكشف الجرائم المشتركة، وهذه حقيقة ثانية!! ولكن يمكن عبر مدخل التيارات الأقل نصيبا في السلطة، والناقمة علي الدائرة الضيقة، او النواة الصلبة المُحتكرة للقرار والإمتيازات! أن يحدث إختراق داخل النظام من الداخل! وهذه النظرة منطلقة من رغبة في إحلال السلام والحل السلمي، وليس عن قناعة بإمكانية تغير هذه التيارات الناقمة او تصديقها!! ولكنها في نفس الوقت علي قناعة تامة، بمدي حب هذه التيارات الناقمة للحياة، وتعلقها بمباهجها! ورغبتها الصادقة في الإبتعاد عن دفع ثمن أخطاءها كاملة! بمعني، إن التعويل ليس علي حكمتها او أخلاقياتها! ولكن علي حرصها علي الحياة، وخوفها من خسران كل شئ، وأن تُحشر في زُمرة النادمين سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا، عندما تقع الواقعة التي ليس لوقعتها القريبة كاذبة!! من هذه الزاوية يمكن القيام بمحاولة شق هذا النظم عموديا اي شق مؤثر، او تخريبه من الداخل بايديهم! أي من أجل الضغط عليه بقوة لإحداث التغيير المنشود! ولكن الصعوبة الحقيقية تكمُّن، في أن هذه المبادرة العقلانية، تُطرح في حضرة نظام وجماعة غير عقلانية بالمرة!!

الخلاصة، إن هذه المُبادرة وبطرحها العقلاني، المُتفهم للواقع وإحتياجاته، وقبل ذلك مُنطلقاتها من أجل تحقيق السلام وإستدامته، عبر الحل الشامل للأزمة الوطنية. تُمثل إختبار حقيقي للنظام غير الجاد! من جهة، وللمعارضة بكل تشكيلاتها من الجهة المُقابلة، ولمدي جديتهما في الإنخراط بصورة كاملة وصادقة عبر البيان بالعمل، في إجتراح حلول سلمية ومستحقة، لمشاكل الوطن ومعاناة المواطنين! الذين عانوا كثيرا من الحروبات والصراعات السياسية العبثية للنخب، ودفعوا فواتيرها دما ودمارا، ومعاناة إقتصادية تفوق حد الوصف، ويصعب إحتمالها إلا لشعب من أولو العزم والصبر كالشعب السوداني، إلا أن صبره قد نفد الآن، عبر التملمُل الظاهر او المكتوم! من شدة الفشل والعجز المفتوحان علي أفق السرمدية!! أو علي الأقل تقديم مبادرة بديلة تخاطب التعقيدات والمشاكل المستفحلة، بصورة أكثر جدية وصدق، لرتق فتق أوضاع هذا الواقع المُشارف علي الإنزلاق الي المجهول! أي إما قبول هذه المبادرة والبناء عليها، او إجتراح بديل أفضل! فهذا هو الحد الفاصل بين الذهنية العقلانية الإنسانية المسؤولة، وبين الذهنية الرغبوية التسلُطية، التي لأ تستنكف عن إنجاز مشاريعها الخاصة! ولو علي جماجم المواطنين وضياع الوطن!!
أخيرا
مرحبا بالسلام العادل والحلول السلمية من أي إتجاه أتت وعبر أي مدخل وصلت! وطوبي للباحثين عن السلام، في عز جنون الحرب! وفي عمق الكوارث والمحن!! وفي الختام، نُردد مع الملائكة بتعبيرات النص المسيحي، المجد لله في الأعالي وعلي الأرض السلام وبالناس المسرة.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 715


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة