الأخبار
أخبار السودان
الفَيـْتوري: شَـاعِـرٌ وطـنُهُ النّهَـائي هُـنا



02-19-2014 10:51 PM
بقلم: جَمَال مُحمّد إبراهيْم

( 1)
ما عهدت وزارة الخارجية تغرق في صمتها، غير آبهة بما قد يتصل بمنسوبيها، إن كانوا في خدمتها الحالية، أو خرجوا عنها لسببٍ من الأسباب. أقول صادقاً: إني عهدتها حين أدرتُ دائرة الإعلام فيها، بين 2005 و2006، أكثر صدقية وأشد التزاماً في الاهتمام بشئون منسوبيها.
ترى ما الذي غيّر الوزارة، ووزيرها هو ذات الوزير الصديق الذي عرفت..؟
في مرّة شكا الشاعر السفير محمد المكي إبراهيم، بعد أن غادر الوزارة لسنوات، وبعُدَ عنها وعن متابعة أحوالها، لكونه لم يجد من يعينه في شأن قنصلي في وجهه العام وشخصي في حقيقته. كان صديقنا الشاعر محمد المكي مقيما في الولايات المتحدة، وطالت إقامته واحتاج أن يجدد صلاحية جواز سفره من السفارة السودانية في واشنطن. لم تستعجل السفارة أمر التجديد فحسب، بل وقع ما رآه الشاعر السفير مماطلة غير مستحبة في تعامل السفارة مع سفيرٍ سابق، خبرها وسجّل بذلاً يحقّ لذلك السفير أن يباهي به، كونه أحسن الأداء في مهنته، دبلوماسياً وسفيراً كبيرا. رصد العاملون معي في إدارة الإعلام ما جاء في الصحف عن شكوى السفير المتقاعد محمد المكي إبراهيم ، ممّا حسبه تقاعساً من طرف السفارة في انجاز المعاملة القنصلية التي طلبها. في حقيقة الأمر كان السفير المكي في حاجة لجواز سفرٍ جديد بعد أن امتلأت صفحات جواز سفره القديم بالأختام والتوقيعات والملاحظات. بدا لي وأنا في رئاسة الوزارة في الخرطوم، أن من بيدهم أمر السفارة استرابوا في وضعية السفير محمد المكي، وكان دأبهم حجب المساعدة القنصلية لمن يحتاجها من السودانيين طالبي اللجوء في الولايات المتحدة. محمد المكي ابراهيم شاعر ضخم، ملأ الآفاق وسفير همام..
رفعتُ الأمر في مذكرة عاجلة للمسئولين وللوزير مباشرة، لما في الأمر من مساس بصورة الوزارة في الإعلام إن شاع أنها لا تحسن معاملة أحد منسوبيها السابقين. وجَّه الوزير بلا تردّد أن نبرق السفارة في واشنطن لإنجاز المعاملة على الفور. بعثتُ ببرقية من مكتبي إلى واشنطن، ولم يأخذ الأمر وقتاً، إلا والسفير المكي حصل على جواز سفره الجديد.
لأن الشاعر السفير يدرك تماماً ما بذلناه من أجل حقٍّ ينبغي أن يناله دون ضجّة، آثر أن يقول شكراً لمن ساعد في أمر جواز سفره، وكتب مقالاً رصيناً، بعنوان: "الشكر لمن يستحق الشكر". ما كنتُ أنا الذي يستحق ذلك الشكر بل مؤسسية وزارة الخارجية التي هبّت تعزز مكانة أحد سفرائها الكبار، وهي وزارة الوطن لا ممثلية لحزب أو تيار..
(3 )
ما كان عهدي بوزارة الخارجية أن تنسَى، بل وليس لها أن تتناسَى، بعضَ فضائل العاملين- من لا زالوا فيها ومن غادروها- فالتقدير أوجب أن يتبع ، والتواصل أنسب أن يتصل بتراحمٍ وإبرار، مع من اعتلّ من منسوبيها أو حاصرته من الدّهر نوائبه. لذا ما توانيت حين اطلعت على مقالٍ للرّاحل سيد أحمد خليفة في صحيفة "الوطن" اليومية، يناشد وزارة الخارجية أن لا تنسى سفراءها ومنهم سفير أقعده المرض، وكاد أن يعرض بيته للبيع حتى يسد كلفة العلاج. هرعت أعدّ مذكرة في الموضوع، مقترحاً على وزير الخارجية أن يسعى بما له من صلاحيات، لنجدة سفير معتل، يحتاج لمساعدة تقيهِ ذلّ السؤال وهو سفير كبير، خرج من الوزارة بدعاوى الصالح العام، أوّل أسابيع التغيير الذي لحق بالبلاد في يونيو من عام 1989. الدواعي الإنسانية تتجاوز الدعاوى السياسية، بل تمحوها تماماً وتبقى صورة الوطن ومن يمثله، قصارى جهدنا أن تكون بهيّة على الدوام. استدعاني الوزير الأستاذ على كرتي، وطلب منّي ومن المسئول الإداري والمالي الأول، أن يزور كلانا ذلك السفير المعلول ونرفع مقترحاً عاجلاً بتقديرات معقولة لمساعدة الرجل.
بعد أقلّ من ساعة كنا في زيارة ذلك السفير في بيته في ضاحية الرياض، وكانت حاجته عاجلة لمراجعة طبية عند طبيب بمستشفى لندني، وأن المبلغ الذي يمكن أن تعينه به الوزارة لن يقلّ عن خمسة عشر ألف دولار أمريكي. في اليوم التالي كان السفير المعلول معنا في الوزارة، برغم إلحاحنا أن يبقى في بيته لنعوده ونسلمه مساهمة الوزارة، لكنه آثر أن يأتي بشخصه ليقول شكراً للوزارة التي تبرعت بعلاجه. أتذكر أن وزير الخارجية وجّه أن تتكفل الوزارة بتذاكر السفر للسفير ولمرافقه، وترتيب تأشيرات الدخول من السفارة البريطانية.
(4 )
حين كتب اتحاد الكتاب السودانيين، مناشدة مفتوحة قبل أيامٍ قليلة، مناشداً الإسراع بمنح شاعرنا الكبير محمد مفتاح الفيتوري، جواز سفر سوداني يعينه في التحرك هو وأسرته ، لزيارة السودان، كان يخاطب ضميراً يستشعر ما للفيتوري من مكانة في وجدان الأمة السودانية. إلا اني استشعرت أسىً وانكسارا. .
نعلم أن للفيتوري صلات رحمٍ وعلائق أسرية تتوزّع على أنحاءِ وطنه العربي وأقطاره. كانت "الجنينة" وطناً له مثلما "الاسكندرية". كانت الخرطوم مأوىً حميماً، مثلما كانت بيروت مقامه الحبيب. حَسِبَ القاهرة بيته- مُحقاً- وجعلَ ليبيا هواه. كنتُ أعرف عن صلاته بدار مساليت في دارفور، إذ جمعتني علائق وصداقة حميمة مع أسرة السلطان الراحل محمد عبدالرحمن بحر الدين، والد سلطان "الجنينة" الحالي الصديق سعد بحر الدين، وسمعت سيرة الرجل ترد كثيراً على ألسنتهم. حكت لي الأميرة خالدة كريمة السلطان الراحل كيف هرع محمد الفيتوري للقائها حين حلت بالقاهرة ذات زمان، بما يعكس تقديره وإجلاله للسلطان الذي هو جزء من أسرته، وكيف عبّر لها عن امتنانه لكلِّ ما لقي من الراحل العظيم مِن رعايةٍ واهتمامٍ ومحبةٍ منذ سنوات خلتْ.
( 5)
يكتب الكاتب والناشر اللبناني، المحبّ للسودان وللأدب السوداني، الأستاذ أحمد سعيد محمدية عن الفيتوري، في كتابه محمد الفيتوري: ملامح من سيرة مجهولة- دار العودة- بيروت، 2008 يقول: ((ومثلما ولد الشاعر على التخوم، تخوم السودان من غير أن ينتمي إلى وطن أول ونهائي، كما كان أيضا – ولا يزال – شاعر التخوم، شاعراً على تخوم الغناء والالتزام والكلاسيكية والرومنطيقية والحداثة. إنه أيضاً شاعر على تخوم الخريطة العربية والإفريقية، وعلى تخوم العروبة والزنوجة. هكذا نشأ بحرية وعاش بحرية وكتب بحرية، متنقلا بين قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية التي لم يتخلَ عنها وهو المأخوذ بجمالية الشعر النهضوي ومدارسه...شاعر بلا وطن نهائي، في دمه تمتزج أعراق الأرض التي ولد عليها في غرب السودان: عرق بدوي وقبيلي وزنجي ونيلي..لم يكن يضيره أن يسمّى شاعراً سودانياً أو ليبياً وهو الليبي الأصل، بحسب تحدّر عائلته، أو شاعراً إفريقياً أو عربياً ، أو شاعراً مهاجراً ومترحلاً ومقتلعا.))
يلتبس الأمرُ على أكثر الناس قرباً من الشاعر الفيتوري: أيّ انتماء يحمل هذا الشاعر العربي الأفريقي..؟ دارفور التي ينتمي إليها هي إقليم من أقاليم السودان القديم الذي يتمدد من غرب السودان الحالي شمالا إلى ليبيا وغربا إلى تشاد. ذلك إقليم كبير تقاســـمه المستعمرون قسمة ضيزى، في ظاهرة التدافع نحو أفريقيا (The scramble for Africa)، والتنافس الاستعماري من قبل الدول الأوربية باتجاه القارة الأفريقية والذي بدأ في عام 1880 م، واستمر حتى سنوات الحرب العالمية الأولى، ونتجت عنها التباسات في هوية أكثر البلدان الأفريقية..
(6 )
مصر التي شهدتْ بواكير تنشئته فيها، تركتْ بصماتٍ واضحة في وجدانه. كان طبيعياً أن تكـون قصيـــــدته الجميلة بعنوان "الحوذي"، ضمن قصائد المناهج المصرية، أواخر خمسينات القرن الماضي.. أقتبس لك بعضَ أبياتٍ منها:
"أيّها السائق ..رفقـاً بالخيــول المُتعَبــــــةْ"
"قف.. فقد أدمَى حديدُ السَّرج لحـم الرّقبــهْ"
"قف.. فإنّ الدربَ في ناظرةِ الخيْل اشْتبهْ"
"هكذا كانَ يغنّـي المـوتُ حـولَ العرَبـــــه"
بيروت وقد عشقها مقيماً فيها لسنوات، رسختْ طرفاً في هويته. كتب في ذكرى رحيل شاعر لبنان الأخطل الصغير:
أنتَ في لبنــان والخلدُ هنا والرّجال العبقريون أقــاموا
حملوا الكونَ على أكتافِهم ورَعوا غربتهُ وهو غُلامُ
غرسوا الحبَّ فلمّا أثمـر الحبُّ أهدوه إلى الناسِ وهامـوا
غُرباء ومغنين.. وأحلى أغانيهم على الأرض الســلامُ
=
وتكتب الأديبة اللبنانية غريد الشيخ، كتاباً عن الشاعر في سلسلة "أيام معهم" :الفيتوري – دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2001، عن تنقّل الشاعر بين العواصم العربية، فيقول لها الفيتوري: (( لعلني محظوظ تماماً إذ أجدني انسانا آخر منتمياً بكل جوارحي إلى هذه المواقع ..لا، إنها منابع ذكرياتي ومواقع طفولتي ومسارح أحلامي، وأنا لا أستطيع أن أقول إن انتمائي إلى هذه يفوق انتمائي إلى تلك، إنني قطعة لحم بشري تحمل من هذا وذاك..))
هو الآن في الرباط عاصمة المغرب، وهي مقامه مع أسرته الصغيرة في السنوات الأخيرة، لكنه يأسى وهو الذي ألف المراوحة بين عاصمة عربية وأخرى، بين نخلة أظلته ذات يوم وغمامٍ راحلٍ رافقه ذات موسم، بين ابتسامة في الإسكندرية ودمعة حرّى في بيروت.. يأسى أن تقعده العلة ويحاصره الشوق إلى أمكنة ألفها وألفته، ثم لا يجد طريقاً إليها.
( 7)
في مقال نشرتُهُ في صحيفة "الأحداث" السابقة في أواخر عام 2009، كتبتُ عن الفيتوري ما صدر عن محبتي لهذا الشاعر الفحل، فأشرت إلى المدن التي عشقها. قلتُ في ذلك المقال:
((..لكلّ مدينة من هذه المدن قصص طويلة مع الفيتوري، ومنها ما ترك أثره في الفراشة، ومنها ما تخلق رحيقه منها، ومنها ما خصم من طمأنينة الشاعر، فأصابه من شوكها وحصرمها ما أصابه. لكنه بقي فتياً في ذلك اللهب الصوفي الذي سكن جوانحه، فكأنه من قبيل الفراش القلق توقاً لاحتراق مستحيل، المتنقل وكأن لا حاجة به إلى جوازات أو سمات دخولٍ وعبور، بين بلدان فشلت في أن تلغي الحدود الوهمية، فأرهقت حتى الفراش الراحل بين عواصمها، حتى لتكاد أجنحته الرقيقة أن تنكسر، وهو الذي كسب الصلابة عودا، ويكاد أن يحتويه ظلام الغياب، وهو الذي أحبته الشموس وعشقته الأقمار.))
واقترحتُ في ذلك المقال على اتحاد الكتاب السودانيين وعلى وزارة الثقافة الولائية في الخرطوم، ثم على كوكبة المنتديات النشطة في الساحات الخرطومية، لأن تعد تكريماً للشاعر الفيتوري- وهو الشاعر الذي وضع بصمة سودانية واضحة المعالم في خارطة الشعر العربي- أن تتبنى هذه الجهات، وفي احتفائية تليق بمقامه السامي، مشروعاً لحديقةٍ أو دارٍ للثقافة تحمل اسم الشاعر محمد الفيتوري ..
أما عن جواز سفره فإنّي أناشد من وصله الملف في وزارة الخارجية، أن يعهد به ويحيله للوزير الذي يعرف كيف يستجيب دونما ضجيج، ويعرف كيف يعيد البسمة قبل أن تتحول إلى دمعة. لوزارة الخارجية أن تفخر أنها منحت الجواز الدبلوماسي لسفير السودان إلى الشعر العربي: محمد مفتاح الفيتوري ...
===
الخرطوم – فبراير 2014
[email protected]






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1021


خدمات المحتوى


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة