الأخبار
منوعات سودانية
رواية ( الفحل ) للكاتب الحسن محمد سعيد والطموح غير المتبصر
رواية ( الفحل ) للكاتب الحسن محمد سعيد والطموح غير المتبصر



03-07-2014 10:43 PM
صالح باعامر

(( ... ما عهدته كذلك ، كما أشعر اللحظة !! . كان صبوراً منفتحاً ، متسامحاً ، مرحاً .. أين صناع كل ذلك الجمال النفسي ؟! تفتيت النفوس أصبح جزءً من تفتيت ؟!! من رواية الفحل للروائي السوداني الحسن محمد سعيد )) ص "133" الصادرة عن دار عبادي صنعاء 2013م .

كنت أعتقد أن الطيب صالح الروائي الوحيد الذي شكل فناً روائياً وقصصياً أهله بأن يوصف بعبقرية الروائية العربية عندما أصدر روايته عرس الزين وقبلئذٍ مجموعته القصصية ( دومة حامد ) ثم روايته الأشهر موسم ( الهجرة إلى الشمال ) ذات التكنيك المغاير بمنطق ستينيات وسبعينيات " ق 20" .

رواية موسم الهجرة إلى الشمال بشرت برواية عربية مختلفة ليس من تكنيكها وتقنياتها فحسب وإنما أيضاً من خلال تناول ثيمتها التي تمت معالجتها بفنية مختلفة حيث أن الصراع بين الشرق والغرب مطروقاً في عدد من الروايات العربية التي صدرت من قبل .

عالجت موسم الهجرة إلى الشمال العلاقة بين الشرق والغرب والمستَعمر بشماله والمستعمِر المتقدم حضارياً لتأتي شخصية مصطفى سعيد السودانية غازية لأوربا وفي عقر دار المستعمِر لندن لكن غزوه كان جنسياً . فهو يتزوج جين مورس اللندنية التي عبرت عن مشاعر الاحتقار نحوه . ومع ذلك استطاع أن يتزوجها ثم يقوم بقتلها بعد مضاجعتها في بيت الزوجية .

وهذا يذكرنا بما فعله عطيل المغربي القائد في جيش فينسيا في مسرحية " عطيل " لوليم شكسبير الذي قتل زوجته ديدمونة . فالاثنان أفريقيان والاثنتان أوروبيتين .

مصطفى سعيد قتل جين مورس لأنها كانت متأبية عليه وشامخة تجاهه وعطيل قتل ديدمونة لأنه تملكها جسدياً ويشعر في داخله بأنه لم يمتلكها روحياً .

حين توغلت في رواية ( الفحل ) للروائي السوداني الحسن محمد سعيد عدت إلى الخلف فتراءت لي أجواء الطيب صالح في أعماله الروائية والقصصية . وإذا كان الطيب صالح قد عالج ثيمات كانت تشغل الإنسان العربي عامة والسوداني خصوصاً فإن رواية الفحل للروائي الحسن محمد سعيد اعتنت بالقضايا الاجتماعية والسياسية وأزمة الأنظمة العربية وإن وقفت عميقاً أمام علاقة المثقف بالسلطة ومجمل الأمور التي يمور بها السودان والتي أثرت على المواطن والمثقف الذي لم يجد من ملاذ سوى الهجرة أو الارتباط بالنظام من أجل الوصول وتحقيق الطموح الذاتي وإن خالف رؤاه .

وكون المثقف لا يملك سوى الكلمة والإجهار بالرأي المعارض في ظروف الفحل وصديقه والتي كانت محاصرة ومطاردة فلقد وجد الصديقان نفسيهما منبوذان فالفحل عانى من المطاردة والاختفاء وصديقه وجد نفسه مهاجراً في لندن ليعمل مستشاراً قانونياً في إحدى الشركات ، يهرب من معاناته ويلوذ إلى السلطة التي حاربته نفسياً وجسدياً حتى أذعن وارتبط بالنظام الذي استغل ثقافته وتخصصه .

وباختراقه لمؤسسة الدولة وتوليه مناصب كبيرة وجد المجال لكي يحقق تنبؤات الكاهنة النصرانية التي ما إن رأته في يوم مضى حتى انجذبت إليه واقتربت منه لتتنبأ له بمستقبل باهراً وسيصبح يوماً رئيساً للدولة في السودان .

أبحرت بنا رواية الفحل نحو مرافئ وفضاءات عديدة وطاف بنا الكاتب إلى أجواء اعتجن فيها الحب بالسياسة وبجماليات الصورة واللحن واللون والنغم والمكان والزمان والمرأة المبهرة وبشخصيات تتعالق وتتشاكل ، تلتقي وتفترق لتلقي شخصية الفحل محمد عثمان تشدك بثقافتها بضعفها أمام الحسيات المادية ولذيذ الحياة وبأنفصيامتها وثقافتها وجاذبيتها .. فهي تمتلك سجايا إنسانية لكن طموحها ( غير المتبصر ) يؤدي بها إلى الوقوع في الانتهازية.

قال عنه الذي يقاسمه أيامه منذ دراستهما سوياً من الثانوية وحتى الجامعية والدراسات العليا واشتراكهما في مغامراتهما الجنسية وأحلامهما التي تلتقي وتتعارض : صديقي الفحل كان فحلاً وكنت أعجب من قدراته الهائلة في القراءة والكتابة وحضور الاجتماعات والندوات وحب النساء بتلك الطاقة .

ولجت مرحلة مر بها السودان .. هذا البلد الذي يختزن الإمكانيات المادية الطبيعية والعلمية والثقافية والبشرية .. والأهم من كل ذلك حب المواطن لوطنه والذي كثيراً ما يتجلى ناصعاً في إبداعات شعراءه وكتابه وفنانيه وكل المبدعين المبعدين الذين سطروا أروع الكلام للتعبير عن الحب والحنين :



​في الأرض حيران ضائع

دام كثير المواجع

أرنو إليك وأغدو

كالطفل في كل شارع

وارتمى فوق حزني

وفوق شوك المضاجع

وبيتنا يابلادي

ستارة من مدامع

وصورة بلادي

قد لونتها المفاجع

تدور أحداث الرواية بين الخرطوم والقاهرة ولندن .. داخل الطائر في المطارات ، في القطارات ، في الفنادق .. واتكأت على شخصيات أخصبت ثيمة الرواية . وجسدت الموقف الموالي والمعارض وأبرزت المثقف الانتهازي والمناضل الهارب .. هذان الصديقان الأثيران إلى بعضهما رغم تناقض نظرتهما الحياتية والفكرية ، هذا التناقض الذي أدى بهما إلى الافتراق حين هاجر الخبير في القانون إلى لندن متخذاً موقف المتفرج على ما يجري داخل السودان وظل الفحل المتخصص في قضايا المجتمع واللغات في السودان مهادناً للنظام متمتعاً بمباهج الحياة التي حلم بتحقيقها كثيراً .

يبلغ الضعف البشري عند الفحل مداه بسقوطه في مستنقع السلطة ، طامعاً في حياة أكثر بروزاً منساقاً نحو نوازعه الحسية مستغلاً ثقافته ومواهبه مندفعاً نحو طموحه الذي أوصله إلى ( طموح غير متبصر ) الذي يقوده إلى التهلكة ص (13)

شخصية العمل الجذابة جعلت صديقته المضيفة الإثيوبية التي تحبه إلى حد الجنون التي طالما نصحته بعدم الإنجرار إلى النظام ، لكنه يصر على تحقيق ما يريد : فيقول لصديقه الفحل :

- ما ظننت يوماً أن تعلقي به سيصبح إلى هذه الدرجة .
- الدنيا لا تصفو على الدوام .( 13)
وذات مساءٍ لندني صقيع جاء الخبر إلى الصديق

لقد اختفت الطائرة التي تقل الفحل مع وفد حكومي المتجه إلى الفاشر ولا يعرف مصيرها . ص (16) وكانت النهاية للعمل .

هذه الرواية تسجل تاريخ حقبة من تاريخ السودان الحديث التي تمور بالأحداث والصراعات قبل وبعد انفصال الجنوب عن الشمال . والرواية تكتظ بالصور المليئة بالجماليات التي قلما تجدها إلا في الكتابات الناضجة ، وهي من الأساليب التي تحتفي بها الروايات الحديثة التي تنقلك من تقنية حديثة إلى أخرى منها هذا المنلوج :

يا إلهي .. ماهذا الجسد الذي يكاد يتخلى عن جزئه الأعلى من كثرة التدافع الحركي الراقص .. يطفح الصدر كفيضان النيل المتدفق من المرتفعات هذا الكفل المتكور كقبة الشيخ في قريتنا . لا يمل التحدي والشموخ والاعتداد .. لعله يستدعي مريديه فيهرعوا إليه .. ومن منا لا يجنح للهرولة . أنني من المهرولين إلى هذا الجسد الأمهري .. أين هو الصبر .. يامغيث ص (73) أو هذا الديالوج الذي يوضح فيه الفحل لصديقه بأنهما متساويان في التخاذل :

(( شف يا صديقي نحن مثقفو السودان نوعان ما فيش ثالث .. نوع مثلي انتهازي حقير ، يرى مصلحته فقط ويذهب التاريخ والوطن إلى الجحيم ، ونوع آخر مثلك يهرب ويترك الجمل بما حمل وينجو بجلده وهذا النوع أيضاً يذهب معه التاريخ والوطن .

لكن السودان يطل هو الأبقى في قلب وعقل المبدع المناضل أكان في داخل السودان أوخارجه .

ما أجمل المساء في عينيك يا مدينتي منسكباً في حوائط البيوت ( الفيتوري )






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1013


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة