الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
كتب أنقذتني في زمن القتل الأخوي
كتب أنقذتني في زمن القتل الأخوي


03-12-2014 10:26 AM

مريم مشتاوي
حين أغمض عيني وأقفز من نافذة الحلم الليلية لأعود إلى الطفولة، أجد نفسي مع أمي وجيراني.. كلنا في الطابق الأول من العمارة اعتقادا منا أنه الأكثر أمنا في زمن الحرب الأهلية اللبنانية.

في زمن غدر، قد تكون القذيفة من حزب أحد عناصره من نفس المنطقة أو الشارع، وأحيانا كثيرة من نفس البيت.

أعود إلى الطابق الأول حيث تجلس أمي فوقي لتحميني من الموت.

أعود إلى الليلة التي سمعت فيها انفجارا كبيرا وبعدها مباشرة حجبت سحابة بيضاء رؤيتي لكل من كان حولي.. كنت خائفة أن أنادي أمي فلا تجيبني.

للحظات قليلة عم الهدوء... وكأن الكل كان خائفا من الشيء نفسه.. كانت لحظة موت موصولة بصداقتي اللاحقة للكتاب.

بعد ذلك الحادث قررت أمي أن نغادر بيتنا في بعبدا، المكان الأكثر استهدافا في تلك الفترة... انتقلنا إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت حيث كانت تعمل ممرضة، وكانت عمتي رئيسة قسم التمريض في المستشفى نفسه.. وبحكم منصب عمتي الكبير كان عندها بيت داخل المستشفى، فسكنت معها في بيتها... كانت تذهب إلى العمل وأبقى وحيدة... لا حقل أركض فيه، ولا فراشات أطاردها، ولا لعبة صغيرة أسرح لها شعرها.. ولكم كانت هناك مكتبة صغيرة تزدحم بالكتب.

وكنت في العاشرة من عمري ولم يكن أمامي خيار سوى أن أصادق الكتاب... ولفتت انتباهي مجموعة روايات جرجي زيدان عن تاريخ الإسلام، تلك الروايات الرائعة التي دمجت بين التاريخ والقصص العاطفية.. في ذلك الوقت لم يكن يهمني دقة الأحداث التاريخية بقدر اهتمامي بالقصة العاطفية وتأثري بها... قصص جعلتني أبدأ بالتعرف على رومانسيتي وأنوثتي.. وتدريجيا بدأت أعشق القصص التاريخية بسبب أسلوب زيدان المتميز بالتشويق. وبات الخيال ملجأ لتلك الطفلة البريئة لتهرب من الحرب... وكأن كتابات جرجي كانت جسرا من الخيال ينقلني إلى عالم رومانسي آخر بعيد كل البعد عن زمن القتل الأخوي.

ومرت الأيام لتدخل الشابة الجامعة الأميركية في بيروت وتتعرف على فن المسرح الروائي مع سعد الله ونوس وكتابه «الفيل يا ملك الزمان». علمتني هذه المسرحية عدم الاستسلام للظلم والتمرد على الضعف والخروج من الخوف ومساندة الحق.

ومن الأسماء التي أسرتني في ذلك الوقت فدوى طوقان في أعمالها الشعرية الكاملة، وصولا إلى محمود درويش ونزار قباني وبدر شاكر السياب ودواوينهم الرائعة التي نضجت بين أحضانها.

ولا يمكنني أن أنسى غادة السمان في كتابها «الحنين إلى الياسمين».. تلك الكاتبة الرقيقة صاحبة الخيال الخصب والصور الشعرية المبدعة.. شاعرة تدخل ديوانها وكأنك تدخل من بوابة أليس إلى مدن العجائب.

لي حكاية حب قصيرة مع كل هذه الكتب... وكل كتاب منها دون قليلا من شخصيتي وبلور أفكاري وحدد وجهتها فتشكلت امرأة عاشقة لقدسية الحرف... وفي بحث دائم عن كتاب جديد يوقعني في غرام سحره ويحملني بعيدا عن كوكب الخذلان.

* شاعرة بريطانية ـ لبنانية

* لها: «ممر وردي بين الحب والموت»، «هالوين الفراق الأبدي» و«حبيب لم يكن يوما حبيبي».

الشرق الاوسط


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1095


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة